المصاحف

جواهر القران لأبي حامد الغزالي

 كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي


 مصاحف روابط 9 مصاحف
// ////

المصحف مسموعا للشيخ خليل الحصري

سورة الفاتحة /سورة البقرة /سورة آل عمران /سورة النساء /سورة المائدة /سورة الأنعام /سورة الأعراف /سورة الأنفال /سورة التوبة /سورة يونس /سورة هود /سورة يوسف /سورة الرعد /سورة إبراهيم /سورة الحجر /سورة النحل /سورة الإسراء /سورة الكهف /سورة مريم /سورة طه /سورة الأنبياء /سورة الحج /سورة المؤمنون /سورة النّور /سورة الفرقان /سورة الشعراء /سورة النّمل /سورة القصص /سورة العنكبوت /سورة الرّوم /سورة لقمان /سورة السجدة /سورة الأحزاب /سورة سبأ /سورة فاطر /سورة يس /سورة الصافات /سورة ص /سورة الزمر /سورة غافر /سورة فصّلت /سورة الشورى /سورة الزخرف /سورة الدّخان /سورة الجاثية /سورة الأحقاف /سورة محمد /سورة الفتح /سورة الحجرات /سورة ق /سورة الذاريات /سورة الطور /سورة النجم /سورة القمر /سورة الرحمن /سورة الواقعة /سورة الحديد /سورة المجادلة /سورة الحشر /سورة الممتحنة /سورة الصف /سورة الجمعة /سورة المنافقون /سورة التغابن /سورة الطلاق /سورة التحريم /سورة الملك /سورة القلم /سورة الحاقة /سورة المعارج /سورة نوح /سورة الجن /سورة المزّمّل /سورة المدّثر /سورة القيامة /سورة الإنسان /سورة المرسلات /سورة النبأ /سورة النازعات /سورة عبس /سورة التكوير /سورة الإنفطار /سورة المطفّفين /سورة الإنشقاق /سورة البروج /سورة الطارق /سورة الأعلى /سورة الغاشية /سورة الفجر /سورة البلد /سورة الشمس /سورة الليل /سورة الضحى /سورة الشرح /سورة التين /سورة العلق /سورة القدر /سورة البينة /سورة الزلزلة /سورة العاديات /سورة القارعة /سورة التكاثر /سورة العصر /سورة الهمزة /سورة الفيل /سورة قريش /سورة الماعون /سورة الكوثر /سورة الكافرون /سورة النصر /سورة المسد /سورة الإخلاص /سورة الفلق /سورة النّاس

كل مدونات لاشير لاشيرك

الثلاثاء، 12 يونيو 2018

10كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة والأمور العظام يوم القيامة لابن كثير / شَجَرة طوبى



شَجَرة طوبى
قال الإِمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، حدثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عامر بن زيد البكالي، أنه سمع عتبة بن عبيد الله السلمي يقول: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الحوض، وذكر الجنة، فقال الأعرابي: فيها فاكهة. قال: نعم. وفيها شجرة تدعى طوبى? فذكر شيئاً لا أدري ما هو، قال: أي شجر أرضنا تشبه? قال: ليست تشبه شيئاً من شجر أرضك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتيت الشام? قال: لا. قال: تشبه شجرة بالشام، تدعى الجوزة، تنبت على ساق واحد، وينفرش أعلاها.
قال: ما عظم أصلها? قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك، ما أحطت بأصلها حتى ينكسر عرقوبها هرماً. قال: فيها عنب? قال: نعم. قال: فما عظم العنقود? قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر. قال: فما عظم الحبة أنتخذ منها دلواً? قال: نعم. قال الأعرابي: فإن تلك الجنة لتسعني وأهل بيتي? قال: وعامة عشيرتك.
وقال حرملة عن عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو، أن دراجاً حدثه، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك فقال: "طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي، ولم يرني " فقال رجل: يا رسول الله: وما طوبى? قال: شجرة في الجنة، مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها".
سِدرَة المُنْتَهى
قال الله تعالى: "وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلةً أخْرَى عِنْدَ سدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَها جَنَّة الْمَأوى إذ يَغْشَى السدْرَةَ مَا يغْشَى مَا زَاغَ الْبصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبهِ الكُبْرى".
وذكرنا في التفسير: أنه غشيها نور الرب جل جلاله، وأنه غشيتها الملائكة، عليها مثل الغربان، يعني كثرة- وأنه غشيتها فراش من ذهب، وغشيتها ألوان متعددة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يغشاها الألوان، لا أدري ماهي، ما يستطيع أحد أن ينعتها".
وفي الصحيحين: عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث المعراج: "ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، في السماء السابعة، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، وإذا هي يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، قلت: يا جبريل: ما هذا? قال: أما النهران الباطنان ففي الجنة، وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات".
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر سدرة المنتهى- فقال: "يسير في ظل العين منها الراكب مائة سنة- أو قال-: يستظل في ظل العين منها مائة راكب، فيها فراش الذهب، كأن ثمرها القلال".
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني حمزة بن العباس، حدثنا عبيد الله بن عثمان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، قال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: "إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم: قال: أقبل أعرابي يوماً فقال: يارسول الله: ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها بشوكها".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أليس الله يقول: "فِي سدْرٍ مخْضُودٍ".
خضد الله شوكه، فجعل الله مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمراً ينفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً، ما فيها لون يشبه الآخر".
وقد روى هذا الحديث من وجه آخر بلفظ آخر.
فقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا ثور بن يزيد، حدثنا حبيب بن عتبة بن عبد السلام قال: كنت جالساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله: أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكبر شوكاً منها:- يعني الطلح-: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لوناً من الطعام، لا يشبه منها لون لوناً آخر". والملبود: الذي يتلبد صوفه بعضه على بعض.
وروى الترمذي: عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد: اقرىء أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ثم قال: حسن غريب.
وفي الباب عن أبي هريرة، وقد روى ابن ماجه: عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه وهو يغرس غرساً، فقال: "ألا أدلك على غراس خير من هذا? سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة".
وروى الترمذي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له شجرة في الجنة" ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
فَصل
ثِمَار الْجَنَّة
نَسأل اللّه تَعالى أن يُطْعِمَنا مِنْها بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِين
قال الله تعالى: "فِيهِمَا فاكِهَة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ".
وقال: "فِيهِمَا مِنْ كل فاكِهَةٍ زَوْجَانِ".
وقال: "مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُثس بَطَائِنُها مِنْ إسْتَبْرَق وَجَنى الجنَّتَيْن دَانٍ".
أي قريب من المتناول كما قال تعالى: "وَذُلِّلَتْ قطوفهَا تَذْلِيلاً".
وقال تعالى: "وأَصحَابُ الْيَمِين مَا أَصْحَابُ الْيَمِين فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْح مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكوبٍ وَفاكَهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلاَ ممْنُوعَةٍ".
أي لا تنقطع في بعض الأزمان، بل هي موجودة في كل أوان، كما قال تعالى: "أكُلًهَا دَائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا".
أي ليس كالدنيا، التي تأتي ثمارها في بعض الفصول، وتفقد في وقت آخر، وتكتسي أشجارها الأوراق في وقت، وتخلعها في وقت آخر، ولا ممنوعة: أي من أرادها فإنها ليس دونها حجاب، ولا مانع، بل من أرادها فهي موجودة، سهلة، منالها قريب، حتى ولو كانت الثمرة في أعلى الشجرة، فأراد أخذها، اقتربت منه وتدلت إليه.
قال أبو إسحاق: عن البراء، "وَذُلِّلَتْ قُطُوفهَا تَذْلِيلاً" أدنيت حتى يتناولوها وهم نيام.
وقال تعالى: "وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رزقوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهمْ فِيهَا خَالِدُونَ".
وقال تعالى: "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَل وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ".
وقال تعالى: "وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْم طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
وقد سبق فيما أوردناه من الأحاديث: أن تربة الجنة من مسك وزعفران، وأنه ما في الجنة شجرة إلا ولها ساق من ذهب فإذا كانت تربة الجنة هذه، والأصول كما ذكرنا، فما ظنك بما يتولد منها، من الثمرة الرائقة، الناضجة، الأنيقة، التي ليس في الدنيا منها إلا الأسماء? قال ابن عباس رضي الله عنه: "ليس في الجنة من الدنيا إلا الأسماء".
وإذا كان السدر الذي في الدنيا وهو لا يثمر إلا ثمرة ضعيفة وهو النبق، وشوكه كثير، والطلح الذي لا يراد منه في الدنيا إلا الظل، يكونان في الجنة في غابة من كثرة الثمار وحسنها، حتى إن الثمرة الواحدة منها تنفتق عن سبعين نوعاً من الطعوم، والألوان، التي يشبه بعضها بعضاً، فما ظنك بثمار الأشجار، التي تكون في الدنيا حسنة الثمار، كالتفاح، والنخل، والعنب، وغير ذلك? وما ظنك بأنواع الرياحين، والأزاهير? وبالجملة، فإن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله منها فضله.
وفى الصحيحين: من حديث مالك، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، في حديث صلاة الكسوف.
قالوا: يا رسول الله: رأيناك تناولت شيئاً من مكانك هذا ثم رأيناك تكفكفت، فقال: "إني رأيت- أو أريت- الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه، ما بقيت الدنيا".
وفي المسند: من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، لنقال: "إني عرضت على الجنة.
وما فيها من الزهرة، والنضرة، فتناولت منها قطفاً من عنب، لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به، لأكل منه من بين السماء والأرض ينقصونه". وفي صحيح مسلم: من رواية أبي الزبير، عن جابر، شاهد ذلك.
وتقدم في المسند: عن عتبة بن عبد الله السلمي، أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة: فيها عنب? فقال: "نعم. فقال: فما عظم العنقود? قال: مسيرة شهر للغراب الأبفقع لا يفتر" وقال القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى". قال الحافظ أيضاً: عبادتكم فيه بعض العلماء.
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا عقبة بن مكرم العمي، حدثنا ربعي بن إبراهيم بن علية، حدثنا عون: عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أهبط آدم من الجنة، علمه الله صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أنها تتغير، وتلك لا تغير".
فصل
قال الله تعالى: "وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْم طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ".
قال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك لتنظر إلى الطير فتشتهيه، فيخر بين يديك مشوياً"..
وفي الترمذي:- وحسنه- عن أنس، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر فقال: "نهر أعطانية الله عز وجل، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقه كأعناق الجزور".
فقال عمر: إنها لناعمة: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكلها أنعم منها" وفي تفسير الثعلبي عن أبي الدرداء، مرفوعاً: "إن في الجنة طيراً أعناقه كأعناق البخت، يصطف على يد ولي الله، فيقول أحدها: يا ولي الله رعيت في مروج تحت العرش، وشربت من عيون النسيم، فكل مني: فلا يزال يفتخر بين يديه حتى يخطر على قلبه أكل أحدها، فيخر بين يديه على ألوان مختلفة، فيأكل منه ما أراد، حتى إِذا شبع، تجمعت عظام الطائر، فصار يرعى في الجنة حيث شاء، فقال عمر: يا نبي الله: إنها لناعمة? فقال: "أكلها أنعم منها". غريب: من رواية أبي الدرداء.
ذكر طعَام أَهْل الجَنَّة وأكلهم فيها وَشرابهم وَشربهم فِيها نَسأَل اللّه مِنْ فضلِهِ أَنْ يمنَّ عَلَيْنَا بِها
وقال الله تعالى: "كُلُوا وَاشْربُوا هَنِيئاً بِمَا أسْلَفْتُمْ في الأيَّام الخَالِيَةِ".
وقال: "لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً".
وقال تعالى: "وَلَهُمْ رزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا".
وقال تعالى: وَفاكَهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُوُنَ وَلَحْم طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ".
وقال تعالى: "يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهِبٍ وَأَكْوَابٍ وفيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأنْتُمْ فِيهَا خَالِدونَ".
وقال تعالى: "إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْربُونَ مِنْ كَأس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً".
وقال تعالى: "وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأكْوَابٍ كَانَتْ قَوَاريرا قَوَاريرا مِنْ فضَّةٍ قدَّروهَا تَقْدِيراً"..
أي في صفاءَ الزجاج، وهي من فضة، وهذا مما لا نظير له في الدنيا، وهي مقدارة على قدر كفاية ولي الله في شربه، لا يزيد عليه، ولا ينقص من كفايته شيئاً، وهذا يدل على الاعتناء والشرف.
وقال تعالى: "وَيُسقَوْنَ فِيهَا كَأساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجبِيلاً عَيْناً فِيهَا تسَمَّى سَلْسَبِيلاً".
وقال تعالى: "كُلّمَا رزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رزْقاً قَالُوا هذَا الَّذِي رزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً".
أي كلما جاءتهم الخدم بشيء من ثمار وغيرها، حسبوه الذي أتوا به قبل هذا، لمشابهته له في الظاهر، وهو في الحقيقة خلافه، فتشابهت الأشكال واختلفت الحقائق، والطعوم، والروائح.
وقال الإمام أحمد: حدثنا مسكين بن عبد العزيز، حدثنا الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أدنى أهل الجنة منزلة، من له سبع درجات، وثلاثمائة خادم، يغدون عليه ويروحون كل يوم بثلاثمائة صحفة، ولا أعلمه إلا قال: من ذهب صحفة لون، ليس في الأخرى، وإنه، ليلذ أوله، كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاثمائة إناء، في كل إناء لون، ليس في الآخر، وإنه ليلذ أوله، كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا رب: لو أذنت، لأطعمت أهل الجنة، وسقيتهم، لم ينقص ذلك مما عندي شيئاً، وأنه له من الحور العين، اثنتين وسبعين زوجة، سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة لتأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض". تفرد به أحمد، وهو غريب وفيه انقطاع.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ثمامة بن عقبة، عن زيد بن أرقم، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم: ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون? وكان قد قال لأصحابه: إن أقر لي بهذا خصمته- قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلى والذي نفسي بيده: إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع "، قال: فقال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة: قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك، فإذا البطن قد ضمر".
ثم رواه أحمد: عن وكيع، عن الأعمش، عن ثمامة، سمعت زيد بن أرقم، فذكره، وقد رواه النسائي: عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن الأعمش به، ورواه أبو جعفر الرازي: عن ا لأعمش، فذكره.
قال اليهودي: فإِن يأكل ويشرب تكن له الحاجة، وليس في الجنة أذى? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون حاجة أحدهم رشحاً يفيض من جلودهم كرشح المسك، فيضمر بطنه".
قال الحافظ الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم، لأن ثمامة ثقة، وقد صرح بسماعه من زيد بن أرقم.
حديث آخر في ذلك
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمِ: "أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يتمخطون، ولا يبزقون، طعامهم جشاء، ورشح كرشح المسك".
وقد رواه مسلم: من حديث أبي طلحة. عن نافع، عن جابر، فذكره قالوا: فما بال الطعام? قال: "جشاء"، ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد".
وكذا أخرجه من حديث أبي جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره وقال: "طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتكبير، كما يلهمون النفس".
طريق ثالثة عن جابر
قال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عباس، عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التيمي، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أيأكل أهل الجنة? فقال: "نعم: ويشربون، ولا يبولون فيها، ولا يتغوطون، ولا يتنخمون، إنما يكون ذلك سحماً ورشحاً كرشح المسك، يلهمون التسبيح، والتحميد، كما يلهمون النفس".
طريق رابعة عن جابر
قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة- وهو يعرف بعبدان-، حدثنا أبو حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، يلهمون التسبيح، والحمد، كما يلهمون النفس". عن أبي سفيان، ولم يصح سماعه منه وسماعه من أبي صالح صحيح.
أحاديث آخر ى شتى
قال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حمد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك لتنظر إلى الطير فتشتهيه، فيخر بين يديك مشوياً".
يشتهي بعض أهل الجنة أن يزرع فيجيبه الله عز وجل إلى ما يطلب، وكلمة مستملحة من أعرابي بدوي يضحك لها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، عن فليح بن هلال، عن علي بن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً وهو يحدث وعنده رجل من أهل البادية: "إن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه عز وجل في الزرع، فقال له ربه: ألست فيما شئت? قال: بلى، ولكن أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرف نباته، واستواؤه، واستحضاره، فكان أمثال الجبال، قال: فيقول له ربه عز وجل: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء، قال: فقال الأعرابي: ما نجده إلا قرشياً، أو أنصارياً، فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحابه، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه البخاري: من حديث أبي عامر العقدي: عن عبد الملك بن عمرو، به.
ذكر أول طَعام يَأكُله أهل الجنَة
وروى أحمد: عن إسماعيل بن علقمة، عن حميد. وأخرجه البخاري: من حديثه، عن أنس بن عبد الله بن سلام، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، عن أشياء منها "وما أول شيء يأكله أهل الجنة? فقال: زيادة كبد حوت".
وفي صحيح مسلم: من رواية أبي أسماء، عن ثوبان، أن يهودياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فما تحفتهم حين يدخلون الجنة". قال: "زيادة كبد حوت".
قال: فما غذاؤهم على أثرها? قال: "يخر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها".
قال فما شرابهم عليه? قال: من عين تسمى سلسبيلاً، قال: "صدقت".
وفي الصحيحين: من حديث عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفأها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلاً لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود، فقال بارك الله فيك يا أبا القاسم: الأهل الجنة نزلاً يوم القيامة? قال: بلى، قال: ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة? قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة يوم القيامة، قال: ألا أخبرك بإدامهم. قال: بلى، قال: إدامهم بالام، ونون، قالوا: وما هذا? قال: ثور ونون يأكل من زيادة كبد أحدهما سبعون ألفاً".
وقال الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، وفي قوله تعالى: "يسقَوْن َمِنْ رَحِيق مَخْتُوم خِتَامُهُ مِسك".
قال: "الرحيق: الخمر، مختوم: يجدون عاقبتها ريح المسك".
وقال سفيان بن عطاء بن السائب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: "وَمِزَاجُه مِنْ تَسْنِيم".
قال "هو أشرف شراب أهل الجنة، يشربه المقربون صرفاً ويمزج لأهل اليمين".
قلت: وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة بصفات جميلة حسنة، ليست في خمور الدنيا، فذكر أنها أنهار جارية، كما قال تعالى: "فِيهَا عَيْن جَارِيَةٌ".
وكما قال الله تعالى: "فِيهَا أنهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْر آسِن، وَأنْهِاز مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ وَأنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفى".
فهذه الخمرة أنهار جارية، مستمدة من بحار كبار هناك، ومن عيون تنبع من تحت كثبان المسك، ومما يشاء الله عز وجل، وليست بأرجل الرجال في أسوأ الأحوال، وذكر أنها لذة للشاربين، لا كما توصف به خمرة الدنيا من كراهة المطعم، وسوء الفعل في العقل، ومغص البطن، وصداع الرأس وقد نزهها تعالى عن ذلك في الجنة فقال تعالى: "يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأس مِن مَّعِين بَيْضَاء".
أي حسنة المنظر. "لذّةٍ لِلشَّارِبِينَ طَيبة الطعم لاَ فِيهَا غَول" وَهُوَ وجع البطن "وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفونَ" أي لا تذهب عقولهم.
وذلك أن المقصود من الخمر: إنما هو الشدة المطربة، وهي الحالة البهجة التي يحصل بها السرور للنفس، وهذا حاصل في خمر الجنة، فأما إذهاب العقل، بحيث يبقى شاربها كالحيوان أو الجماد، فهذا نقص، إنما ينشأ من خمر الدنيا، فأما خمر الجنة فلا تحدث هذا، إنما يحصل عنها السرور والابتهاج ولهذا قال: "لاَ فِيَها غَوْلٌ وَلاَ همْ عَنْهَا يَنْزِفُونَ".
أي ولا هم عنها أي بسببها تنزف عقولهم، فتذهب بالكلية.
وقال في الآية الأخرى: "يَطُوف عَليْهِمْ وِلدَانٌ مُخَلدونَ بأكْوابٍ وَأبَارِيق وَكَأس مِنْ معين لاَ يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ". أي لا يورث لهم صداعاً في رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم.
وقال في الآية الأخرى: وَمِزاجُهُ مِنْ تسْنِيم عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرّبون".
وقد ذكرنا التفسير: عن عبد الله بن عباسٌ: "أن الجماعة من أصحاب الجنة، يجتمعون على شرابهم، كما يجتمع أهل الدنيا، فتمر بهم السحابة، فلا يسألون شيئاً إلا أمطرت عليهم، حتى إن منهم من يقول: أمطرينا كواعب أتراب، فتمطرهم كواهب أتراباً".
وتقدم أنهم يجتمعون عن شجرة طوبى، فيذكرون لهو الدنيا- وهو الطرب- فيبعث الله ريحاً من الجنة، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وفي بعض الآثار: أن الجماعة من أهل الجنة يجتازون وهم ركبان على نجائب الجنة وهم صف بالأشجار، فتتفرق الأشجار عن طريقهم ذات اليمين، وذات الشمال، لئلا يفرق بينهم.
هذا كله من فضل الله عليهم ورحمته بهم، فعله الحمد والمنة.
والأكواب: هي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم، والأباريق بخلافها من الوجهين، والكأس هو القدح فيه الشراب وقال تعالى: "وَكأساً دهَاقاً".
أي ملأى مترعة ليس فيها نقص.
وقال تعالى: "لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كذَّابا". أي لا يصدر عنهم على شرابهم لشيء من اللغو، وهو الكلام الساقط، التافه ولا تكذيب.
كما قال تعالى: "لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً".
وقال تعالى: "لاَ لَغوؤ فِيهَا وَلاَ تَأثِيمٌ"..
وقال تعالى: "لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَة".
وقال: "لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تأثِيماً إلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاماً".
وثبت في الصحيحين: عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة".
ذكر لباس أهل الجنة
وحليهم وثيابهم وجمالهم نسأل الله تعالى منها
قال الله تعالى: "عَالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُس خُضْرٌ وَإسْتَبْرَقٌ وَحُلوا أسَاوِرَ مِنْ فِضَّة وَسَقَاهُمْ ربهُمْ شَرَاباً طَهُوراً".
وقال تعالى: "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحلّوْنَ فِيهَا مِنْ أسَاوِرَ مِنْ ذهَبٍ وَلُؤلُؤاً ولبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ".
وقال تعالى: "إنَّ الذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنا لاَ نُضِيعُ أجْرَ مَنْ أحْسَنَ عَمَلاً أولئِكَ لهم جَنَّات عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحًلوْنَ فِيهَا مِنْ أسَاوِرَ مِنْ ذهَب وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُس وإِسْتَبْرَق مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً".
وقد ثبت في الصحيحين: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تبلغ الحلة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
وقال الحسن البصري: "الحلة في الجنة على الرجال أحسن منها على النساء".
وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة: عن عبيد بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة، أن أبا أمامة حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم- وذكر أهل الجنة- فقال: "إنهم مسورون بالذهب، والفضة، مكللون بالدر، وعليهم أكاليل در، وياقوت وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب، جرد، مكحولن".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن داود بن عامر بن سعد أبي وقاص، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن رجلاً من الجنة أطلع قيد سواره لطمس ضوءه الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يدخل الجنة ينعم، ولا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
وأخرجه مسلم: من حديث زهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، إلى قوله: "لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه".
وقال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله? حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الجلاس، عن أبي رافع، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "للمؤمن زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء ثيابهما".
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الحلواني، والحسن بن علي النسوي، قالا: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن أبي إسحاق، عن عمر بن ميمون، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية كأحسن كوكب دري في السماء، لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء".
قال الضياء: هذا عندي على شرط الصحيح.
وقال أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا الخزرج بن عثمان السعدي، حدثنا أبو أيوب- مولى لعثمان ابن عفان- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيد سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا ومثلها معها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة الى الأرض، لملأت ما بينهما ريحاً، ولطاب ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها".
قال: قلت: يا أبا هريرة: وما النصيف في ذلك? قال: الخمار. قلت: الخزرج بن عثمان البصري تكلموا فيه، ولكن له شاهد في الصحيح، كما تقدم في صحيح البخاري، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: "لنصيفها- يعني الخمار- خير من الدنيا وما فيها".
وقال حرملة: عن ابن وهب، أخبرنا عمر، أن دراجاً أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل في الجنة ليتكىء سبعين سنة قبل أن يتحرك، ثم تأتيه زوجته- أراه قال-: فتضربه على منكبيه، فينظر وجهه فى خدها أصفى. من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه، فيرد السلام، ويسألها: من أنت? فتقول: أنا المزيد وإنه ليكون عليها سبعون ثوباً أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها التيجان، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب".
ورواه أحمد عن حسن، عن ابن لهيعة، عن دراج به بطوله.
وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحًلّوْنَ فِيهَا مِنْ أسَاوِرَ مِنْ ذهَبٍ".
فقال: "إن عليهم التيجان، وإن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب".
وقد روى الترمذي في ذكر التيجان من حديث عمرو بن الحارث.
وروى الإِمام أحمد: عن عبد الرحمن بن مهدي، عن جبار بن خارجة السلمي، عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أخبرنا عن ثياب الجنة: أخلق يخلق أم نسيج ينسج? فضحك بعض القوم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مم تضحكون? من جاهل يسأل عالماً. ثم أكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أين السائل? قال: هوذا أنا يا رسول الله. قال: لا: بل تنشق عنها ثمر الجنة". قالها ثلاث مرات.
ورواه أحمد أيضاً عن أبي كامل، عن زياد بن عبد الله بن علاثة القاص أبو سهل، عن العلاء بن رافع، عن الفرزدق بن حنان القاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر نحوه في حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد.
قال رجل: يا رسول الله وما طوبى? قال: "شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها".
وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي، حدثنا عتبة، حدثنا أبو إسماعيل بن عباس، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن سلام الأسود، سمعت أبا أمامة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، فتفتح له أكمامها يأخذ من أي ذلك، إن شاء أبيض، وإن شاء أخضر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود، مثل شقائق النعمان، وأرق وأحسن". غريب حسن.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا سويد بن سعد، حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفي، عن خاله الرميل بن سماك، أنه سمع أباه قال: قلت لابن عباس: ما حلل أهل الجنة? قال: فيها شجر فيها ثمر كأنه الرمان، فإذا أراد ولي الله كسوة، انحدرت إليه من غصنها، فانقلعت عن سبعين حلة، ألواناً بعد ألوان، ثم ينطلق فترجع كما كانت".
وتقدم عن الثوري، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر، وفروعها من ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم".
صفة فرش أهل الجنة
قال الله تعالى: "مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق وَجَنى الجَنَّتَيْن دَانٍ فَبِأيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ".
قال ابن مسعود: إذا كانت البطائن من إِستبرق، فما بالك بالظهائر? وقوله تعالى: "وَفرُش مَرْفُوعَةٍ".
روى أحمد: والترمذي: من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى: "وَفُرُش مَرْفًوعَة".
ثم قال: "والذي نفسي بيده، إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام".
ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين.- يعني عمرو بن الحارث- عن دراج.
قلت: ورواه حرملة، عن ابن وهب. ثم قال الترمذي: وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث: "إن معناه ارتفاع الفرش في الدرجات وما بين الدرجات كما بين السماء والأرض".
قلت: ومما يقوي هذا ما رواه عبد الله بن وهب، عن عمر، وعن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: "وفرش مرفوعة" قال: "ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض". وهذا يشبه أن يكون محفوظاً.
وقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد بن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن كعب الأحبار، في قوله نعالى: "وفرش مرفوعة". قال: مسيرة أربعين سنة.
يعني أن الفرش في كل محل وموطن موجودة مهيأة، لاحتمال الاحتياج إليها في ذلك الموضع، كما قال تعالى: "فِيهَا عَيْن جَارِيَة فِيهَا سُرر مَرْفُوعَةٌ وَأكْوَاب مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِي مَبْثُوثَة".
أي النمارق، وهي المخاد، مصفوفة مسومة هاهنا، وهاهنا في كل مكان من الجنة كما قال تعالى: "مُتّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْر وَعَبْقَري حِسَانٍ".
والعبقري: هي عتاق البسط أي جيادها، وخيارها، وحسانها، وقد خوطب العرب بما هو عندهم أحسن، وفيها أعظم مما في النفوس وأجل، من كل صنف ونوع، من أجناس الملاذ والمناظر، وبالله المستعان.
والنمارق: جمع نمرقة بضم النون وحكى كسرها، وهي الوسائد، وهي المساند، وقد يعمها اللفظ.
والزرابي: البسط، والرفرف: قيل رياض الجنة، وقيل ضرب من الثياب، والعبقري، جياد البسط، والله أعلم.
حلية الحور العين وبنات آدم وشرفهن عليهن وكم لكل واحدة منهن
قال الله تعالى: "مُتَّكِئِينَ عَلَى فرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إسْتَبْرَق وَجَنَى الْجَنَّتَيْن دَان فَبأي آلاَءِ رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِن قَاصرِاتُ الطَرْفِ لَمْ يَطْمِثْهنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَان فَبِأيِّ آلاَءِ ربنكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأنّهُنَّ اليَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبأي آلاَء رَبِّكُمَا تُكَذبَانِ هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانَ إِلاَّ الإحْسَانُ فَبِأيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ".
وقال تعالى: "فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ فَبِأي آلاَءِ ربِّكُمَا تُكَذِبَانِ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ في الْخِيَام فَبِأي آلاَءِ ربكُمَا تكَذِّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنّ إنْس قَبْلَهُمْ وَلاَ جَان فَبِأيِّ آلاَءِ رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَكِئِينَ عَلَى رَفْرَف خُضْر وَعَبْقَري حِسَانٌ فَبِأي آلاَءِ ربِّكُمَا تُكَذِّبَانِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي ا لجِلال والإكْرَام".
وقال تعالى: "لَهُمْ فِيهَا أزْوَاج مُطَهَّرَةٌ".
أي من الحيض، والنفاس، والبول، والغائط والبزاق، والمخاط، لا يصدر منهن شيء من ذلك، وكذلك طهرت أخلاقهن وأنفاسهن وألفاظهن ولباسهن وسجيتهن.
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، عن أبي نضرة، عن أبيط سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: "ولهم فيها أزواج مطهرة".
قال: "من الحيض والغائط والنخامة والبزاق".
وقال أبو الأحوص: عند قوله: "مقصورات في الخيام". "بلغنا فى الرواية أن سحابة أمطرت من تحت العرش فخلقن من قطراتها، ثم ضربت على كل واحدة خيمة على شاطىء الآنهار، سعتها أربعون ميلاً، وليس لها باب، حتى إذا حل ولي الله بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب، ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة، والخدم، لم تأخذها، فهن مقصورات قد قصرت عن أبصار المخلوقين".
وقال تعالى: "وَحُورٌ عِينٌ كَأمْثَالِ اللؤلُؤِ الْمَكْنُونِ".
وقال في الآية الآخرى: "كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُون".
قيل: إنه بيض النعام المكنون في الرمل: وبياضه عند العرب أحسن ألوان البياض، وقيل: المراد به اللؤلؤ قبل أن يبرز من صدفة.
وقال تعالى: "إنا أنْشَأنَاهُنَّ إنْشاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أبْكَاراً عُرباً أتْرَاباً لأِصْحَابِ اليَمِين".
أي أنشأهن الله بعد الكبر والعجز والضعف في الدنيا، فصرن في الجنة شباباً طرياً أبكاراً عرباً أي: متحببات إلى بعولهن، أتراباً لأصحاب اليمين أي: في مثل أعمارهم.
أسئلة من أم سلمة رضي الله عنها وأجوبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حول نساء أهل الجنة
قال الطبراني: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي حدثنا عمر بن هاشم البروي، حدثنا سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أبيه، عن أم سلمة: قالت: قلت يا رسول الله: أخبرني عن قول الله: "حور عين".
فقال: حور عين: ضخام العيون أشفار الحور بمنزلة جناح النسر.
قلت: أخبرني عن قوله: "كأمثال اللؤلؤ المكنون".
قال: صفاء من صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي.
قلت: يا رسول الله: أخبرني عن قوله: فيهن خيرات حسان.
قال: خيرات الأخلاق حسان الوجوه.
قلت: يا رسول الله: أخبرني عن قوله: كأنهن بيض مكنون.
قال: رقتهن كرقة الجلد الذي يكون في داخل البيضة مما يلي القصرة وهو آخر الغرقى.
قلت: يا رسول الله: أخبرني عن قوله: عُرباً أتراباً.
قال: هن اللواتي قد صرن فى دار الدنيا عجائز رمصاً شمطاً يصرن في الجنة متعشقات متحببات، أتراباً على ميلاد واحد.
قلت: يا رسول الله: أخبرني نساء الدنيا أفضل أم الحور العين? قال: بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة.
قلت: يا رسول الله، بماذا? قال: بصلاتهن وصيامهن، وعبادتهن الله، ألبس الله وجوههن النور، وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلى، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً، ونحن المقيمات فلا نظعن أبداً، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً، طوبى لمن كان لنا وكنا له.
قلت: يا رسول الله: المرأة منا تتزوج الزوجين، والثلاثة، والأربعة، فتموت، فتدخل الجنة، ويدخلون معها، من يكون زوجها? قال: يا أم سلمة، إنها تخير، فتختار أحسنهم خلقاً، فتقول: يا رب: إن هذا كان أحسنهم معي خلقاً في دار الدنيا فزوجنيه، يا أم سلمة: ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسعدة بن اليسع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتته عجوز من الأنصار فقالت: يا رسول الله: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: إن الجنة لا يدخلها عجوز، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى ثم رجع إلى عائشة، فقالت لقيت من كلمتك مشقة وشدة، فقال: إن ذلك كذلك، إن الله إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكاراً..
وتقدم في حديث الصور في صفة دخول المؤمنين الجنة قال: "فيدخل الرجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله، واثنتين من ولد آدم، لهما فضل على من يشاء الله تعالى، لعبادتهما الله تعالى في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، فيه سبعون درجاً من سندس وإستبرق وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها ولحمها وجلدها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظرأحدكم إلى السلك من الفضة في الياقوت، فبينما هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل، ألا إن لك أزواجاً غيرها، فيخرج، فيأتيهن واحدة واحدة، كلما جاء واحدة قالت: "والله ما في الجنة شيء أحسن منك، وما في الجنة شيء أحب إلي منك" ولهذا الحديث شواهد من وجوه كثيرة تقدمت، وستأتي إن شاء الله تعالى وبه الثقة، وتقدم الحديث الذي رواه الإِمام أحمد: من حديث شعيب الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم "وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن لتأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض وقال حرملة: عن ابن وهب، حدثنا عمرو أن دراجاً أبا السمح حدثه: عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أدنى أهل الجنة منزلة، الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، تنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد، وياقوت، كما بين الجابية وصنعاء". وأسنده أحمد: عن حسن، عن ابن لهيعة، عن دراج به.
ورواه الترمذي: عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشدين، عن عمرو بن الحارث، فذكر بإِسناده نحوه.
وقال محمد بن جعفر الفريابي: حدثنا أبو أيوب، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن خالد بن معدان عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد يدخل الجنة إلا ويتزوج اثنتين وسبعين زوجة اثنتين من الحور العين وسبعين من أهل زمانه من أهل الدنيا".
وهذا حديث غريب جداً، والمحفوظ مما تقدم خلافه، وهو أن الاثنتين من بنات آدم، والسبعين من الحور العين، والله أعلم.
وراويه خالد بن يزيد بن أبي مالك هذا تكلم فيه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وغيرهما، ومثله قد يغلط ولا يتيقن.
وروى أحمد والترمذي، وصححه، وابن ماجه: من حديث مجالد بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن للشهيد عند الله ست خصال، يغفر الله له عند أول قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويتزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه".
فأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: حدثني عمرو الناقد، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي جميعاً، عن ابن علية،- واللفظ ليعقوب- قال: حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب بن محمد، قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال أكثر في الجنة أم النساء? فقال أبو هريرة: أو لم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرىء منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب".
وفي الصحيحين: من رواية همام، عن أبي هريرة، نحوه.
فالمراد من هذا أن هاتين من بنات آدم، ومعهما من الحور العين ما شاء الله عز وجل، كما تقدم تفصيل ذلك آنفاً، والله أعلم.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس، عن محمد بن سيرين، عن أبيهريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين، على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ سوقهما من وراء ثيابهما".
وهذه الأحاديث لا تعارض ما ثبت في الصحيحين: "واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
إِذ قد يكن أكثر أهل الجنة، وأكثر أهل النار، أو قد يكن أكثر أهل النار، ثم يخرج من يخرج منهن بالشفاعات. فيصرن إلى الجنة، حتى يكثر أهلها، والله أعلم.
وفي حديث دراج: عن الهيثم، عن أبي سعيد، مرفوعاً: "إن الرجل في الجنة ليتكىء سبعين سنة قبل أن يتحول، ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، و إن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه فيرد السلام، ويسألها من أنت? فتقول: أنا من المزيد، و إنه ليكون عليها سبعون ثوباً، أدناها مثل النعمان، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك". رواه أحمد في المسند.
وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قده- يعني سوطه- من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحاً، ولطاب ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها".
ورواه البخاري: من حديث إسماعيل بن جعفر، وأبي إسحاق، كلاهما عن حميد، عن أنس، بمثله، وقد تقدم بتمامه في أول صفة الجنة.
وعند البخاري: "ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها".
قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا سعيد بن أبزى، عن عبد الملك الجوني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "لو أن حوراء أخرجت كفها بين السماء والأرض لافتتن الخلائق بحسنها، ولو أخرجت نصيفها لكانت الشمس عند حسنها مثل الفتيلة في الشمس، لا ضوء لها، ولو أخرجت وجهها لأضاء حسنها ما بين السماء والأرض".
وذكر ابن وهب: عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو لو أن امرأة من الحور العين أطلعت سوارها من العرش لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف الصورة? وما خلق الله شيئاً يلبسه لابس هو أمثل مما عليها من الثياب والحلى".
وقال أبو هريرة: إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء، إِذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف، وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر?" أوردهما القرطبي.
وقال القرطبي: حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا الحسن بن هارون الأنصاري، حدثنا الليث ابن بنت الليث بن أبي سليم، عن مجاهد بن أبي أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الحور العين من الزعفران". هذا حديث غريب. وروي هذا عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين.
وفي مراسيل عكرمة: "إن الحور العين ليدعون لأزواجهن وهم في الدنيا، يقلن اللهم أعنه على دينك، وأقبل بقلبه على طاعتك، وبلغه إلينا بعزتك، يا أرحم الراحمين".
وفي مسند الإمام أحمد: من حديث كثير بن مرة، عن معاذ، مرفوعاً، "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: قاتلك الله: إنما هو دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا".
وهذا ما ورد من غناء الحور العين في الجنة
روى الترمذي: وغيره من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة مجتمعاً للحور العين، يرفعن أصواتاً لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والحسن، وحديث علي غريب.
وروى ابن أبي ذؤيب، عن عون بن الخطاب، عن عبد الله بن رافع، عن ابن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات سمعها أحد قط، وإن مما يغنين: نحن الخالدات فلا نموت، نحن الآمنات فلا نخاف، نحن المقيمات فلا نظعن".
وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن الوليد بن عبدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "قف بي على الحور العين، فأوقفه عليهن، فقال: من أنتن? قلن: نحن جواري قوم حلوا فلم يظعنوا، وشبوا فلم يهرموا، واتقوا فلم يذنبوا".
وقال القرطبي بعد ما أورد الحديث المتقدم في غناء الحور العين، إِذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا. "نحن المصليات وما صليتن، ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن المتوضئات وما توضأتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن". قالت عائشة: "يغلبن" والله أعلم.
هكذا ذكره في التذكرة، ولم ينسبه إلى كتاب، والله أعلم.
ذكر جماع أهل الجنة نساءهم ولا أولاد إلا أن يشاء أحدهم
قال الله تعالى: "إِنَّ أصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ في شُغُل فَاكهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ في ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلام قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيم".
قال ابن مسعود: وابن عباس: وغير واحد من المفسرين: في قوله "شغل" أي افتضاض الأبكار.
وقال تعالى: "إِنَّ المُتَّقِينَ في مَقَام أمِين في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق مُتقَابِلِينَ كَذلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين يَدْعُونَ فِيهَا بِكُل فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيم فَضْلاً مِنْ ربّك ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ الْعَظِيمُ".
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عمران هو ابن داود القطان، عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الرجال قلت: يا رسول الله: ويطيق ذلك? قال: يعطى قوة مائة". ورواه الترمذي: من حديث أبي داود، قال: صحيح غريب.
وروى الطبراني: من حديث الحسن بن علي الجعفي، عن زائدة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، "قيل يا رسول الله: هل يفضي الرجل في الجنة?، وفي رواية، هل نفضي إلى نسائنا? فقال: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء". قال الحافظ الضياء: هذا عندي على شرط الصحيح.
وقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عمارة بن راشد، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يمس أهل الجنة أزواجهم? فقال: نعم، بذكر لا يمل، وشهوة لا تنقطع".
ثم قال البزار: لا يعلم أحد يروي عن عمارة بن راشد سوى عبد الرحمن بن زياد، وقد كان عبد الرحمن هذا حسن العقل، ولكن وقع على شيوخ مجاهيل، فحدث عنه بأحاديث مناكير، فضعف حديثه، وهذا مما أنكر عليه..
وقال حرملة: عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج عن عبد الرحمن بن حميرة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل: "أنطأ في الجنة? قال: نعم، والذي نفسي بيده دحماً دحماً، فإِذا قام عنها رجعت مطهرة بكراً".
وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه البغدادي، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن الواسطي، حدثنا شريك، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكاراً". ثم قال: تفرد به معلى.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيجامع أهل الجنة? فقال: "دحماً دحماً ولكن لا مني ولا منية".
لما كان المني يقطع لذة الجماع، والمنية تقطع لذة الحياة، كانا منفيين من الجنة.
قال الطبراني: أخبرنا عثمان بن أحمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، أخبرنا صدقة، عن هاشم بن البريد، عن سليم أبي يحيى أنه سمع أبا أمامة يحدث: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل- هل يتناكح أهل الجنة? قال: "نعم بذكر لا يمل، وشهوة لا تنقطع".
ما قيل من منح الأطفال ولادة لأهل الجنة
فأما إذا أراد أحدهم أن يولد له، كما كان في الدنيا حب الأولاد، فقد قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبيد، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن عامر الأحول ، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة، كان حمله، ووضعه، وسنه، في ساعة كما يشتهي".
وكذا رواه الترمذي، وابن ماجه، جميعاً، عن محمد بن يسار، عن معاذ.
وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال الحافظ الضياء المقدسي: وهذا عندي على شرط مسلم.
وقد رواه الحاكم: عن الأصم، عن محمد بن عيسى، عن سلام بن سليمان، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، به، وضعفه البيهقي.
وقال سفيان الثوري، عن أبان، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد قال: يا رسول الله، أيولد لأهل الجنة فإن الولد من تمام السرور? فقال: "نعم: والذي نفسي بيده، ما هو إلا كقدر ما يتمنى أحدكم، فيكون حمله ورضاعه وشبابه".
وهذا السياق يدل على أن هذا أمر يقع، خلافاً لما رواه البخاري، والترمذي: عن إسحاق بن راهويه، من أن ذلك محمول على أنه لو أراد ذلك، ولكنه لا يريده، ونقل عن جماعة من التابعين، كطاووس ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وغيرهم: "إن الجنة لا يولد فيها".
وهذا صحيح: وذلك أن جماعهم لا يقتضي ولداً كما هو الواقع في الدنيا، فإن الدنيا دار يراد منها بقاء النسل لتعمر، وأما الجنة فالمراد بقاء الملك، ولهذا لا يكون في جماعهم مني يقطع لذة الجماع، ولكن إذا أحب أحدهم الولد يقع كما يريد، قال الله تعالى: "لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبهِمْ ذلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ".
ذكر أن أهل الجنة لا يموتون فيها لكمال حياتهم وكما فهم في ازدياد من قوة الشباب
ونضرة الوجوه وحسن الهيئة وطيب العيش ولهذا جاء في بعض الأحاديث أنهم لا ينامون لئلا يشتغلوا بالنوم عن الملاذ والحياة الهنية، جعلنا الله منهم قال الله تعالى: "لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيم".
وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَملوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِردَوْس نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً".
أي لا يختارون غيرها، بل هم أرغب شيء فيها، وليس يعتريهم فيها ملل ولا ضجر، كما قد يسأم أهل الدنيا بعض أحوالهم، وإن كانت لذيذة.
وما أحسن ما قال فيها الشعراء، وفصحاء الأدباء:
فحلت سويدا القلب لا أنا باغياً

سواها ولا عن حالها أتحولُ
ولقد تقدم حديث ذبح الموت بين الجنة والنار، وأنه ينادي مناد: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، كل خالد فيما هو فيه": وقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا حمزة، حدثنا أبو إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فينادى مع ذلك: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، قال: ينادى بهذه الأربع".
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، قال: قال الثوري: حدثنا أبو إسحاق: أن الأغر حدثه، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ينادى مناد يوم القيامة: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وان لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً".
قال: فذلك قوله تعالى: "وَنُودُوا أنْ تِلْكمُ الجَنَّةُ أورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ".
ورواه مسلم: عن إسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، بنحوه.
أهل الجنة لا ينامون
وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه، حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن المغيرة، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النوم أخو الموت وإن أهل الجنة لا ينامون".
ورواه الطبراني: من حديث مصعب بن إبراهيم، عن عمران بن الربيع الكوفي، عن يحيى بنسعيد الأنصاري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: سئل رسول الله أينام أهل الجنة? فقال: "النوم أخو الموت، وإن أهل الجنة لا ينامون".
ورواه البيهقي: من حديث عبد الله بن حيلة بن أبي داود، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكره.
ثم روى البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن عباس الدوري، عن يونس بن محمد، عن سعيد بن أبزى، عن نفيع بن الحارث، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: "سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: النوم مما يقر الله به أعيننا في الدنيا: فهل ينام أهل الجنة? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الموت شريك النوم، وليس في الجنة موت".
قالوا: يا رسول الله? فما راحتهم? قال: "إنه ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة" فأنزل الله: "لاَ يَسَمنَا فِيهَا نَصب ولا يَمَسًّنا فِيهَا لغُوب". ضعيف الإسناد:
ذكر إحلال الرضوان عليهم وذلك فضل عمَّا لديهم
قال الله تعالى: "مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَقُونَ فِيهَا أنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْر آسِن وَأنْهَار مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهَار مِنْ خَمْر لَذَةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأنْهَار مِنْ عسَل مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُل الثَّمَرَاتِ وَمغْفِرَةٌ مِنْ ربهِمْ".
وقال الله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وَالمؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيها وَمَساكِن طَيِّبَةً فِي جَناتِ عَدْن وَرِضْوَانُ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".
إحلال الله عز وجل رضوانه الدائم على أهل الجنة
وقال مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله لأهل الجنة: يا أهل الجنة: فيقولون: لبيك ر بنا وسعديك.
فيقول: هل رضيتم? فيقولون: ما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك? فيقول: إنما أعطيكم أفضل من ذلك: فيقولون: ياربنا: فأي شيء أفضل من ذلك? فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً".
وأخرجاه في الصحيحين: من حديث مالك، به.
وقال أبو بكر البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، والفضل بن يعقوب، قالا: حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله: ألا أعطيكم- أحسبه قال:- أفضل? قالوا: يا ربنا: أي شيء أفضل مما أعطيتنا? قال: رضواني أكبر".
وهذا الحديث على شرط البخاري، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.
ذكر نظر الرب وتقدس إليهِم ونظرهم إليه سُبْحانه
قال الله تعالى: "تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهُمْ أجْراً كَرِيماً".
وقال تعالى: "سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحيم".
وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في كتاب السنّة من سننه: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العباداني، حدثنا الفضل الرقاشي، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فضله من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. قال: وذلك قول الله عز وجل: "سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيم".قال: فينظر إليهم، وينظرون إِليه، ولا يلتفتون الى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم". وقد رواه البيهقي مطولاً من هذا الوجه فقال: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا الكريمي، حدثنا يعقوب بن إسماعيل بن يوسف السلال، حدثنا أبو عاصم العباداني: عن الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أهل الجنة في مجلس لهم، إذ سطع لهم نور على باب الجنة، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف. فقال: يا أهل الجنة سلوني. فقالوا: نسألك الرضاء عنا. قال: رضائي أحلكم داري، وأنا لكم كرامتي، هذا أوانها فسلوني. قالوا: نسألك الزيادة. فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر، أزمتها زمرد أخضر وياقوت أحمر، فيجلسون عليها، تضع حوافرها عند منتهى طرفها، فيأمر الله فيجيء جوار من الحور العين وهن يقلن: "نحن الناعمات فلا نيأس، ونحن الخالدات فلا نموت، أزواج قوم مؤمنين كرام" ويأمر الله بكثبان من مسك أذفر أبيض، فينثر عليهم ريحاً يقال لها المنثرة، حتى ينتهي بهم إلى جنة عدن-، وهي قصبة الجنة-، فتقول الملائكة: يا ربنا قد جاء القوم، فيقول: مرحباً بالصادقين، مرحباً بالطائعين، قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله عز وجل فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضاً فيقول: أرجعوهم إلى قصورهم بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضاً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وذلك قول الله عز وجل ": "نُزُلاً مِنْ كَفُورٍ رَحِيم" فصلت: 132.
ثم قال البيهقي: وقد مضى في هذا الكتاب أي في كتاب الرؤية ما يؤكد ما روي في هذا الحديث،والله أعلم.
وذكر أبو المعالي الجويني في الرد على السجزي:" أن الرب تبارك وتعالى إذا كشف لأهل الجنة الحجاب، وتجلى لأهل الجنة، تدفقت الأنهار، واصطفقت الأشجار، وتجاوبت السرر والغرفات بالصرير، والأعين المتدفقات بالخرير، واسترسلت الريح، وفاحت الحور والقصور بالمسك الأذفر والكافور، وغردت الطيور، وأشرفت الحور العين ".
والفضل بن عيسى ضعيف، ولكن روى للضياء: من حديث عبدالله بن عبدالله، عن محمد بن المنكمر، عن جابر، مرفوعاً مثله.
ذكر رؤية أهل الجنة ربهم عز وجل في مثل أيام الجمع في مجتمع لهم معه لذلك هنالك:
قال الله تعالى: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَ بِّهَا نَاظِرَةٌ "القيامة: 22.
وقال تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم عَلَى الأرَائِكِ يَنْطرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم".
المطففين: 22 24.
وقد تقدم في حديث أبي موسى الأشعري: أن رسول الله-س!م قال: "جنتان من ذهب نبتهما وما فيهما، وجنتان من فضة نبتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن ".
أخرجاه في الحديث الآخرعن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر: "وأعلاهم من ينظر إلى الله في اليوم مرتين ".
وله شاهد في الصحيحين: عن جرير، مرفوعاً، عند ذكر رؤية المؤمنين ربهم عز وجل يوم القيامة "كما يرون الشمس والقمر".
ثم بعد ذلك:"فإن استطعتم ألا تغفلوا عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا".
ثم قرأ: "وَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع الشَّمْس وَقَبْلَ الْغُرُوبِ" ق: 39.
وفي صحيح البخاري: "إنكم سترون ر بكم عياناً". فأرشد هذا السياق أ إلى أن الرؤية تقع في مثل أوقات العبادة، فكأن المريدين من الأخيار يرون الله عز وجل في مثل طرفي النهار غدوة وعشية، وهذا مقام عال، حتى إنهم يرون ربهم عز وجل وهم على أرائكهم وسررهم كما يرى القمرفي الدنيا في مثل هذه الأحوال، يرون الله تعالى أيضاً في المجمع الأعم الأشمل، وهو في مثل أيام الجمع، حيث يجتمع أهل الجنة في وادٍ أفيح- أي متسع- من مسك أبيض، ويجلسون فيه على قدر منازلهم، فمنهم من يجلسى على منابر من نور، ومنهم من يجلس على منابر من ذهب، وغير ذلك من أنواع الجواهر وغيرها، ثم تفاض عليهم الخلع، وتوضع بين أيديهم الموائد بأنواع الأطعمة والأشربة، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثم يطيبون بأنواع الطيب كذلك، ويباشرون من أنواع الإكرام ما لم يخطر في بال أحد قبل ذلك، ثم يتجلى لهم الحق جل جلاله سبحانه وتعالى، ويخاطبهم واحداً واحداً، كما دلت على ذلك الأحاديث، كما سيأتي إيرادها قريباً إن شاء الله تعالى.
وقد حكى بعض العلماء خلافاً في النساء: هل يرين الله عز وجل كما يراه الرجال فقيل: لا، لأنهن مقصورات في الخيام، وقيل: بلى، لأنه لا مانع من رؤيته تعالى في الخيام وغيرها: وقد قال تعالى: "إنَّ الأبْرَارَ لفي نَعِيم عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرونَ".
وقال تعالى: "هُمْ وَأزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُون".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم عز وجل، كما ترون هذا القمر، لا تمارون في رؤيته، فإن استطعتم فداوموا على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".
وهذا عام في الرجال والنساء، والله أعلم.
وقال بعض العلماء قولاً ثالثاً: وهو أنهن يرين الله في مثل أيام الأعياد، فإنه تعالى يتجلى في مثل أيام الأعياد لأهل الجنة تجلياً عاماً، فيرينه في مثل هذه الحال دون غيرها، وهذا القول يحتاج إلى دليل خاص عليه، والله أعلم.
وقال الله تعالى: "للذِينَ أحْسَنُوا الْحُسنْى وَزِيَادة".
وقد روي عن جماعة من الصحابة تفسير هذه الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل، منهم أبو بكر الصديق، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعكرمة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف، والخلف، رحمهم الله، وأكرم مثواهم أجمعين.
وقد روي حديث رؤية المؤمنين لربهم عز وجل في الدار الآخرة: عن جماعة من الصحابة، منهم أبو بكرالصديق رضي الله عنه وقد تقدم حديثه مطولاً.
ومنهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وقد روى حديثه يعقوب بن سفيان.
حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، قال: قال وسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرى أهل الجنة الرب تعالى في كل جمعة"..
وذكر تمام الحديث: وفيه "إذا كشف الحجاب كأنه لم ير قبل ذلك".
وقوله تعالى: "ولدينا مزيد".
ومنهم ابي بن كعب، وأنى بن مالك، وبريدة بن الحصيب، وجابر بن عبد الله، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وسلمان الفارسي، وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري، وأبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبو موسى عبد الله بن قيس، وعبد الله بن مسعود، وعدي بن حاتم، وعمار بن ياسر. وعمارة بن رويبة، وأبو رزين العقيلي، وأبو هريرة رجل من الصحابة، وعائشة أم المؤمنين، رضي الله عنهم أجمعين.
وقد تقدم كثير منها، وسيأتي ذكر شيء منها مما يليق بهذا المقام إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان.
يوم الجمعة يوم المزيد
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي سلمة، عن صهيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: "لِلّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيادةٌ".
وقال: "إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله وعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو? ألم تثقل موازيننا، وتبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا عن النار? قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم. وهكذا رواه مسلم: من حديث حماد بن سلمة.
وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الألقاني، أخبرني أبو تميمة الهجيمي، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة: يقول: "إن الله يبعث يوم القيامة ملكاً إلى أهل الجنة، فيقول: يا أهل الجنة: هل أنجزكم الله ما وعدكم? فينظرون ويرون الحلى والحلل والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، قد أنجزنا ما وعدنا، يقولون ذلك ثلاث مرات فيقول: قد بقي شيء: إن الله يقول: "لِلّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيَادةٌ".
ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل" وهذا موقوف.
وقد روى ابن جرير، وابن أبي حاتم: من حديث أبي تميمة الهجيمي، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي: يا أهل الجنة- بصوت يسمع أولهم وآخرهم- إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن".
وروى أيضاً: من حديث زهير: عمن سمع أبا العالية يقول: حدثنا أبي بن كعب: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قول الله عز وجل: "لِلّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى وزِيَادة".
قال: "الحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل".
ورواه ابن جرير أيضاً: عن ابن حميد، عن إبراهيم بن المختار، عن ابن جرير، عن عطاء، عن كعب بن عجرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: "لِلّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادة".
قال: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى، وهي الجنة، والزيادة، النظر إلى وجه الله عز وجل". مسلم وشيخه نوح متكلم فيهما، والله أعلم.
وقال الإِمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي في كتاب الحجة من مسنده: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبيد، عن عمير، أنه سمع أنس بن مالك يقول: "أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هذه? فقال: هذه الجمعة، فضّلت بها أنت وأمتك، والناس لكم فيها تبع، اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها من يدعو الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل: ما يوم المزيد? قال: إن ربك اتخذ في الفردوس وادياً أفيح، فيه كثب مسك، فإذا كان يوم الجمعة نزل سبحانه وتعالى، وأنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور، عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بكراسي من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم، على تلك الكثب، فيقول الله عز وجل: أنا ربكم أنا ربكم، وقد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم عليَّ ما تمنيتم، ولدي مزيد": "فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربهم على العرش، وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة".
وقد رواه البزار: من حديث جهضم بن عبد الله، عن أبي طيبة، عن عثمان بن عمير، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل في يده مرآة بيضاء، فيها نكتة سوداء، فقلت: ما هذه يا جبريل? قال: هذه الجمعة، يعرضها عليك ربك، فتكون لك عيداً ولقومك من بعدك، تكون أنت الأول، ويكون اليهود والنصارى من بعدك، قال: ما لنا فيها? قال لكم فيها ساعة ما دعا فيها مؤمن ربه بخير هو له قسم إلا أعطاه إياه، وما دعاه بخير لم يقسم إلا ادخر له ما هو أعظم منه، وما تعوذ من شر هو عليه مكتوب إلا أعاذه من أعظم منه قال: قلت: ما هذه النكتة السوداء? قال: هي الساعة، تقوم يوم الجمعة، وهو سيد الأيامِ عندنا، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد: قال: وما يوم المزيد? قال: إن ربك اتخذ في الجنة وادياً أفيح، من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل تعالى من عليين على كرسيه، ثم حف الكرسي بمنابر من نور، وجاء النبيون حتى يجلسوا عليها، ثم حف المنابر بكراسي من ذهب، ثم جاء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها، ثم يجيء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثب، فيتجلى لهم ربهم عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه وهو يقول: أنا الذي صدقتكم وأتممت عليكم نعمتي، هذا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيبيح لهم عند ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم يبقى إلى مقدار منصرف الناس من يوم الجمعة، ثم يصعد تعالى على كرسيه، ويصعد معه الشهداء والصديقون- أحسبه قال:- ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم المخلوقة من درة بيضاء، أو ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء، منها غرفها وأبوابها مطرزة، فيها أشجار متدلية فيها ثمارها، فيها أزواجها وخدمها، وليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة، فيها أزواجها وخدمها، وليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا فيه كرامة، ويزدادوا نظراً إلى وجهه تعالى، ولذلك سمي يوم المزيد".
ثم قال البزار: لا نعلم أحداً رواه عن أنس عن عثمان بن عمير- أبو اليقظان- وعثمان بن صالح، هكذا قال.
وقد رويناه: من طريق زياد بن خيثمة، عن عثمان بن سلم، عن أنس: فذكر الحديث بطوله مثل هذا السياق أو نحوه.
وتقدم في رواية الشافعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عنه فقد اختلف الرواة فيه، وكان بعضهم يدلسه لئلا يعلم أمره، وذلك لما يتوهم من ضعفه، والله أعلم.
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: عن شيبان بن فروخ، عن الصعق بن حزن، عن علي بن الحكم البناني، عن أنس، وذكر الحديث وهذه طرق جيدة عن أنس، شاهدة لرواية عثمان بن عمير.
وقد اعتنى بهذا الحديث الحافظ أبو حسن، والدارقطني فأورداه من طرق.
قال الحافظ الضياء: وقد روي من طريق جيد: عن أنس بن مالك، ورواه الطبراني، عن أحمد بن زهير، عن محمد بن عثمان بن كرامة، عن خالد بن مخلد القطواني، عن عبد السلام بن حفص، عن أبي عمران الجوني، عن أنس، فذكره.
وقد رواه غير أنس من الصحابة.
قال البزار: حدثنا ابراهيم بن المبارك، عن القاسم بن مطيب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل فذكر يوم المزيد قال: فيوحي الله إلى حملة العرش أن هجوا الحجب فيما بينه وبينهم، فيكون أول ما يسمعون منه: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني? واتبعوا رسلي وصدقوا أمري? سلوني، فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا، ويرجع في قوله: يا أهل الجنة: إني لو لم أرض عنكم لم أسكنتكم جنتي، هذا يوم المزيد فسلوني، فيجتمعون على كلمة واحدة، أرنا وجهك يا رب ننظر إليك. قال: فيكشف الله الحجب، فيتجلى لهم من نوره ما لولا أن الله قضى أن لا يموتوا لأحرقوا، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فيرجعون إلى منازلهم، ولهم في كل سبعة أيام يوم، وذلك يوم الجمعة".
ذكر سُوق الجَنَّة
قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة: "اسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أو فيها سوق? قال: نعم، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن أهل الجنة إذا دخلوها بفضل أعمالهم، فإنه يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله فى روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم- وما فيهم أدنى- على كثبان المسك والكافور، ما يرون أن أصحاب الكراسي أفضل منهم مجلساً، فقال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله: هل نرى ربنا? قال: نعم هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر? قلنا: لا. قال: فكذلك لا تمارون فى رؤية ربكم، ما يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره محاضرة، فيقول: يا فلان ابن فلان: أتذكر يوم فعلت كذا وكذا? فيذكر بعض غدارته في الدنيا- فيقول: بلى، أفلم تغفر لي? فيقول: بلى، فبمغفرتي بلغت منزلتك هذه، قال: فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط، قال: ثم يقول ربنا عز وجل: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم، قال: فيجدون سوقاً قد حفت به الملائكة، ما فيه لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب، قال: فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيه ولا يشترى، في ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً، فيقبل ذو البزة المرتفعة فيلقى من هو دونه،- وما فيهم دني- فيروعه ما يرى عليه من اللباس والهيئة، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، قال: ثم ننصرف إلى منازلنا فيلقانا أزواجنا، فيقلن: مرحباً وأهلاً وسهلاً بحبنا، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، فنقول: إنا جالسنا ربنا الجبار عز وجل فحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا".
وهكذ ا رواه ابن ماجه: عن هشام بن عمار، ورواه الترمذي: عن محمد بن إسماعيل، عن هشام بن عمار، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا: عن الحكم ابن موسى، عن المعلى بن زياد، عن الأوزاعي.
قال سنان: سعيد بن المسيب لقي أبا هريرة، فذكره..
وقال مسلم: حدثنا أبو عثمان سعيد بن عبد الجبار المصري: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة لسوقاً يأتونه كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم، والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً".
وهكذا رواه أحمد: عن عفان، عن حماد، وعنده: "إن في الجنة لسوقاً فيها كثبان المسك، فإذا خرجوا إليها هبت الريح" وذكر تمامه.
ما ورد في وصف أرض الجنة وطيب عرفها وانتشاره
وروى أبو بكر بن أبي شيبة: عن عمرو، عن عطاء بن وراد، عن سالم، عن أبي العنس، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أرض الجنة بيضاء، عرصتها صخور الكافور، وقد أحاط به المسك، مثل كثبان الرمل، فيها أنهار مطردة، فيجتمع فيها أهل الجنة، فيتعارفون، فيبعث الله ريح الرحمة، فتهيج عليهم ريح المسك، فيرجع الرجل إلى زوجته وقد ازداد حسناً وطيباً، فتقول له: لقد خرجت من عندي وأنا بك معجبة، وأنا الآن بك أشد إعجاباً".
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، وهناد، قالا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فى الجنة لسوقاً ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها".
فإنه حديث غريب كما ذكره الترمذي رحمه الله، ويحمل معناه على أن الرجال إنما يشتهون الدخول في مثل صور الرجال، وكذلك النساء إنما يشتهين الدخول في مثل صور النساء، ويكون مفسراً بالحديث المتقدم، وهو الشكل والهيئة، والبزة واللباس كما ذكرنا في حديث أبي هريرة في سوق الجنة: "فيقبل ذو البزة المرتفعة فيلقى من دونه، فيروعه ما يرى عليه من اللباس والهيئة فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها".
هذا الحديث: إن كان قد حفظ لفظ الحديث، والظاهر أنه لم يحفظ فإنه قد تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث، وهو أبو شيبة الواسطي، ويقال الكوفي روى عن أبيه، وخاله النعمان بن سعد، والشعبي وغيرهم، وعن جماعة، منهم حفص بن غياث، وعبد الله بن إدريس، وهشام.
قال الإِمام أحمد: ليس بشيء، وهو منكر الحديث، وكذبه في روايته عن النعمان بن سعد، عن المغيرة بن شعبة، في أحاديث رفعها، وكذلك ضعفه يحيى بن معين، ومحمد بن سعد، ويعقوب بن سفيان، والبخاري، وأبو داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، وابن خزيمة، وابن عدي، وغيرهم.
وقد استقصيت كلامهم فيه مفصلاً في التكميل، فلله الحمد والمنة.
ومثل هذا الرجل لا يقبل منه ما تفرد به، ولا سيما هذا الحديث، فإنه منكر جداً، وأحسن أحواله أن يكون قد سمع شيئاً ولم يفهمه جيداً، وعبر عنه بعبارة ناقصة، ويكون أصل الحديث كما ذكرنا من رواية ابن أبي الحرير الدمشقي، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في سوق الجنة والله أعلم.
وقد روي من وجه آخر غريب، فقال محمد بن عبد الله الحضرمي الحافظ المعروف بمطر: حدثنا أحمد بن محمد بن طريف البجلي، حدثنا محمد بن كثير، حدثني جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن علي بن الحسين، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن مجتمعون فقال: "يا معاشر المسلمين إن في الجنة لسوقاً ما يباع فيها ولا يشترى إلا الصور، فمن أحب صورة من رجل أو امرأة دخل فيها". جابر بن يزيد الجعفي ضعيف الحديث، والله أعلم.
ذكر ريح الجنة وطيبه وانتشاره
حتى إنه يشم من مسيرة سنين عديدة ومسافة بعيدة
قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ".
قال بعضهم: طيبها لهم، من العرف، وهو الريح الطيبة.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين عاماً". ورواه أحمد عن غندر، عن شعبة وقال: "سبعين عاماً".
وقال أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد قال: أراد فلان أن يدعى جنادة بن أبي أمية، فقال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنهّ وإن ريحها ليوجد من قدر سبعين- أو من مسيرة سبعين عاماً- قال: ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
قال البخاري: حدثنا قيس بن جعفر، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوحد من مسيرة أربعين عاماً".
وهكذا رواه ابن ماجه: عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن الحسن بن عمرو، به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد أخبرنا إبراهيم المعقب، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مجاهد، عن جنادة عن أبي أمية، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلاً من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة عام". هذا لفظه.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا معقل بن نفيل، حدثنا عيسى بن يونس، عن عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل نفساً معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة يوجد من مسيرة عام ".
وقد رواه أبو داود، والترمذي: من حديث محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً وقال: "سبعين خريفا".
وقال حسن: صحيح، قال: وفي الباب عن أبي بكرة.
وقال الحافظ الضياء: هو عندي على شرط الصحيح: يعني حديث أبي هريرة.
وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة، عن الحسن- أو غيره- عن أبي بكرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام".
وقال سعيد بن أبي عروبه: عن قتادة: "خمسمائة عام". وكذلك رواه حماد بن سلمة: عن يونس ابن عبيد، عن الحسن.
وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب صفة الجنة: من طريق الربيع بن بدر وهو ضعيف عن هارون بن رباب، عن مجاهد، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "رائحة الجنة توجد من مسيرة خمسمائة عام".
وقال مالك: عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنه قال: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة خمسمائة سنة".
قال الحافظ أبو عمرو بن عبد البر: وقد رواه عبد الله بن نافع الصائغ: عن مالك، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن أحمد بن طريف، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن كثير، حدثني جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن محمد، عن علي، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، والله لا يجدها عاق. ولا قاطع رحم".
وثبت في الصحيحين: "أن سعد بن معاذ مر بأنس بن النضر يوم أحد حين قتل، ولم يعرفه من كثرة الجراح، وما عرفته أخته الربيع بنت النضر إلا ببنانه، ووجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف وطعنة ورمية" رضي الله عنه: فقال معاذ: "وجد أنس ريح الجنة". وهو في الأرض، وهي فوق السموات، اللهم إلا أن تكون قد اقتربت يومئذ من المؤمنين، والله تعالى أعلم.
ذكر نُور الْجَنَة وبَهائِهَا وَطيب فِنَائِها
وحسْن مَنْظَرها في صَباحِها ومَسائِها
قال الله تعالى: "إِذَا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُس خُضْرٌ وإِسْتَبْرَق وَحُلُوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَ بُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً".
وقال تعالى: "خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً".
وقال تعالى: "إِنَّ لَكَ ألاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى".
وقال تعالى: "لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً".
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عبد ربه الحنفي، عن خاله الرميل بن سماك، سمع أباه يحدث: "أنه لقي عبد الله بن عباس بالمدينة بعدما كف بصره، فقال: يا ابن عباس: ما أرض الجنة? فقال: هي مرمرة بيضاء من فضة، كأنها مرآة. قلت: ما نورها? قال: أما رأيت الساعة التي تكون قبل طلوع الشمس? فذلك نورها، إلا أنه ليس فيها شمس ولا زمهرير".
وذكرنا في الحديت: كما سيأتي إن شاء الله، وتقدم في سؤال ابن صياد عن تربة الجنة: "أنها درمكة بيضاء مسك أذفر".
وقال أحمد بن منصور الرمادي: حدثنا كثير بن هشام، حدثنا هشام بن زياد أبو المقدام، عن حبيب ابن الشهيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الجنة بيضاء، وأحب الزي إلى الله البياض، فليلبسه أحياؤكم، وكفنوا فيه موتاكم".
ثم أمر برعاء الشاء فجمعوا، فقال: من كان ذا غنم فليخلطها بيضاء، فجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله: إني اتخذت غنماً سوداً فلا أراها تزكو قال: "عفري" أي بيضي، معناه: اخلطي معها بيضاء.
وقال أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي حدثنا محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، حدثنا كريب: أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا مشمر إلى الجنة? فإن الجنة لا مثل لها وهي ورب الكعبة نور يتلالأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمر نضيج، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبد، في دار سليمة، وفاكهة وخضر، وجيرة ونعمة، في محلة عالية بهية. قالوا يا رسول الله: نحن المشمرون لها.
قال فقولوا: إن شاء الله: فقال القوم: إن شاء الله. ثم قال البزار: لا نعلم له طريقاً إلا هذا.
وقد رواه ابن ماجه: من حديث الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، بنحوه، ورواه أبو بكر بن داود، عن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن محمد بن مهاجر، وتقدم في الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عمرو، عن عطاء، عن وراد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "أرض الجنة بيضاء، عرصتها صخور الكافور، وقد أحاط بها المسك مثل كثبان الرمل، فيها أنهار مطردة، فيجتمع فيها أهل الجنة، فيتعارفون، فيبعث الله ريح الرحمة، فتهيج عليهم ريح المسك، فيرجع الرجل إلى زوجته وقد ازداد حسناً وطيباً" فتقول له: "لقد خرجت من عندي وأنا بك معجبة، والآن أنا أشد بك إعجاباً".
ذكر الأَمر بطلب الجَنَّة وترغيب الله تَعالى عباده فيهَا وأَمرهم بالمبادرة إِليها
قال الله تعالى: "والله يَدْعُوا إِلى دَارِ السَّلاَم".
وقال: "وَسَارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ ربكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمواتُ وَالأرْضُ أعِدّتْ لِلْمُتَّقِينَ".
وقال: "سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْض السَّمَاء وَالأرْض أعِدَّتْ لِلّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذو الْفَضْل الْعَظِيم".
وقال تعالى: "إِنَّ اللّه اشْتَرَى مِنَ الْمُؤمِنِينَ أنْفُسَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ بِأنَّ لَهمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سبِيل اللَّه".ِ وقد روى البخاري، وغيره: من حديث سعيد بن ميناء: عن جابر: "أن ملائكة جاءوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم: هو نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان: مثله كمثل رجل بنى داراً، واتخذ فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المائدة، فأولوها له، وقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: الدار الجنة، والداعي محمد، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس".
وروى الترمذي هذا الحديث: ولفظه: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: "إني رأيت في المنام كأن جبريل كان عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلاً، فقال: اسمع، سمعت أذنك، وأعقل عقل قلبك! إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً، ثم عمل فيها بيتاً، ثم اتخذ مائدة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل أكل مما فيها". وللترمذي: عن ابن مسعود، نحوه، وصححه أيضاً.
وقال حماد بن سلمة: عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن سيداً بنى داراً، واتخذ مائدة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المائدة، ورضي عنه السيد، ألا وإن السيد الله، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد".
من استجار بالله من النار أجاره
ومن طلب الجنة من الله أدخله الجنة إذا صدتت النية وصح العمل
وقال أبو يعلة: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن يونس هو ابن خباب، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما استجار عبد من النار ثلاث مرات، إلا قالت النار: يا رب: إن عبدك فلاناً قد استجار مني فأجره، ولا سأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة: يا رب إن عبدك فلاناً سألني فأدخله الجنة". على شرط مسلم.
وروى الترمذي، والنسائي: عن ابن ماجه، عن هناد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة. ومن استعاذ بالله من النار ثلاثاً. قالت النار: اللهم أجره من النار".
الجنة والنار شافعتان مشفعتان
وقال الحسن بن سفيان: حدثنا المقدمي، حدثنا عمر، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا مسألة الجنة، واستعيذوا به من النار، فإنهما شافعتان مشفعتان، وإن العبد إذا أكثر مسألة الجنة، قالت الجنة: يا رب: عبدك هذا الذي سألنيك فأسكنه إياي، وتقول النار: يا رب: عبدك هذا الذي استعاذ بك مني فأعذه".
اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم
وقال أبو بكر الشافعي: عن كليب بن حرب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اطلبوا الجنة جهدكم، واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره، وإن الدنيا محفوفة بالشهوات، فلا تلهينكم عن الآخرة".
ذكر أَنَّ الجَنّة حفَّت بالمكاره وهي الأَعمال الشَّاقة من فعل الخَيْرات وتَرك المحرَّمات وأَنَّ النَّار حفَّت بالشهوات
قال الإِمام أحمد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
وهكذا رواه مسلم، والترمذي: من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، زاد مسلم وحميد كلاهما: عن أنس، به.
وقال الترمذي: صحيح غريب.
وقال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن يحيى بن النضر، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" تفرد به أحمد: وإسناده جيد حسن، لما له من الشواهد.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الجنة، أرسل جبريل، فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها، فجاء، فنظر إليها، وإلى ما أعد الله لأهلها، فرجع إليه تعالى فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمرها فحجبت بالمكاره، ثم قال: ارجع إليها، فانظر إليها، فجاء فنظر إليها، فإذا هي قد حجبت بالمكاره، فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد". تفرد به أحمد: وإسناده صحيح.
وقال أحمد: حدثنا حسين، حدثنا المسعودي، عن داود بن يزيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكثر ما يلج به الإِنسان النار الأجوفان الفرج والفم، وأكثر ما يلج به الإِنسان الجنة تقوى الله وحسن الخلق".
ألا إن النار حفت بالشهوات، وداخلها كله مضرات وحشرات، والجنة محفوفة بالمكاره، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من اللذات والمسرات، كما أوردناه في الآيات المحكمات، والأحاديث الثابثات. فمن نعيمهم المقيم، ولذتهم المستمرة، الطرب الذي لم تسمع الآذان بمثله.
قال الله تعالى: "فَأَمَّا الَذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ في رَوْضَة يُحْبَرُونَ".
قال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير: "هو السماع في الجنة":
غناء الحور في جنة الله
وقد ذكرنا ما رواه الترمذي: من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة لمجتمعاً للحور العين، يغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها، يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد أبداً، ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً، ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس.
قلت: وكذا روي من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وابن عمر وأبي أمامة: رضي الله عنهم أجمعين.
حديث أبي هريرة
قال جعفر الفريابي: حدثنا سعد بن حفص، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال، عن عمرو، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: "إن في الجنة نهراً طول الجنة، على حافتيه العذارى قياماً متقابلات، يغنين بأصوات يسمعها الخلائق، ما يرون في الجنة لذة مثلها. قلت: يا أبا هريرة: وما ذاك الغناء? قال: إن شاء الله التسبيح، والتحميد، والتقديس وثناء على الرب عز وجل".
وروى أبو نعيم في صفة الجنة من طريق سليم بن علي، عن زيد بن واقد، عن رجل، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ، تهب عليها ريح فتصطفق، فما يسمع السامعون بشيء قط ألذ منه".
وقد تقدم عن ابن عباس: "أنها تحركها الرياح، فتتحرك بصوت كل لهو كان في الدنيا".
حديث أنس
قال ابن أبي الدنيا: حدثنا خيثمة، حدثنا إسماعيل، عن عمرو بن أبي ذؤيب، عن عبد الله بن رافع، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الحور العين تغنين في الجنة: نحن الحور الحسان، خلقن لأزواج كرام ".
حديث عبد الله بن أبي أوفى، وهو حديث غريب جداً
قال الحافظ أبو نعيم محمد بن جعفر بن أصيلة، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا حامد بن يحيى البلخي، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا الوليد بن أبي ثور، حدثني سعد الطائي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن أبي أوفى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء، فيجتمعن في كل سبعة أيام فيقلن بأصوات حسان لم يسمع الخلائق بمثلهن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، طوبى لمن كان لنا وكنا له".
حديث ابن عمر
قال الطبراني: حدثنا أبو رفاعة عمارة البصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات سمعها أحد قط وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا نموت، نحن الآمنات فلا نخاف، نحن المقيمات فلا نظعن".
حديث أبي أمامة
قال جعفر الفريابي: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن زيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه ورجليه ثنتان من الحور العين، يغنيانه بأحسن صوت يسمعه الإنس والجن، وليس بمزامير الشيطان".
وقال ابن وهب: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: قال رجل من قريش لابن شهاب: هل في الجنة سماع? فإنه حبب إليَّ السماع، فقال: إي والذي نفس ابن شهاب بيده: إن في الجنة لشجراً حمله اللؤلؤ والزبرجد، تحته حور ناهدات يتغنين بالقرآن ويقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الخالدات فلا نموت، فإذا سمع ذلك الشجر صفق بعضه بعضاً فأعجبت بصوت صفقه الجواري، فلا يدرى، أ أصوات الجواري أحسن، أم أصوات الشجر"? قال ابن وهب: حدثنا الليث عن خالد بن يزيد? أن الجواري يغنين أزواجهن فيقلن، نحن الخيرات الحسان، أزواج شباب كرام، ونحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، في صدر إحداهن مكتوب: أنت حبي، وأنا حبك، لم تر عيناي مثلك".
وقال ابن المبارك: حدثني الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي كثير: أن الحور العين يتلقين أزواجهن عند باب الجنة فيقلن: طالما انتظرناكم، نحن الراضيات فلا نسخط، والمقيمات فلا نظعن، والخالدات فلا نموت: بأحسن أصوات سمعت.
وتقول الحورية لزوجها: "أنت حبي وأنا حبك، ليس دونك مقصد ولا وراءك معدل".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثني علي بن عاصم، حدثني سعيد بن أبي سعيد، قال: حدثنا أن في الجنة آجاماً من قصب من ذهب، حملها اللؤلؤ، فإذا اشتهى أهل الجنة أن يسمعوا صوتاً، بعث الله على تلك الآجام ريحاً، فتأتيهم بكل صوت يشتهونه.
فَرع آخر أعلى مِن الذي قبْله
ذكر حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، وحجاج بن الأسود، عن شهر بن حوشب، قال: إن الله عز وجل يقول لملائكته: "إن عبادي كانوا يحبون الصوث الحسن في الدنيا، ويدعونه من أجلي، فأسمعوا عبادي: فيأخذون بأصوات، من تهليل، وتسبيح، وتكبير، لم يسمعوا بمثلها قط.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني داود بن عمرو الضبي، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، قال: "إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان? أسكنوهم رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم تحميدي وتمجيدي".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا دهيم بن الفضل القرشي، حدثنا داود بن الجراح: عن الأوزاعي، قال: "بلغني أنه ليس من خلق الله أحسن صوتاً من إسرافيل، فيأمره الله فيأخذ في الاسماع، فلا يبقى ملك في السموات إلا قطع عليه صلاته، فيمكث على ذلك ما شاء الله أن يمكث، فيقول الله عز وجل: وعزتي لو تعلم العباد قدر عظمتي ما عبدوا غيري".
وحدثني محمد بن الحسين، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، في قوله تعالى: "وإِنَّ لَه عِنْدَنَا لَزُلْفَى وحسْنَ مآبٍ".
قال: "إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة، ثم نودي: يا داود مجدني بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا، قال: فيرتفع صوت داود، يعم أهل الجنة، فذلك قوله تعالى: "وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مآبٍ".
وهو سماعهم كلام الرب جل جلاله إذا خاطبهم في المجامع التي يجتمعون لها بين يديه- تعالى وتقدس- ليخاطب كل واحد، ويذكره بأعماله التي سلفتَ منه في الدنيا، وكذلك إذا تجلى لهم جهرة فسلم عليهم، وقد ذكرنا ذلك عند قوله تعالى: "سلام قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيم".
وقد سبق حديث جابر في ذلك في سنن ابن ماجه وغيره.
وقد ذكر أبو الشيخ الأصبهاني: من طريق صالح بن حبان، عن عبد الله بن بريدة: قال: "إن أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار- جل جلاله- فيقرأ عليهم القرآن، وقد جلس كل امرىء منهم مجلسه الذي هو مجلسه، على منابر الدر والياقوت والزبرجد والذهب والزمرد، فلم تقر أعينهم بشيء ولم يسمعوا شيئاً قط أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى رحالهم بأعين قريرة، وأعينهم إلى مثلها من الغد".
وروى أبو نعيم: من حديث حسن بن فرقد السبخي، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي برزة الأسلمي، مرفوعاً: "إن أهل الجنة ليغدون في حلة ويروحون فى أخرى، كغدو أحدكم ورواحه إلى ملك من ملوك الدنيا، كذلك يغدون ويروحون إلى زيارة ربهم عز وجل، وذلك لهم بمقادير ومعالم، يعلمون تلك الساعة التي يأتون فيها ربهم عز وجل".
ذكر خيْل الجَنَّة
قال الترمذي: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا المسعودي، عن عقبة بن علقمة بن خديج، عن سليمان بن أبي بريدة، عن أبيه أن رجلاً سأل. رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: هل في الجنة من خيل? فقال: "إن الله إذا أدخلك الجنة فإنك لا تشاء أن تحمل فيها على فرس، إلا حملت على فرس من ياقوتة حمراء تطير بك فى الجنة حيث شئت".
قال: وسأله رجل: فقال: يا رسول الله، إني رجل حببت إلى الخيل، فهل في الجنة خيل? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، إن في الجنة لخيلاً وإبلاً هفافة مرهفة تسير خلال ورق الجنة، يتزاورون عليها حيث شاءوا".
وقال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا أبو معاوية بن واصل بن السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله: إني أحب الخيل، أفي الجنة خيل? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة، له جناحان فحملت عليه، ثم طار بك حيث شئت".
ثم ضعف الترمذي هذا الإسناد من جهة أبي سورة ابن أخي أبي أيوب، فإنه قد ضعفه غير واحد، واستنكر البخاري حديثه هذا، والله أعلم.
قال القرطبي: وذكر ابن وهب، حدثنا ابن يزيد، قال الحسن البصري يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمه من الولدان المخلدين على خيل من ياقوت أحمر لها أجنحة من ذهب. ثم تلا قوله تعالى: "وَإذَا رَأيْتَ ثمَ رأيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً".
قلت: فيه انقطاع بين عبد الرحمن بن زيد وهو ضعيف- وبين الحسن، ثم هو مرسل.
وروى أبو نعيم: من طريق جابر بن نوح، عن واصل بن السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب مرفوعاً: "إن أهل الجنة ليتزاورون على نجائب بيض كأنها الياقوت، وليس في الجنة بهائم إلا الخيل والإبل".
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا همام، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر، قال: "في الجنة عتاق الخيل، وكرام النجائب، يركبها أهلها".
وهذه الصيغة لا تدل على الحصر كما دلت عليه رواية أبي نعيم في حديث أبي أيوب ثم هو معارض بما رواه ابن ماجه في سننه، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشاة من دواب الجنة" وهذا منكر.
وفي مسند البزار، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحسنوا إلى المعزى، وأميطوا عنها الأذى، فإنها من دواب الجنة".
وقال أبو الشيخ الأصبهاني: حدثنا القاسم بن زكريا، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مروان بن معاوية، عن الحكم بن أبي خالد، عن الحسن البصري، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، جاءتهم خيول من ياقوت أحمر لها أجنحة، لا تبول، ولا تروث، فقعدوا عليها، ثم طارت بهم في الجنة. فيتجلى لهم الجبار، فإذا رأوه، خروا له سجداً، فيقول لهم الجبار: ارفعوا رؤوسكم فإن هذا اليوم ليس بيوم عمل، إنما هو يوم نعيم، وكرامة، فيرفعون رؤوسهم، فيمطر الله عليهم طيباً، ثم تمر بهم على كثبان المسك، فيبعث الله على تلك الكثبان ريحاً، فتهيجها عليهم، حتى إنهم ليرجعون إِلى أهلهم، وإنهم لشعث غبر".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الفضل بن جعفر، حدثنا جعفر بن بشر، حدثنا أبي، عن الحسن بن علي، عن علي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن في الجنة لشجرة، يخرج من أعلاها ومن أسفلها خيل من ذهب، مسرجة، ملجمة، من در، وياقوت، لا تروث ولا تبول، لها أجنحة، خطوها مد بصرها، يركبها أهل الجنة فتطير بهم حيث شاءوا، ويقول الذين أسفل منهم درجة، بم بلغ عبادك هذه الكرامة كلها? فيقول لهم: كانوا يصلون الليل، وكنتم تنامون، وكانوا يصومون، وكنتم تأكلون، وكانوا ينفقون، وكنتم تبخلون، وكانوا يقاتلون، وكنتم تخشون".
ذكر زيارة أهل الجنة بعضهم بعضاً واجتماعهم وتذاكرهم أموراً كانت منهم في الدنيا من طاعات وزلات
قال الله تعالى: "وَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أهْلِنَا مُشْفِقِينَ فمَنَّ الله عَلَيْنا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم إنَّا كُنا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبر الرَّحِيمُ".
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عبد الله، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعد بن دينار، عن الربيع، عن صبيح، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة، واشتاق الإِخوان بعضهم إلى بعض، يسير سرير هذا إلى سرير هذا، حتى يجتمعا جميعاً، فيقول أحدهما لصاحبه: أتعلم متى غفر الله لنا? فيقول صاحبه: كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا".
وقال تعالى: "فَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ قَالَ قَائِل مِنْهُمْ إني كَانَ لي قَرِينٌ "يَقُولُ أئِنك لَمِنَ الْمُصَدقِينَ أئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أئِنَّا لَمَدِينُونَ، قَالَ هَلْ أنْتُمْ مُطّلِعُونَ فَاطلَعَ فَرَآهُ فِي سَواء الجَحِيم قَالَ تَاللَّهِ إنْ كِدْتَّ لَتُرْدين وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أفَمَا نَحْنُ بِمَيتينَ إلاَّ مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذبِينَ إنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْل هَذَا فَلْيَعْمَل الْعامِلُونَ". وهذا الفوز، يشمل الجني، والإنسي.
يقول: كان يوسوس إلي بالكفر واستبعاد أمر المعاد، فبرحمة الله نجوت منه، ثم أمر أصحابه ليطلعوا على النار، فرآه في غمراتها يعذب، فحمد الله على ما نجاه منه.
قال الله تعالى: "قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدْتَ لَتُرْدِين، وَلَوْلاَ نِعْمَةُ ربي، لَكُنْتُ مِنَ المحْضَرِينَ". ثم ذكر الغبطة التي هو فيها، وشكر الله عليها وقال: "أفَمَا نَحْنُ بِميتينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الأولَى، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ"? أي إنا قد نجونا من الموت والعذاب، بدخولنا الجنة، إن هذا لهو الفوز العظيم وقوله: "لِمِثْل هذا، فَلْيَعْمَل الْعَامِلُونَ".
يحتمل أن يكون من تمام مقالته، ويحتمل أن يكون من كلام الله عز وجل، لقوله: "وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافِسُونَ".
ولهذا نظائر كثيرة، قد ذكرنا بعضها في التفسير.
وذكر في أول البخاري: في كتاب الإِيمان، في حديث حارثة بن سراقة، حين قال له رسولالله صلى الله عليه وسلم: "كيف أصبحت? فقال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً، قال: فما حقيقة إيمانك? قال: صرفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يعذبون فيها، فقال: "عبد نور الله قلبه".
وقال سليمان بن المغيرة: عن حميد بن هلال: بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل منهم ولا يزور الأسفل الأعلى"، قلت: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن صاحب الرتبة السافلة، لا يصلح له أن يتعداها، وليس فيه أهلية لذلك.
الثاني: لئلا يرى فوق ما هو فيه من النعيم فيحزن لذلك، وليس في الجنة حزن، وقد ورد ما قاله حميد بن هلال في حديث مرفوع، وفيه زيادة على ما قال، فقال الطبراني: حدثنا الحسن بن إسحاق، حدثنا شريك بن عثمان. حدثنا المسيب بن شريك، عن بشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يتزاور أهل الجنة? فقال: "يزور الأعلى الأسفل ولا يزور الأسفل، الأعلى، إلا الذين يتحابون في الله يأتون منها حيث شاءوا على النوق، محتقبين الحشايا".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، أن إسماعيل بن عياش قال: حدثني ثعلبة بن مسلم، عن أيوب بن بشير العجلي، عن شفي بن ماتع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من نعيم الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والبخت، وأنهم يؤتون في الجنة بخيل مسرجة ملجمة، لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا إلى حيث شاء الله عز وجل، فيأتيهم مثل السحابة، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، فيقولون: أمطري علينا، فلا تزال تمطر عليهم حتى ينتهي ذلك، ثم يبعث الله ريحاً غير مؤذية، فتتسف كثباناً من مسك، عن أيمانهم، وعن شمائلهم، فيوجد ذلك المسك في نواصي خيلهم، وفي مفارقها، وفي رؤوسها، ولكل رجل منهم جهة على ما اشتهت نفسه، فيعلق المسك بهم، ويعلق بالخيل، ويعلق بما سوى ذلك من الثياب، ثم ينقلبون حتى ينتهوا إلى ما شاء الله عز وجل، فإن المرأة تنادي بعض أولئك: يا عبد الله? أما لك فينا حاجة? فيقول: من أنت? فتقول: أنا زوجتك، وحبك، فيقول: ما علمت بمكانك، فتقول أو ما علمت أن الله قال: "فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أخْفِي لَهُمْ مِنْ قرَّةِ أعْيُن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْملون".
فيقول: بلى وربي، فلعله يشغل بعد ذلك الوقت، لا يلتفت، ولا يعود، ما يشغله عنها إلى ما هو فيه من النعمة والكرامة وهذا حديث مرسل غريب جداً.
وقال ابن المبارك: حدثنا رشدين بن سعد، حدثني ابن أنعم، عن أبي هريرة، قال: "إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس الخور، عليها رحال المسك، على خياشمها غبار المسك، خطام- أو زمام- أحدها خير من الدنيا وما فيها".
وروى ابن أبي الدنيا: من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه الآية: "وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السَّموَاتِ وَمَنْ في الأرْض إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ".
فقال: هم الشهداء، يبعثهم الله متقلدين أسيافهم حول عرشه، فتأتيهم ملائكة من المحشر بنجائب من الياقوت الأبيض، برجال الذهب، أعنتها السندس، والإِستبرق، ونمارق من الحرير، تمد أبصارها مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنة على خيولهم يقولون عند طول النزهة: انطلقي بنا ننظر كيف يقضي الله بين خلقه? فيضحك إليهم الله عز وجل، وإذا ضحك الله إلى عبد فلا حساب عليه". وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الهروي، حدثنا القاسم بن زيد الموصلي، حدثني أبو إياس، حدثني محمد بن علي بن الحسين.
وروى أبو نعيم: في حديث المعافى. بن عمران، حدثني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، لو سخر الجواد الراكب أن يسير في ظلها لسار مائة عام، ورقها زمرد أخضر، وزهرها رياط صفر، وأفناؤها سندس، وإستبرق، وثمرها حلل، وصمغها زنجبيل، وعسل، و بطحاؤها ياقوت أحمر، وزمرد أخضر، وترابها مسك، وخشيشها زعفران، يفوح من غير وقود، ويتفجر من أصلها أنهار السلسبيل، والرحيق، وظلها مجلس من مجالس أهل الجنة، يألفونه، ويتحدث فيه جميعهم.
فبينما هم يوماً يتحدثون في ظلها، إذا جاءتهم الملائكة يقودون نجائب من الياقوت، قد نفخ فيها الروح، مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها المصابيح، عليها رحائل ألواحها من الدر والياقوت، مفصصة باللؤلؤ والمرجان صفاقها من الذهب الأحمر، الملبس بالعبقري والأرجوان، فأناخوا إليهم بتلك النجائب، وقالوا لهم: إن ربكم يقرئكم السلام، ويستزيركم، لينظر إليكم، و تنظروا إليه، وتحيوه، ويحييكم، وتكلموه، ويزيدكم من سعة فضله، إنه ذو رحمة واسعة، وفضل عظيم.
فيتحول كل رجل منهم إلى راحلته، ثم ينطلقون صفاً واحداً معتدلاً، لا يفوت منه أحد أحداً، ولا تفوت أذن الناقة أذن صاحبتها، ولا ركبة الناقة ركبة صاحبتها ولا يمرون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرتها، ورحلت لهم عن طريقهم، كراهة أن ينثلم صفهم، أو يفرق بين الرجل ورفيقه. فإذا رفعوا إلى الجبار أسفر لهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم في عظمة العظيم وقالوا: ربنا أنت السلام، ومنك السلام، ولك حق الجلال والإِكرام فيقول لهم ربهم عز وجل: "إني السلام ومني السلام، ولي حق الجلال والإِكرام، مرحباً بعبادي الذين حفظوا وصتتي، ورعوا حقي، وخافوني بالغيب فكانوا مني على كل حال مشفقين".
قالوا: وعزتك، وعلو مكانك، ما قدرناك حق قدرك، وما أدينا إليك كل حقك، فأذن لنا بالسجود لك.
فيقول لهم ربهم: "إني قد وضعت عنكم مؤنة العبادة، وأرحت لكم أبدانكم، فطالما أنصبتم لي الأبدان، وأعنيتم لي الوجوه، فالآن أفضيتم إلي روحي، ورحمتي، وكرامتي، فسلوني ما شئتم، وتمنوا علي أعطكم أمانيكم، فإني لن أجزيكم اليوم بقدر أعمالكم، ولكن بقدر رحمتي، وكرامتي، وطولي، وجلالي، وعلو مكاني، وعظمة شأني".
فما يزالون في الأماني والعطايا، والموابه، حتى إن المقتصر في أمنيته ليتمنى مثل جميع الدنيا منذ خلقها الله إلى يوم إفنائها".
فيقول لهم الله عز وجل: "قد قصرتم في أمانيكم، ورضيتم بدون ما يحق لكم، لقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم، وألحقت بكم ذريتكم، ودونكم ما قصرت عنه أمانيكم".
وهذا مرسل ضعيف، غرب، وأحسن أحواله أن يكون من كلام بعض السلف، فوهم بعض وراته فجعله مرفوعاً، وليس كذلك، والله أعلم.
باب جَامع لأحكام تتعَلق بالجَنَّة ولأَحاديث شَتَّى
قال الله تعالى: "وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُريَّتُهُمْ بإِيمَان ألحَقْنَا بِهِمْ ذريَّتَهُمْ وَمَا ألَتْنَاهُمْ منْ عَمَلهِمْ منْ شيء".
ومعنى هذا: أن الله تعالى يرفع درجة الأولاد في الجنة، إلى درجة الآباء، وإن لم يعملوا بعملهم، ولا ينقص الآباء من أعمالهم، حتى يجمع بينهم وبين بنيهم، في الجنة التي يستحقها الآباء، فيرفع الناقص حتى يساويه مع العالي، ليجمع بينهم في الدرجة العالية: لتقر أعينهم لاجتماعهم وارتفاعهم".
قال الثوري عن عمر بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "إن الله ليرفع ذرية المؤمن إلى درجته، وإن كانوا دونه في العمل، ليقربهم عينة ثم قرأ: "وَالذينَ آمَنُوا وَاتبعَتْهُمْ ذرِّيَّتُهُمْ بآيمَان ألْحَقْنَا بهمْ ذرِّيَّتَهُمْ وَمَا ألتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهمْ مِنْ شَيْءٍ".
كذا رواه ابن جبير، وابن أبي حاتم في تفسيرهما عن الثوري موقوفاً، وكذا رواه ابن جرير، عن شعبة، عن عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس موقوفاً، وروراه البزار في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، من حديث قيس بن الربيع، عن عمرو عن سعيد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى الثوري: وشعبة أثبت، والله أعلم.
وروى ابن أبي الدنيا، من طريق الليث، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية قال: "هم ذرية المؤمن، يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم، ألحقوا بآبائهم، ولم ينقص الأباء من أعمالهم التي عملوا شيئاً".
وقال الطبراني: حدثنا حسين بن إسحاق التستري، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا: شريك، عن سالم الأقطش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه، وزوحته، وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به".
وقرأ ابن عباس: "وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذريَّتُهُمْ بإيمَان".
وقال العوفي: عن ابن عباس، في هذه الآية: يقول الله تعالى: "والذين أدرك ذريتهم الإيمان، فعملوا بطاعتي، ألحقتهم بآبائهم في الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم".
هذا التفسير هو أحد أقوال العلماء في معنى الذرية، أهم الصغار فقط? أم يشمل الصغار والكبار? كقوله: "وَمِنْ ذريَّتهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ".
وقال: "ذرِّيَّة مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح إنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً".
فأطلق الذرية على الصغار، كما أطلقها على الكبار.
وتفسير العوفي عن ابن عباس، يشملهما، وهو اختيار الواحدي وغيره، والله أعلم.
وهو محكي عن الشعبي، وأبي مخلد، وسعيد بن جبير، وإ براهيم النخعي وأبي صالح، وقتادة، والربيع بن أنس. هذا فضله ورحمته على الأبناء ببركة عمل الآباء.
فضل الله عز وجل على الآباء ببركة عمل الأبناء
فأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فقد قال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عاصم بن النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب: أنَّى لي هذه? فيقول: باستغفار ولدك لك".
وهذا إسناد صحيح: ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن له شاهد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
فصل
الجنة والنار موجودتان
والجنة والنار موجودتان الآن، معدتان لأصحابهما، كما نطق بذلك القرآن? وتواترت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، المستمسكين بالعروة الوثقى، وهي السنة المثلى إلى قيام الساعة، خلافاً لمن زعم أن الجنة والنار لم يخلقا بعد، وإنما يخلقان يوم القيامة، وهذا القول صدر ممن لم يطلع على الأحاديث المتفق على صحتها في الصحيحين وغيرهما من كتب الإِسلام المعتددة المشهورة بالأسانيد الصحيحة والحسنة، مما لا يمكن دفعه، ولا رده، لتواتره، واشتهاره.
وقد ثبت في الصحيحين: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه رأى الجنة والنار ليلة الإسراء".
وقال صلى الله عليه وسلم: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب: أكل بعضي بعضاً، فأذن لها في نفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الزمهرير، من بردها، وأشد ما تجدون في الحر، من فيحها، فإذا كان الحر فأبردوا بالصلاة".
وثبت في الصحيحين: من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أؤثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم دون غيرهم? فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع قدمه عليها، فتقول: قط قط، فهنالك تمتلىء، وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم من خلقه أحداً، وأما الجنة فينشىء الله لها خلقاً". لفظ مسلم.
وثبت في الصحيحين: من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول هل من مزيد، حتى يضع الجبار فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط. بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشىء الله لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنة".
فأما ما وقع في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه سبحانه وتعالى ينشىء للنار من يشاء، فيلقى فيها، فتقول: هل من مزيد? وإشكال هذه الرواية، فقد قال بعض الحفاظ: هذا غلط من بعض الرواة، وكأنه اشتبه عليه، فدخل عليه لفظ في لفظ فنقل هذا الحكم من الجنة إلى النار: والله أعلم.
قلت: فإن كان محفوظاً فيحتمل أنه تعالى امتحنهم في العرصات كما يمتحن غيرهم ممن لم تقم عليه الحجة في الدنيا، فمن عصى منهم أدخله النار، ومن استجاب أدخله الجنة، لقوله تعالى: "وَمَاكُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً".
ولقوله تعالى: "رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاِّ يَكُونَ لِلنَّاس عَلَى اللَّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرًّسُل وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً".
فصل
في بعض صفات أهل الجنة وبعض صفات أهل النار
وقد ذكرنا فيما سلف صفة أهل الجنة حال دخولهم إليها، وقدومهم عليها، وأنهم يحول خلقهم إلى طول ستين ذراعاً في عرض سبعة أذرع، وأنهم يكونون جرداً مكحلين في سن أبناء ثلاث وثلاثين.
قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم، حدثنا صفوان بن صالح، حدثني داود بن الجراح العسقلاني، حدثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم، ستين ذراعاً بذراع الملك، على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى، ثلاث وثلاثين، وعلى لسان محمد".
وروى داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "لسان أهل الجنة عربي".
وروى البيهقي: من طريقين فيهما ضعف: عن أبي كريمة المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد من الناس يموت سقطاً ولا هرماً أو فيما بين ذلك، إلا بعث ابن ثلاثين. وفي رواية- ثلاث وثلاثين- سنة فإن كان من أهل الجنة كان على مسحة وصورة يوسف، وقلب أيوب، مرداً مكحلين، ومن كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال".
وفي رواية: "حتى تصير جلدة يد أحدهم أربعين ذراعاً وحتى يصير ناب من أنيابه مثل أحد".
وثبت: "أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، وإنما ينصرف طعامهم بأنهم يعرقون عرقاً، له رائحة كرائحة المسك الأذفر، وأنفاسهم تحميد وتكبير، وتسبيح".
وثبت: "أن أول زمرة منهم على صورة القمر، ثم الذين يلونهم في البهاء كأضواء كوكب دري في السماء، وأنهم يجامعون، ولا يتناسلون، ولا يتوالدون، إلا ما يشاؤون، وأنهم لا يموتون، ولا ينامون، لكمال حياتهم بكثرة لذاتهم، وتوالي طعامهم وشرابهم، وكلما ازدادوا خلوداً ازدادوا حسناً، وجمالاً، وشباباً، وقوة، وكمالاً، وازدادت لهم الجنة حسناً، وبهاء، وطيباً، وضياء، وكانوا أرغب فيها، وأحرص عليها، فكانت لهم أعز وأغلى وألذ، وأحلى، قال الله تعالى: "خَالِدينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً".
فصل
وقد ذكرنا: أن أول من يدخل الجنة من بني آدم على الإِطلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعلاهم منزلة، وأن أول من يدخلها من الأمم أمته، وأول من يدخل من هذه الأمة، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وتقدم، أن أفراد هذه الأمة يكثرون في الجنة، وأنهم فيها يعدلون ثلثي أهل الجنة، كما تقدم: "أهل الجنة مائة وعشرون صفاً وهذه الأمة ثمانون صفاً".
يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة
وفي المسند، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه، من حديث محمد بن عمرو: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة عام". وإسناده على شرط مسلم.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وروى الطبراني: من حديث الثوري، عن محمد بن زيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، مرفوعاً، مثله.
وروى الترمذي: من طريق الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، مرفوعاً، مثله، ثم حسنه.
والذي رواه مسلم: من طريق أبي عبد الرحمن الجعلي، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفاً".
وروى الترمذي: عن جابر بن عبد الله، مرفوعاً، مثله، وصححه. وله: عن أنس أيضاً، نحوه، واستغربه.
قلت: وإن كان الأول محفوظاً، فيكون باعتبار أول الفقراء وآخر الأغنياء، والله أعلم.
أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار
وروى الإمام أحمد: عن إسماعيل بن علية، وأبو بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، كلاهما عن هشام الدستوري، عن يحيى بن أبي كثير، عن عامر العقلي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرض عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، قال: فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فشهيد، وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف، ذو عيال، وأما أول ثلاثة يدخلون النار: فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله من ماله، وفقير فخور".
ورواه الترمذي: من طريق ابن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، وقال: حسن، ولم يذكر الثلاثة من أهل النار.
وثبت في صحيح مسلم: عن عياض بن حماد المجاشعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم القلب بكل ذي قربى، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع- وإن دق- إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل- أو الكذب- والشنظير الفحاش".
وثبت في الصحيحين: من حديث سفيان الثوري، وشعبة، عن معبد بن خالد، عن حارثة بن وهب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ألا أخبركم بأهل الجنة? كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار? كل عتل جواظ متكبر".
وقال أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا موسى بن علي بن رباح، سمعت أبي يحدث، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أهل النار كل جعظري جواظ، مستكبر، جماع، مناع، وأهل الجنة الضعفاء، المغلوبون".
وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو هلال الراسي، حدثنا عقبة بن نبيت، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهل الجنة من ملأ أذنيه من ثناء الناس خيراً وهو يسمع، وأهل النار من ملأ أذنيه من ثناء الناس شراً وهو يسمع". وكذا رواه ابن ماجه: من حديث مسلم بن إبراهيم.
وقال القاضي أبو عبيد علي بن الحسين، حدثنا محمد بن صالح، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخبركم برجالكم من أهل الجنة: النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا الله في الجنة، ونساؤكم من أهل الجنة، العؤود الولود، التي إذا غضب زوجها جاءت حتى تضع يدها عليه: ثم تقول: لا أذوق غمضاً حتى ترضى".
وروى النسائي بعضه من حديث خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن يحيى بن دينار، به.
وتقدم في الأحاديث الصحيحة: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، وأطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء".
الحمادون لله عز وجل في السراء والضراء هم أول من يدعى يوم القيامة لدخول الجنة
وتقدم الحديث الوارد من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عن ابن عباس: مرفوعاً: "أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الحمادون، الذين يحمدون الله في السراء والضراء".
فصل
في أمة محمد عليه السلام أكثر أهل الجنة عدداً، وأعلاهم مكاناً ومكانة
هذه الأمة أكثر أهل الجنة، وأغناهم فيها، وأعلاهم منازل، وهم صدورها كما قال الله تعالى في صفة المقربين: "ثلَةٌ مِنَ الأوّلينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ".
وقال في صفة أهل اليمين: "ثلَّةٌ مِنَ الأَوَّلينَ وَثلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ".
وثبت في الصحيحين: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم تحت الشمس- أو السماء- ينذرون ولا يفون، ويشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون".
الصدر الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم خير هذه الأمة
وخيار الأمة، الصدر الأوائل من الصحابة، كما قال ابن مسعود: "فمن كان منكم مقتدياً فليقتد بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد، آمن هذه الأمة قلوباً، وأعظمها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ونصرة دينه، فاعرفوا لهم قدرهم، واقتدوا بهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
بعض الآثار الواردة في دخول أعداد كبيرة من هذه الأمة إلى الجنة بغير حساب
وتقدم أن هذه الأمة يدخل منهم إلى الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، وفي صحيح مسلم: "مع كل ألف سبعون ألفاً".
وفي ر واية أحمد: "مع كل واحد سبعون ألفاً". وإليك ذكر الحديث: وإشارة إلى طرقه وألفاظه.
سبقك بها عكاشة
ثبت في الصحيحين: من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر".
فقام عكاشة بن محصن الأسدي يدفع نمرة فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله الله منهم.
فقام رجل من. الأنصار فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبقك بها عكاشة".
ولهما من رواية أبي حازم: عن سهل بن سعد، مثله.
ولهما: من رواية حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل، والرجلان، والنبي ليس معه أحد، فرفع سواد، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب.
وفيه: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون". فقام عكاشة، فذكره.
ولمسلم: من طريق محمد بن سيرين، وعمران بن الحصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، ولا عذاب، قيل من هم? قال: هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون".
ولمسلم: من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، نحوه..
وروى عاصم: عن رزين بن مسعود، نحوه. وإسناده على شرط مسلم بن الحجاج.
وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له.
أخبرنا إسماعيل بن عباس: أخبرني محمد بن زياد الألهاني، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً، لا حساب عليهم، ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل".
وكذا رواه أبو بكر بن عاصم: عن دحيم، عن الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي سليم بن عامر، عن أبي اليمان عامر بن عبد الله بن يحيى الهوزي، عن أبي أمامة، فذكرمثله.
وروى الطبراني: من حديث عامر بن سعد البجلي، عن عتبة بن عبد السلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله..
وروى الطبراني: من طريق أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، مثله... ولم يذكر ثلاث حثيات...
وله: من حديث قيس الكندي، عن أبي سعيد الأنصاري، مثله- بذكر الحثيات- وقد قدمنا بقية طرقه بألفاظها.
فصل
في بَيان وُجود الجَنَّة وَالنَّار وأَنَّهُما مخلوقان خِلافاً لِمَنْ زَعَمَ خِلاف ذَلِك مِن أهل البطلان
قال تعالى: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ ربِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّموَاتُ وَالأرْضُ أعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ".
وقال تعالى: "سَابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ ربكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْض السَّمَاءِ وَالأرْض أعِدَّتْ لِلّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذو الْفَضْل الْعَظِيم".
وقال تعالى: "واتَّقُوا النَّار الَّتي أعِدَّتْ لِلْكافِرِين".
وقال في حق آل فرعون: "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا عدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابَ".
وقال تعالى: "فَلاَ تَعْلَمُ نَفْس مَا أخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قرَّةِ أعْيُن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلونَ".
وثبت في الصحيحين: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "يقول الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخراً من بله ما أطلعتم عليه? ثم قرأ: "فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن".
وفي الصحيحين: من حديث مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فقيل: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة".
وفي صحيح مسلم: عن أبي مسعود: "أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في العرش".
وروينا من حديث الإِمام أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما نسمة المؤمن في طائر معلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم يبعثه". وتقدم الحديث المتفق عليه: من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال.: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
وذكر الحديث المروي من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً: "لما خلق الله الجنة قال يا جبريل: اذهب فانظر إليها" الحديث.
وتقدم الحديث الآخر: "لما خلق الله الجنة، قال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون".
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، وعند مسلم: عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تحاجت الجنة والنار" الحديث.
وفيهما: عن ابن عمر، مرفوعاً: "الحمى من فيح جهنم".
وفيهما: عن أبي ذر، مرفوعاً: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم".
وفي الصحيحين: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار".
وقد ذكرنا في حديث الإِسراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى الجنة والنار ليلتئذ.
وقال الله تعالى: "وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى".
وقال في صفة سدرة المنتهى: "إنه يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان، وذكر الباطنين في الجنة".
وفي الصحيحين: "ثم أدخلت الجنة، فإذا جنادل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك".
وفي صحيح مسلم: من طريق قتادة، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "بينا أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا? قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك".
وفي مناقب عمر: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أدخلت الجنة فرأيت جارية تتوضأ عند قصر، فقلت: لمن أنت? قالت لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فذكرت غيرتك".
فبكى عمر وقال: أو عليك أغار يا رسول الله"? والحديث في الصحيحين، عن جابر.
وقال لبلال: "دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك بين يدي في الجنة، فأخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فقال: ما عملت عملاً في الإِسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل ولا نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي".
وأخبرني عن الرميصاء أنه رآها في الجنة".
أخرجاه عن جابر بن عبد الله.
وأخبر في يوم صلاة الكسوف: "أنه عرضت عليه الجنة والنار، وأنه دنت منه الجنة، وأنه همّ أن يأخذ منها قطفاً من عنب. ولو أخذ ثمة لأكلتم منه ما بقيت الدنيا".
وفي الصحيحين: من طريق الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن عامر بن الخزاعي ابن قمعة بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار".
وقال في الحديث الآخر: "ورأيت فيها صاحب المحجن".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت امرأة النار، في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". ولقد رأيتها تحمشها".
وأخبر عن الرجل الذي ينحي غصن شوك عن طريق المارة. فقال: "فلقد رأيته يستظل به في الجنة".
وفي الحديث: في صحيح مسلم: عن أبي هريرة بلفظ أخر.
وفي الصحيحين: عن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، وأطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء".
وفي صحيح مسلم: من طريق المختار بن فلفل المخزومي، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، قالوا: يا رسول الله فما رأيت? قال: رأيت الجنة والنار".
وأخبر: أن المتوضىء إذا تشهد بعد وضوئه فإنه تفتح له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء".
وفي صحيح البخاري: من حديث شعبة، عن عدي بن حاتم، عن البراء بن عازب، قال: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن له لمرضعاً في الجنة".
وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، حدثنا ابن عباس الرملي، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولاد المؤمنين في جبل في الجنة، يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة".
وكذا رواه وكيع: عن سفيان- وهو الثوري- والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وقد أوردنا كثيراً منها بأسانيدها ومتونها فيما تقدم.
وقال الله تعالى: "وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة".
والجمهور على أن هذه الجنة جنة المأوى، وذهب طائفة آخرون إلى أنها جنة في الأرض، خلقها الله تعالى له، ثم أخرجه منها.
وقد ذكرنا ذلك مبسوطاً في قصة آدم، من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته، وبالله المستعان.
فصل
وثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً".
كذا روى الترمذي: من حديث جابر، وصححه أنس واستغربه.
وللترمذي من حديث أبي هريرة، وصححه، وأ بي سعيد، وحسنه: "بنصف يوم، خمسمائة عام".
قلت: فإن كان محفوظاً- كما صححه الترمذي- فتحصل أن ذلك باعتبار أول دخول الفقراء، وآخر الأغنياء، ويكون الأربعون خريفاً، باعتبار ما بين دخول آخر الفقراء، وأول الأغنياء، والله أعلم.
وقد أشار إلى ذلك القرطبي في التذكرة حيث قال: "وقد يكون ذلك باختلاف أحوال الفقراء والأغنياء" يشير الى ما ذكرناه.
قال الزهري: "كلام أهل الجنة عربي، وبلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة بالسريانية، فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية".
فصل
في الْمَرأَة تَتزوج في الدنيا بَأزاواج وتَكون في الجنَّة لِمَنْ كان في الدُّنْيَا أَحْسَنَهُمْ خُلُقاً
ذكر القرطبي في التذكرة: من طريق وهب، عن مالك، أن أسماء بنت أبي بكر شكت زوجها الزبير إلى أبيها فقال: "يا بنية، اصبري فإن الزبير رجل صالح، ولعله يكون زوجك في الجنة".
وقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر المرأة، تزوجها في الجنة.
وقال أبو بكر بن العربي: هذا حديث غريب.
وقد روي عن أبي الدرداء، وحذيفة بن اليمان. أن المرأة تكون لآخر أزواجها في الدنيا، وجاء: أنها تكون لأحسنهم خلقاً.
قال أبو بكر النجاد: حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا عبيد بن إسحاق العطار، حدثنا يسار بن هارون، عن حميد بن أنس، أن أمٍ حبيبة قالت: يا رسول الله: المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا، فلأيهما تكون? فقال: "لأحسنهما خلقاً كان معها في الدنيا".
ثم قال: "يا أم حبيبة: ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة" .
وقد روي عن أم سلمة، نحو هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإليه المرجع والمآب.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق