المصاحف

جواهر القران لأبي حامد الغزالي

 كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي


 مصاحف روابط 9 مصاحف
// ////

المصحف مسموعا للشيخ خليل الحصري

سورة الفاتحة /سورة البقرة /سورة آل عمران /سورة النساء /سورة المائدة /سورة الأنعام /سورة الأعراف /سورة الأنفال /سورة التوبة /سورة يونس /سورة هود /سورة يوسف /سورة الرعد /سورة إبراهيم /سورة الحجر /سورة النحل /سورة الإسراء /سورة الكهف /سورة مريم /سورة طه /سورة الأنبياء /سورة الحج /سورة المؤمنون /سورة النّور /سورة الفرقان /سورة الشعراء /سورة النّمل /سورة القصص /سورة العنكبوت /سورة الرّوم /سورة لقمان /سورة السجدة /سورة الأحزاب /سورة سبأ /سورة فاطر /سورة يس /سورة الصافات /سورة ص /سورة الزمر /سورة غافر /سورة فصّلت /سورة الشورى /سورة الزخرف /سورة الدّخان /سورة الجاثية /سورة الأحقاف /سورة محمد /سورة الفتح /سورة الحجرات /سورة ق /سورة الذاريات /سورة الطور /سورة النجم /سورة القمر /سورة الرحمن /سورة الواقعة /سورة الحديد /سورة المجادلة /سورة الحشر /سورة الممتحنة /سورة الصف /سورة الجمعة /سورة المنافقون /سورة التغابن /سورة الطلاق /سورة التحريم /سورة الملك /سورة القلم /سورة الحاقة /سورة المعارج /سورة نوح /سورة الجن /سورة المزّمّل /سورة المدّثر /سورة القيامة /سورة الإنسان /سورة المرسلات /سورة النبأ /سورة النازعات /سورة عبس /سورة التكوير /سورة الإنفطار /سورة المطفّفين /سورة الإنشقاق /سورة البروج /سورة الطارق /سورة الأعلى /سورة الغاشية /سورة الفجر /سورة البلد /سورة الشمس /سورة الليل /سورة الضحى /سورة الشرح /سورة التين /سورة العلق /سورة القدر /سورة البينة /سورة الزلزلة /سورة العاديات /سورة القارعة /سورة التكاثر /سورة العصر /سورة الهمزة /سورة الفيل /سورة قريش /سورة الماعون /سورة الكوثر /سورة الكافرون /سورة النصر /سورة المسد /سورة الإخلاص /سورة الفلق /سورة النّاس

كل مدونات لاشير لاشيرك

الجمعة، 15 يونيو 2018

ص 16 بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم الشاملة الجزء الخامس ج5//1.

ص 16 بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم الشاملة الجزء الخامس ج5//1.
يا خير من حملت على أوصالها * عيرانة سرح اليدين غشوم (1) إنى لمعتذر إليك من الذى * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطة * سهم وتأمرني بها مخزوم وأمد أسباب الردى ويقودنى * أمر الغواة وأمرهم مشئوم فاليوم آمن بالنبي محمد * قلبى ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها * ودعت أواصر بيننا وحلوم فاغفر فدى لك والدى كلاهما * زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة * نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه * شرفا وبرهان الاله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق * حق وأنك في المعاد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى * مستقبل في الصالحين كريم قرم علا بنيانه من هاشم * فرع تمكن في الذرى وأروم قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له.
قلت: كان عبدالله بن الزبعرى السهمى من أكبر أعداء الاسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم من الله عليه بالتوبة والانابة والرجوع إلى الاسلام والقيام بنصره والذب عنه.
فصل قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، من بنى سليم سبعمائة.
ويقول بعضهم: ألف، ومن بنى غفار أربعمائة [ ومن أسلم أربعمائة ]
__________
(1) العيرانة من الابل: الناجية في نشاط.
(*)
ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والانصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد.
وقال عروة والزهرى وموسى بن عقبة: كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر ألفا.
فالله أعلم.
* * * قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت: عفت ذات الاصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء (1) ديار من بنى الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء (2) وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا ولكن من لطيف * يؤرقني إذا ذهب العشاء لشعثاء التى قد تيمته * فليس لقلبه منها شفاء كأن خبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء (3) إذا ما الاشربات ذكرن يوما * فهن لطيب الراح الفداء نوليها الملامة إن ألمنا * إذا ما كان مغت أو لحاء (4) ونشر بها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهها اللقاء عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء ينازعن الاعنة مصغيات * على أكتافها الاسل الظماء (5) تظل جيادنا متمطرات * يلطمهن بالخمر النساء
__________
(1) الجواء والعذراء: مواضع بالشام.
(2) الروامس: الرياح.
والسماء: المطر.
(3) الخبيئة: الخمر المصونة.
وبيت رأس: موضع بالاردن.
(4) ألمنا: فعلنا ما نستحق عليه اللوم.
والمغت: الضرب باليد.
واللحاء: الملاحاة باللسان.
(5) مصغيات: موائل منحرفات.
والاسل: الرماح.
(*)
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم * يعز الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء وقال الله قد أرسلت عبدا * يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدقوه * فقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد سيرت جندا * هم الانصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافى من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عنى * مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا * وعبد الدار سادتها الاماء هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء فإن أبى ووالده وعرضى * لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء قال ابن هشام: قالها حسان قبل الفتح.
قلت: والذى قاله متوجه لما في أثناء هذه القصيدة، مما يدل على ذلك، وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب.
قال ابن هشام: وبلغني عن الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم إلى أبى بكر رضى الله عنه.
قال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم الديلى يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعى - يعنى لما جاء يستنصر عليهم - كما تقدم: أأنت الذى تهدى معد بأمره * بل الله يهديهم وقال لك اشهد وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسبغ نائلا * إذا راح كالسيف الصقيل المهند وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله * وأعطى لرأس السابق المتجرد (1) تعلم رسول الله أنك مدركى * وأن وعيدا منك كالاخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر * على كل صرم متهمين ومنجد (2) تعلم بأن الركب ركب عويمر * هم الكاذبون المخلفو كل موعد ونبوا رسول الله أنى هجوته * فلا حملت سوطي إلى إذن يدى سوى أننى قد قلت ويل ام فتية * أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد (3) أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء فعزت عبرتي وتبلدى وإنك قد أخبرت أنك ساعيا * بعبد بن عبدالله وابنة مهود (4) ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا * جميعا فإن لا تدمع العين أكمد وسلمى وسلمى ليس حى كمثله * وإخوته وهل ملوك كأعبد فإنى لا ذنبا (5) فتقت ولا دما * هرقت تبين عالم الحق واقصد قال ابن إسحاق: وقال بجير بن زهير بن أبى سلمى في يوم الفتح: نفى أهل الحبلق (1) كل فج * مزينة غدوة وبنو خفاف ضربناهم بمكة يوم فتح النبي * الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسبع من سليم * وألف من بنى عثمان واف نطا أكتافهم ضربا وطعنا * ورشقا بالمريشة اللطاف
__________
(1) الخال: برد من برود اليمن، وهو من رفيع الثياب.
(2) الصرم: الطائفة من البيوت.
(3) الطلق: الايام الطيبة.
(4) ابن هشام: فإنك قد أخفرت إن كنت ساعيا.
(5) ابن هشام: فإنى لا دينا.
(6) الحبلق: أرض يسكنها قبائل من مزينة وقيس.
والحبلق.
الغنم الصغار ولعله أراد أصحاب الغنم.
(*)
ترى بين الصفوف لها حفيفا * كما انصاع الفواق من الرصاف فرحنا والجياد تجول فيهم * بأرماح مقومة الثقاف فأبنا غانمين بما اشتهينا * وآبوا نادمين على الخلاف وأعطينا رسول الله منا * مواثقنا على حسن التصافى وقد سمعوا مقالتنا فهموا * غداة الروع منا بانصراف وقال ابن هشام: وقال عباس بن مرداس السلمى في فتح مكة: منا بمكة يوم فتح محمد * ألف تسيل به البطاح مسوم نصروا الرسول وشاهدوا آياته (1) * وشعارهم يوم اللقاء مقدم في منزل ثبتت به أقدامهم * ضنك كأن الهام فيه الحنتم (2) جرت سنابكها بنجد قبلها * حتى استقام لها الحجاز الادهم الله مكنه له وأذله * حكم السيوف لنا وجد مزحم عود الرياسة شامخ عرنينه * متطلع ثغر المكارم خضرم (3) وذكر ابن هشام في سبب إسلام عباس بن مرداس أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له ضمار، فلما حضرته الوفاة أوصاه به، فبينما هو يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول: قل للقبائل من سليم كلها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى أودى ضمار وكان يعبد مدة * قبل الكتاب إلى النبي محمد قال: فحرق عباس ضمار ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان (4)، مع أمثالها وأشكالها ولله الحمد والمنة.
__________
(1) ابن هشام: وشاهدوا أيامه.
(2) الحنتم: الحنظل.
(3) العود: يريد الرجل المسن والعرنين: الانف.
والخضرم: الجواد المعطاء.
(4) تقدم ذلك في الجزء الاول ص 385، 359.
(*)
بعثه عليه السلام خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بنى جذيمة من كنانة قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبى جعفر محمد بن على، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا.
ومعه قبائل من العرب وسليم بن منصور ومدلج ابن مرة، فوطئوا بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بنى جذيمة قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بنى جذيمة إنه خالد ! والله ما بعد وضع السلاح إلا الاسار، وما بعد الاسار إلا ضرب الاعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا.
قال: فأخذه رجال من قومه فقالوا: يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا ؟ ! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وآمن الناس.
فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد.
قال ابن إسحاق: فقال حكيم بن حكيم عن أبى جعفر قال: فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم.
فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال.
" اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ".
قال ابن هشام: حدثنى بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل أنكر عليه أحد ؟ " فقال: نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه (1) خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فاشتدت مراجعتهما.
فقال عمر بن الخطاب: أما الاول يا رسول الله فابنى عبدالله، وأما الآخر فسالم مولى أبى حذيفة.
قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم، عن أبى جعفر قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب فقال: " يا على اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ".
فخرج على حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الاموال، حتى إنه ليدى ميلغة (2) الكلب ! حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال، فقال لهم على حين فرغ منهم: هل بقى لكم دم أو مال لم يود لكم ؟ قالوا: لا.
قال: فإنى أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون.
ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: " أصبت وأحسنت ".
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: " اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ثلاث مرات.
قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه قال: ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبدالله بن حذافة السهمى وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الاسلام.
قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدينى: لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا: صبأنا صبأنا.
__________
(1) نهمه: زجره.
(2) الميلغة: ما يحفر من الخشب ليلغ فيه الكلب، ويكون عند أصحاب الغنم.
(*)
وهذه مرسلات ومنقطعات.
* * * وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بنى - أحسبه قال - جذيمة فدعاهم إلى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا.
فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ بهم أسرا وقتلا.
قال: ودفع إلى كل رجل منا أسيرا، حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره.
قال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيرى ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره.
قال: فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا صنيع خالد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ورفع يديه: " اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد " مرتين.
ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه.
قال ابن إسحاق: وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع خالد: يا بنى جذيمة ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم مما وقعتم فيه.
قال ابن إسحاق: وقد كان بين خالد وبين عبدالرحمن بن عوف - فيما بلغني - كلام في ذلك، فقال له عبدالرحمن: عملت بأمر الجاهلية في الاسلام ؟ فقال: إنما ثأرت بأبيك.
فقال عبدالرحمن: كذبت قد قتلت قاتل أبى، ولكنك ثأرت لعمك الفاكه بن المغيرة.
حتى كان بينهما شر.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مهلا يا خالد دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته ".
* * * (38 - السيرة 3)
ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم عم خالد ابن الوليد، في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، ومعه ابنه عبدالرحمن وعفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه ابنه عثمان، في تجارة إلى اليمن ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بنى جذيمة كان هلك باليمن، فحملوه إلى ورثته فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام ولقيهم بأرض بنى جذيمة فطلبه منهم [ قبل أن يصلوا إلى أهل الميت ] فأبوا عليه فقاتلهم فقاتلوه حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما.
وقتل عبدالرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام وفر منهم عفان ومعه ابنه عثمان إلى مكة، فهمت قريش بغزو بنى جذيمة، فبعث بنو جذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملا منهم وودوا لهم القتيلين وأموالهما ووضعوا الحرب بينهم.
يعنى فلهذا قال خالد لعبد الرحمن: إنما ثأرت بأبيك، يعنى حين قتلته بنو جذيمة.
فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله، ورد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله.
والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك، وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة، فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الاسلام وأهله، وإن كان قد أخطأ في أمر واعتقد أنهم
ينتقصون الاسلام بقولهم: صبأنا صبأنا.
ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الاسرى أيضا، ومع هذا لم يعزله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل استمر به أميرا، وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك وودى ما كان جناه خطأ من دم أو مال.
ففيه دليل لاحد القولين بين العلماء في أن خطأ الامام يكون في بيت المال لا في ماله.
والله أعلم.
ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة، وتأول عليه ما تأول
حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم، فقال له عمر بن الخطاب: اعزله فإن في سيفه رهقا.
فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله الله على المشركين.
وقال ابن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، عن الزهري، عن ابن أبى حدرد الاسلمي قال: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد فقال فتى من بنى جذيمة، وهو في سنى وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى.
قلت: ما تشاء ؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردتى بعد فتصنعوا ما بدا لكم.
قال: قلت: والله ليسير ما طلبت.
فأخذت برمته فقدته بها حتى وقفته عليهن فقال اسلمي حبيش على نفد (1) العيش: أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق (2) ألم يك أهلا أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق (3) فلا ذنب لى قد قلت إذ أهلنا معا * أثيبي بود قبل إحدى الصفائق (4) أثيبي بود قبل أن تشحط النوى * وينأى الامير بالحبيب المفارق (5) فإنى لا ضيعت سر أمانة * ولا راق عينى عنك بعدك رائق (6)
سوى أن ما نال العشيرة شاغل * عن الود إلا أن يكون التوامق (7) قالت: وأنت فحييت عشرا وتسعا وترا وثمانية تترى.
قال: ثم انصرفت (8) به فضربت عنقه.
قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبى سنبلة الاسلمي، عن أشياخ منهم،
__________
(1) النفد: الانقضاء.
(2) حلية والخوانق: موضعان بتهامة.
(3) السرى: سير عامة الليل.
والودائق: جمع وديقة وهى شدة الحر في نصف النهار.
(4) الصفائق: الدواهي.
(5) تشحط: تبعد.
(6) وتروى: فإنى لاسر لدى أضعته.
ذم الهوى لابن الجوزى: 496.
(7) التوامق: التحاب.
(8) ت: ثم قالت: انصرف به.
فضربت عنقه.
(*)
عمن كان حضرها منهم قالوا: فقامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده ! وروى الحافظ البيهقى من طريق الحميدى، عن سفيان بن عيينة، عن عبدالملك بن نوفل بن مساحق، أنه سمع رجلا من مزينة يقال له ابن عصام عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال: " إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا ".
قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا بذلك، فخرجنا قبل تهامة، فأدركنا رجلا يسوق بظعائن فقلنا له: أسلم.
فقال: وما الاسلام ؟ فأخبرناه به، فإذا هو لا يعرفه، قال: أفرأيتم إن لم أفعل ما أنتم صانعون ؟ قال: قلنا نقتلك.
فقال: فهل أنتم منظري حتى أدرك الظعائن ؟ قال: قلنا نعم ونحن مدركوك.
قال: فأدرك الظعائن فقال: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش.
فقالت الاخرى: اسلم عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترى.
ثم ذكر الشعر المتقدم إلى قوله: وينأى الامير بالحبيب المفارق.
ثم رجع إلينا فقال: شأنكم.
قال: فقدمناه فضربنا عنقه.
قال: فانحدرت الاخرى من هودجها فجثث عليه حتى ماتت.
ثم روى البيهقى من طريق أبى عبدالرحمن النسائي، حدثنا محمد بن على بن حرب المروزى، حدثنا على بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا وفيهم رجل، فقال لهم: إنى لست منهم، إنى عشقت امرأة فلحقتها فدعوني أنظر إليها نظرة ثم اصنعوا بى ما بدا لكم.
فإذا امرأة أدماء طويلة فقال لها: اسلمي حبيش قبل نفاد العيش.
ثم ذكر البيتين بمعناهما.
قال: فقالت: نعم فديتك ! قال: فقدموه فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت.
فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال: " أما كان فيكم رجل رحيم ! ".
بعث خالد بن الوليد لهدم العزى قال ابن جرير: وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ.
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى، وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجابها من بنى شيبان من بنى سليم حلفاء بنى هاشم، فلما سمع حاجبها (1) السلمى بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها ثم اشتد (2) في الجبل الذى هي فيه وهو يقول: أيا عز شدى شدة لا شوى لها * على خالد ألقى القناع وشمرى (3) أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا * فبوئى بإثم عاجل أو تنصري قال: فلما انتهى خالد إليها هدمها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الواقدي وغيره أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها
ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما رأيت ؟ " قال: لم أر شيئا.
فأمره بالرجوع، فلما رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول فعلاها بالسيف وجعل يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك * إنى رأيت الله قد أهانك ثم خرب ذلك البيت الذى كانت فيه، وأخذ ما كان فيه من الاموال رضى الله عنه وأرضاه، ثم رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تلك العزى ولا تعبد أبدا ".
__________
(1) ابن هشام: صاحبها.
(2) ابن هشام: أسند.
(3) الشوى: أن يصيب غير المقاتل يريد أنها لا تبقى على شئ.
(*)
وقال البيهقى: أنبأنا محمد بن أبى بكر الفقيه، أنبأنا محمد بن أبى جعفر، أنبأنا أحمد ابن على، حدثنا أبو كريب، عن ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبى الطفيل قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذى كان عليها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: " ارجع فإنك لم تصنع شيئا ".
فرجع خالد فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، وإلا فموتى برغم ! قال: فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، ووجهها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: " تلك العزى ".
فصل في مدة إقامته عليه السلام بمكة
لا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام أقام بقية شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر.
وهذا دليل من قال من العلماء إن المسافر إذا لم يجمع الاقامة فله أن يقصر ويفطر إلى ثمانى عشر يوما في أحد القولين، وفى القول الآخر كما هو مقرر في موضعه.
قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان ح.
وحدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن يحيى بن أبى إسحاق، عن أنس بن مالك قال: أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة.
وقد رواه بقية الجماعة من طرق متعددة، عن يحيى بن أبى إسحاق الحضرمي البصري، عن أنس به نحوه.
ثم قال البخاري: حدثنا عبدان، حدثنا عبدالله، أنبأنا عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما يصلى ركعتين.
ورواه البخاري أيضا من وجه آخر، زاد البخاري وأبو حصين كلاهما.
وأبو داود الترمذي وابن ماجه، من حديث عاصم بن سليمان الاحول، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
في لفظ لابي داود: سبعة عشر يوما.
وحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أحمد بن شهاب، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة.
قال ابن عباس: فنحن نقصر ما بيننا وبين (1) تسع عشرة، فإذا زدنا (2) أتممنا.
وقال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن علية، أنبأنا على بن زيد، عن أبى نضرة، عن عمران بن حصين ما قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح، فأقام ثمانى عشرة ليلة لا يصلى إلا ركعتين يقول: " يا أهل البلد
صلوا أربعا فإنا سفر ".
وهكذا رواه الترمذي من حديث على بن زيد بن جدعان، وقال: هذا حديث حسن.
ثم روى أبو داود من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة.
ثم قال: رواه غير واحد، عن ابن إسحاق لم يذكروا ابن عباس.
__________
(1) غير أ: نقصر ما بقينا بين تسع عشرة.
(2) ت: فإذا أردنا.
(*)
وقال ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، ومحمد بن على بن الحسين، وعاصم بن عمرو بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر وعمرو بن شعيب وغيرهم قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة.
فصل ومما حكم عليه السلام بمكة من الاحكام قال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة (1)، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الليث: حدثنى يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: كان عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة، وقال عتبة: إنه ابني: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح أخذ سعد بن أبى وقاص ابن وليدة زمعة فأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد بن أبى وقاص: هذا ابن أخى عهد إلى أنه ابنه قال عبد بن زمعة: يا رسول الله: هذا أخى، هذا ابن زمعة، ولد على فراشه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبى وقاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراشه ".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتجبي منه يا سودة " لما رأى من شبه عتبة بن أبى وقاص.
قال ابن شهاب: قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ".
قال ابن شهاب: وكان أبو هريرة يصرح (2) بذلك.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والترمذي جميعا عن قتيبة عن الليث به.
وابن ماجه من حديثه.
وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك عن الزهري.
* * *
__________
(1) الاصل: ابن مسلم.
وما أثبته عن صحيح البخاري.
(2) البخاري: يصيح.
(*)
ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبدالله، أنبأنا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه.
قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " أتكلمني في حد من حدود الله ؟ " فقال أسامة: استغفر لى يا رسول الله.
فلما كان العشى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ! ".
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت.
قالت عائشة: كانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه البخاري في موضع آخر، ومسلم من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به.
وفى صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهنى قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة، ثم لم يخرج حتى نهى عنها.
وفى رواية فقال: " ألا إنها حرام حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ".
وفى رواية في مسند أحمد والسنن، أن ذلك كان في حجة الوداع.
فالله أعلم.
وفى صحيح مسلم، عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن يونس بن محمد، عن عبد الواحد ابن زياد، عن أبى العميس عن إياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه أنه قال: رخص
لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ثم نهانا عنه.
قال البيهقى: وعام أوطاس هو عام الفتح.
فهو وحديث سبرة سواء.
قلت: من أثبت النهى عنها في غزوة خيبر قال: إنها أبيحت مرتين، وحرمت مرتين.
وقد نص على ذلك الشافعي وغيره.
وقد قيل: إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين.
فالله أعلم.
وقيل: إنها إنما حرمت مرة واحدة، وهى هذه المرة في غزوة الفتح.
وقيل: إنها إنما أبيحت للضرورة، فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت.
وهذا رواية عن الامام أحمد.
وقيل: بل لم تحرم مطلقا، وهى على الاباحة.
هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة.
وموضع تحرير ذلك في الاحكام.
فصل قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، أنبأنا عبدالله بن عثمان ابن خثيم، أن محمد بن الاسود بن خلف أخبره أن أباه الاسود رأى رسول الله صلى الله
عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح، قال: جلس عند قرن مستقبله، فبايع الناس على الاسلام والشهادة.
قلت: وما الشهادة ؟ قال: أخبرني محمد بن الاسود بن خلف أنه بايعهم على الايمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
تفرد به أحمد.
وعند البيهقى: فجاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الاسلام والشهادة.
وقال ابن جرير: ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على
الاسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا.
قال: فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة بحديثها (1) لما كان من صنيعها بحمزة.
[ فهى تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعهن قال: " بايعننى على ألا تشركن بالله شيئا " فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال.
" ولا تسرقن " فقالت: والله إنى كنت أصبت من مال أبى سفيان الهنة بعد الهنة، وما كنت أدرى أكان ذلك علينا حلالا أم لا ؟ فقال أبو سفيان - وكان شاهدا لما تقول -: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وإنك لهند بنت عتبة ؟ " قالت: نعم فاعف عما سلف، عفا الله عنك.
ثم قال: " ولا يزنين " فقالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة ! ثم قال: " ولا تقتلن أولادكن " قالت: قد ربيناهم صغارا أفنقتلهم كبارا ؟ فأنت
وهم أعلم ! فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرق.
ثم قال: " ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل.
ثم قال: " ولا يعصيننى " فقالت: في معروف.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: " بايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم ".
__________
(1) ت: لحدثها.
(*)
فبايعهن عمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء ولا يمس إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه.
وثبت في الصحيحين، عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت: لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط.
وفى رواية: ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول: " إنما قولى لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة ".
وفى الصحيحين عن عائشة، أن هندا بنت عتبة امرأة أبى سفيان أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينى من النفقة ما يكفيني ويكفى بنى، فهل على من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه ؟ قال: خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك ] (1).
[ وروى البيهقى من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله ما كان مما على وجه الارض أخباء أو خباء - الشك من أبى بكر - أحب إلى من أن يذلوا من أهل أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الارض أهل أخباء أو خباء أحب إلى من أن يعزوا من أهل أخبائك أو خبائك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأيضا والذى نفس محمد بيده " قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل على حرج أن
أطعم من الذى له ؟ قال: " لا، بالمعروف ".
ورواه البخاري، عن يحيى بن بكير بنحوه.
وتقدم ما يتعلق بإسلام أبى سفيان ] (2).
* * * وقال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن
__________
(1) سقط من ا.
(2) من ت.
(*)
مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: " لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ".
ورواه البخاري، عن عثمان بن أبى شيبة، ومسلم، عن يحيى بن يحيى عن جرير.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهب، حدثنا ابن طاووس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية، أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر.
فقلت له: لا أدخل منزلي حتى أسأل رسول الله ما سأله.
فأتيته فذكرت له فقال: " لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ".
تفرد به أحمد.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن أبى بكر، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا عاصم، عن أبى عثمان النهدي، عن مجاشع بن مسعود، قال: انطلقت بأبى معبد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الهجرة فقال: " مضت الهجرة لاهلها، أبايعه على الاسلام والجهاد ".
فلقيت أبا معبد فسألته فقال: صدق مجاشع.
وقال خالد، عن أبى عثمان، عن مجاشع، أنه جاء بأخيه مجالد.
وقال البخاري: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا عاصم، عن أبى عثمان،
قال: حدثنى مجاشع قال: أتيت رسول الله بأخى بعد يوم الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخى لتبايعه على الهجرة، قال: " ذهب أهل الهجرة بما فيها " فقلت: على أي شئ تبايعه ؟ قال: " أبايعه على الاسلام والايمان والجهاد ".
فلقيت أبا معبد بعد وكان أكبرهما سنا فسألته فقال: صدق مجاشع.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبى بشر،
عن مجاهد، قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام ؟ فقال: لا هجرة ولكن انطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئا وإلا رجعت.
وقال أبو النضر: أنبأنا شعبة، أنبأنا أبو بشر، سمعت مجاهدا قال: قلت لابن عمر فقال: لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - مثله.
حدثنا إسحاق بن يزيد، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنى أبو عمرو الاوزاعي، عن عبدة بن أبى لبابة، عن مجاهد بن جبير، أن عبد الله بن عمر قال: لا هجرة بعد الفتح.
وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن يزيد، أنبأنا يحيى بن حمزة، أنبأنا الاوزاعي، عن عطاء بن أبى رباح، قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألها عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم.
ولا المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله عزوجل وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الاسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء، ولكن جهاد ونية.
* * * وهذه الاحاديث والآثار دالة على أن الهجرة، إما الكاملة أو مطلقا، قد انقطعت بعد فتح مكة، لان الناس دخولا في دين الله أفواجا وظهر الاسلام وثبتت أركانه ودعائمه، فلم تبق هجرة.
اللهم إلا أن يعرض حال يقتضى الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم، فتجب الهجرة إلى دار الاسلام.
وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء.
ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلا من الجهاد والانفاق في
سبيل الله مشروع ورغب فيه إلى يوم القيامة، وليس كالانفاق ولا الجهاد قبل الفتح فتح مكة.
قال الله تعالى: " لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى (1) " الآية.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبى البخترى الطائى، عن أبى سعيد الخدرى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما نزلت هذه السورة " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله حتى ختمها وقال: " الناس خير وأنا وأصحابي خير " وقال: " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ".
فقال له مروان: كذبت.
وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة ! فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق.
تفرد به أحمد.
* * * وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم
وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم.
فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عزوجل: " إذا جاء نصر الله والفتح " ؟ فقال بعضهم: أمرنا * (هامس) * (1) سورة الحديد.
(*)
أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا.
وسكت بعضهم فلم يقل شيئا.
فقال لى: أكذاك تقول يا بن عباس ؟ فقلت: لا.
فقال: ما تقول ؟ فقلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: " إذا جاء نصر الله والفتح " فذلك علامة أجلك " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " قال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما يقول.
تفرد به البخاري.
وهكذا روى من غير وجه عن ابن عباس، أنه فسر ذلك بنعى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجله، وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد، كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما.
فأما الحديث الذى قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: " إذا جاء نصر الله والفتح " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعيت إلى نفسي " بأنه مقبوض في تلك السنة.
تفرد به الامام أحمد وفى إسناده عطاء بن أبى مسلم الخراساني، وفيه ضعف تكلم فيه غير واحد من الائمة، وفى لفظه نكارة شديدة وهو قوله: بأنه مقبوض في تلك السنة.
وهذا باطل، فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها كما تقدم بيانه، وهذا مالا خلاف فيه.
وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الاول من سنة إحدى عشرة بلا
خلاف أيضا.
وهكذا الحديث الذى رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني رحمه الله، حدثنا إبراهيم ابن أحمد بن عمر الوكيعى، حدثنا أبى، حدثنا جعفر بن عون، عن أبى العميس، عن
أبى بكر بن أبى الجهم، عن عبدالله بن عبيدالله بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: " إذا جاء نصر الله والفتح ".
فيه نكارة أيضا، وفى إسناده نظر أيضا، ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعا كما قال والله أعلم.
وقد تكلمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن أبى قلابة، عن عمرو بن سلمة - قال لى أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله ؟ فلقيته فسألته - قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يغرى (1) في صدري، وكانت العرب تلوم (2) بإسلامهم الفتح فيقولون: أتركوه وقومه، فإن إن ظهر عليهم فهو نبى صادق.
فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبى قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا.
قال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا منى لما كنت أتلقى من الركبان.
فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت على بردة إذا سجدت تقلصت عنى، فقلت امرأة من الحى: ألا تغطون عنا است قارئكم ؟ فاشتروا فقطعوا لى قميصا، فما فرحت بشى فرحى بذلك القميص.
تفرد به البخارث دون مسلم.
__________
(1) يغرى: يلصق.
(2) تلوم: تنتظر.
(39 - السيرة 3) (*)
بسم الله الرحمن الرحيم غزوة هوازن يوم حنين قال الله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين.
ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ".
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه: أن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه إليهم خمس عشرة ليلة.
وهكذا روى عن ابن مسعود.
وبه قال عروة بن الزبير واختاره أحمد وابن جرير في تاريخه.
وقال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن لست خلون من شوال، فانتهى إلى حنين في عاشره.
وقال أبو بكر الصديق: لن نغلب اليوم من قلة ! فانهزموا فكان أول من انهزم بنو سليم، ثم أهل مكة ثم بقية الناس.
قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمعها ملكها مالك بن عوف النصرى، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها واجتمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بنى هلال، وهم قليل، ولم
يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء.
وغاب عنها ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفى بنى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وفى ثقيف سيدان لهم، وفى الاحلاف قارب بن الاسود بن مسعود بن معتب، وفى بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرى.
فلما أجمع المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحضر (1) مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار (2) له يقاد به، فلما نزل قال: بأى واد أنتم ؟ قالوا: بأوطاس.
قال: نعم مجال الخيل لاحزن ضرس ولا سهل دهس (3)، مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم.
قال: أين مالك ؟ قالوا: هذا مالك.
ودعى له.
قال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كأن له ما بعده من الايام، مالى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم وأموالهم.
قال: ولم ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم.
قال: فانقض (4) به، ثم قال: راعى ضأن والله ! هل يرد المنهزم شئ ؟ ! إنها إن كانت لك لم ينفعك (5) إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليا فضحت في أهلك ومالك.
__________
(1) ت: حط مع الناس.
(2) الشجار: مركب شبه الهودج.
(3) الحزن: ما غلظ من الارض، والضرس: الخشن.
والدهس: اللين (4) انقض به: زجره.
(5) ت: لا ينفعك.
(*)
ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب ؟ قال: لم يشهدها منهم أحد.
قال: غاب الحد والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم ؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر.
قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران.
ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا.
ثم قال دريد لمالك بن عوف: ارفعهم إلى متمنع (1) بلادهم وعلياء قومهم ثم الق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك.
قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك ! ثم قال مالك: والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا لسيف حتى يخرج من ظهرى.
وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأى.
فقالوا: أطعناك.
فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى: يا ليتنى فيها جذع * أخب فيها وأضع (2) أقود وطفاء الزمع * كأنها شاة صدع (3) ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد.
* * * قال ابن إسحاق: وحدثني أمية بن عبدالله بن عثمان، أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم فقال: ويلكم ما شأنكم ؟ قالوا:
__________
(1) ا: ممتنع.
(2) الجذع: الشاب.
وأخب: أسرع.
(3) الوطفاء: الطويلة الشعر.
والزمع: جمع زمعة وهى هنة زائدة وراء الظلف.
والشاة: حمار
الوحش.
والصدع: الفتى القوى.
(*)
رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى.
فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم نبى الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبدالله ابن أبى حدرد الاسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم.
فانطلق ابن أبى حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر.
فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان ابن أمية أدراعا له وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: " يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدا ".
فقال صفوان: أغصبا يا محمد ؟ قال: " بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك " قال: ليس بهذا بأس.
فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل.
هكذا أورد هذا ابن إسحاق من غير إسناد.
وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله، عن أبيه، وعن عمرو بن شعيب والزهرى وعبد الله (1) ابن أبى بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم قصة حنين فذكر نحو ما تقدم، وقصة الادراع كما تقدم، وفيه أن ابن أبى حدرد لما رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) ا: عن ابن أبى بكر.
(*)
خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب، فقال له ابن أبى حدرد: لئن (1) كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق.
فقال عمر: ألا تسمع ما يقول يا رسول الله ؟ فقال: " قد كنت ضالا فهداك الله ".
وقد قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من أمية يوم حنين أدراعا فقال: أغصبا يا محمد ؟ فقال: " بل عارية مضمونة " قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الاسلام أرغب.
ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هارون به.
وأخرجه النسائي من رواية إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبى مليكة عن عبدالرحمن بن صفوان بن أمية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان دروعا.
فذكره.
ورواه من حديث هشيم، عن حجاج، عن عطاء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان أدراعا وأفراسا.
وساق الحديث.
وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من آل عبدالله بن صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا صفوان هل عندك من سلاح ؟ " قال: عارية أم غصبا ؟ قال: " بل عارية " فأعاره ما بين الثلاثين إلى الاربعين درعا، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) ت: ولئن.
(*)
لصفوان: " قد فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك ؟ " قال: لا يا رسول الله إن في قلبى ما لم يكن يومئذ.
وهذا مرسل أيضا.
* * * قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثنى عشر ألفا.
قلت: وعلى قول عروة والزهرى وموسى بن عقبة يكون مجموع الجيشين (1) اللذين سار بهم إلى هوازن أربعة عشر ألفا، لانه قدم باثنى عشر ألفا إلى مكة على قولهم، وأضيف إليهم ألفان من الطلقاء.
وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال.
قال: واستخلف على أهل مكة عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس الاموى.
قلت: وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة.
قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد لقاء هوازن.
ثم ذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمى [ في ذلك منها قوله: (2) ] أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها * منى رسالة نصح فيه تبيان إنى أظن رسول الله صابحكم * جيشا له في فضاء الارض أركان فيهم سليم أخوكم غير تارككم * والمسلمون عباد الله غسان وفى عضادته اليمنى بنو أسد * والاجربان بنو عبس وذبيان تكاد ترجف منه الارض رهبته * وفى مقدمه أوس وعثمان
__________
(1) ت: الجيش الذى سار بهم.
(2) سقط من ا.
(*)
قال ابن إسحاق: أوس وعثمان قبيلا مزينة.
* * * قال: وحدثني الزهري، عن سنان بن أبى سنان الديلى، عن أبى واقد الليثى، أن الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية.
قال: فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما.
قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر ! قلتم والذى نفسي (1) بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون.
إنها السنن ! لتركبن سنن من كان قبلكم ".
وقد روى هذا الحديث الترمذي، عن سعيد بن عبدالرحمن المخزومى عن سفيان، والنسائي عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر كلاهما عن الزهري، كما رواه ابن إسحاق عنه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه ابن أبى حاتم في تفسيره، من طريق كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، مرفوعا.
وقال أبو داود: حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام عن السلولى، أنه حدثه سهل بن الحنظلية، أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان العشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله
__________
(1) ا: والذى نفس محمد.
(*)
صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله إنى انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله " ثم قال: " من يحرسنا الليلة ؟ " قال أنس بن أبى مرثد: أنا يا رسول الله.
قال: فاركب.
فركب فرسا له وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة ".
فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: " هل أحسستم فارسكم ؟ " قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه.
فثوب (1) بالصلاة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ويلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال: " أبشروا فقد جاءكم فارسكم " فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى انطلقت حتى إذا كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدا.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل نزلت الليلة ؟ " قال: لا، إلا مصليا أو قاضى حاجة.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد أوجبت، فلا عليك ألا تعمل بعدها ! ".
وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن كثير الحرانى، عن أبى توبة الربيع بن نافع به.
__________
(1) ثوب: دعا إلى الصلاة.
(*)
فصل في كيفية الوقعة، وما كان في أول الامر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين قال يونس بن بكير وغيره عن محمد بن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله عن أبيه قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه.
وأقبل رسول الله وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوهم الخيل فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد.
وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول: " أين أيها الناس ؟ هلموا إلى أنا رسول الله، أنا رسول الله أنا محمد بن عبدالله ".
قال: فلا شئ، وركبت الابل بعضها بعضا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته: على بن أبى طالب، وأبو سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، والفضل بن العباس.
وقيل الفضل بن أبى سفيان، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد، ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس، ورهط من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر، والعباس آخذ بحكمة (1) بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها (2)، قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن (3) برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه.
__________
(1) الحكمة: ما أحاط بحنكى الفرس.
(2) شجر الدابة: ضرب لجامها فيكفها حتى فتحت فاها.
(3) ا: طفر برمحه.
(*)
قال: فبينما هو كذلك إذ هوى له على بن أبى طالب ورجل من الانصار يريدانه، قال: فيأتى على من خلفه فضرب عرقوبى الجمل فوقع على عجزه، ووثب الانصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله.
قال: واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الاسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه الامام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق.
* * * قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب، وكان ممن صبر يومئذ وكان حسن الاسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر (1) بغلة (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من هذا ؟ " قال ابن أمك يا رسول الله.
قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الاعراب بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان صخر بن حرب - يعنى وكان إسلامه بعد مدخولا وكانت الازلام بعد معه يومئذ - قال: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر ! وصرخ (3) كلدة جبلة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعنى لامه - وهو مشرك، في المدة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا بطل السحر اليوم، فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لان يربنى (4) رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا إسحاق بن
__________
(1) الثفر: السير في مؤخر السرج.
(2) ا: بغلته فقال.
(3) ت: وخرج جبلة بن الحنبل كما في ابن هشام
(4) يربنى: يملكني.
(*)
عبدالله بن أبى طلحة، عن أنس بن مالك، أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والابل والغنم، فجعلوها صفوفا، يكثرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عباد الله أنا عبدالله ورسوله " ثم قال: " يا معشر الانصار، أنا عبدالله ورسوله ".
قال: فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: " من قتل كافرا فله سلبه ".
قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم.
وقال أبو قتادة: يا رسول الله إنى ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له فأجهضت عنه فانظر من أخذها.
قال: فقام رجل فقال: أنا أخذتها فأرضه منها وأعطنيها، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا ألا أعطاه أو سكت.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أسد من أسد الله (1) ويعطيكها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر ".
قال ولقى أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا ؟ فقالت: إن دنا منى بعض المشركين أن أبعج في بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أم سليم ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله أقتل من بعدنا (2) من الطلقاء انهزموا بك، فقال: " إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم ".
وقد روى مسلم منه قصة خنجر أم سليم، وأبو داود قوله: " من قتل قتيلا فله سلبه " كلاهما من حديث حماد بن سلمة به.
وقول عمر في هذا مستغرب، والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا أبى حدثنا نافع
__________
(1) ا: أسده.
(2) ت: من بعدها.
(*)
أبو غالب، شهد أنس بن مالك فقال العلاء بن زياد العدوى: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بعث ؟ فقال: ابن أربعين سنة قال: ثم كان ماذا ؟ قال: ثم كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة، ثم قبضه الله إليه.
قال: بسن أي الرجال هو يومئذ ؟ قال: كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه.
قال: يا أبا حمزة وهل غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا وفى المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فهزمهم الله فولوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى الفتح فجعل يجاء بهم أسارى رجلا رجلا فيبايعونه على الاسلام، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن على نذرا لئن جئ بالرجل الذى كان منذ اليوم يحطمنا لاضربن عنقه، قال: فسكت نبى الله صلى الله عليه وسلم وحئ بالرجل، فلما رأى نبى الله صلى الله عليه وسلم قال: يا نبى الله تبت إلى الله.
قال: وأمسك نبى الله صلى الله عليه وسلم أن يبايعه ليوفى الآخر نذره، قال: وجعل ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليأمره بقتله ويهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصنع شيئا بايعه، فقال: يا نبى الله نذري ؟ قال: " لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفى نذرك " فقال: يا رسول الله ألا أومأت إلى ؟ قال: " إنه ليس لنبى أن يومئ ".
تفرد به أحمد.
وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين: اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الارض بعد اليوم ".
إسناده ثلاثى على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق سمع البراء بن عازب - وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ - فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، كانت هوازن رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام.
ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب.
ورواه البخاري عن أبى الوليد عن شعبة به وقال: أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبدالمطلب قال البخاري: وقال إسرائيل وزهير يعنى عن أبى إسحاق، عن البراء، ثم نزل عن بلغته.
ورواه مسلم والنسائي عن بندار.
زاد مسلم: وأبى موسى.
كلاهما عن غندر به.
وروى مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: ثم نزل فاستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبدالمطلب " اللهم نزل نصرك " قال البراء: ولقد كنا إذا حمى البأس نتقى برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشجاع الذى يحاذي به.
وروى البيهقى من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: " أنا ابن العواتك ".
[ وقال الطبراني: حدثنا عباس بن الفضل الاسفاطى، حدثنا عمرو بن عوف الواسطي، حدثنا هشيم، أنبأنا يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، عن شبابة، عن
ابن عاصم السلمى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: " أنا ابن العواتك " ] (1) وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير بن أفلح، عن أبى محمد مولى أبى قتادة، عن أبى قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل على فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر، فقلت: ما بال الناس ؟ فقال: أمر الله.
ورجعوا وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " فقمت فقلت: من يشهد لى ؟ ثم جلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.
فقلت: من يشهد لى ؟ ثم جلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.
فقلت: من يشهد لى ثم جلست: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.
فقمت فقال: " مالك يأبا قتادة ؟ " فأخبرته فقال رجل: صدق، سلبه عندي فأرضه منى.
فقال أبو بكر: لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " صدق فأعطه ".
فأعطانيه فابتعت به مخرفا (2) في بنى سلمة فإنه لاول مال تأثلته في الاسلام.
ورواه بقية الجماعة إلا النسائي، من حديث يحيى بن سعيد به.
قال البخاري: وقال الليث بن سعد: حدثنى يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير ابن أفلح، عن أبى محمد مولى أبى قتادة، أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين نظرت
__________
(1) من ت.
(2) المخرف: السكة بين صفين من النخل.
(*)
إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذى يختله فرفع يده ليضربني فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت، ثم نزل (1) فتحلل فدفعته، ثم قتلته، وانهزم المسلمون فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له: ما شأن الناس ؟ قال: أمر الله ! ثم تراجع الناس إلى رسول الله فقال رسول الله: " من أقام بينة على قتيل فله سلبه " فقمت لالتمس بينة على قتيلى فلم أر أحدا يشهد لى فجلست، ثم بدا لى فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذى يذكر عندي فأرضه منى.
فقال أبو بكر: كلا لا يعطه أضيبع (2) من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله.
قال: فقام رسول الله فأداه إلى فاشتريت به مخرفا، فكان أول مال تأثلته.
وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم، كلاهما عن قتيبة، عن الليث ابن سعد به.
وقد تقدم من رواية نافع أبى غالب، عن أنس، أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله قاله متابعة لابي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراوى.
والله أعلم.
* * * وقال الحافظ البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عاصم بن عمر عن عبدالرحمن بن جابر،
عن أبيه جابر بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين حين رأى
__________
(1) ت: ترك.
(2) الاضيبع: تصغير أضبع، وهو القصير الضبع، ويكنى به عن الضعيف.
وتروى: أصيبغ.
وهو نوع من الطيور.
القسطلانى 6 / 407.
(*)
من الناس ما رأى: " يا عباس ناد: يا معشر الانصار يا أصحاب الشجرة " فأجابوه: لبيك لبيك.
فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه عن عنقه ويأخذ سيفه وترسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت للانصار، ثم جعلت آخر للخزرج، وكانو صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: " الآن حمى الوطيس ".
قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والاسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أموالهم وأبناءهم.
* * * وقال ابن لهيعة، عن أبى الاسود، عن عروة.
وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة، حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
قالوا: وكان (1) معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية، وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما.
قالوا: وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصرى ومعه دريد بن الصمة
يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبى حدرد عينا، فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لاصحابه: إذا
__________
(1) ت: وقالوا: كان.
(40 - السيرة 3) (*)
أصبحتم فاحملو عليهم حملة رجل واحد، واكسروا أغماد سيوفكم، واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا.
فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة، وصف الناس بعضهم لبعض، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة له شهباء، فاستقبل الصفوف فأمرهم وحضهم على القتال وبشرهم بالفتح - إن صبروا - فبينما هم كذلك إذ حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدبر الناس فقلت: مائة رجل.
قالوا: ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجتبرونها أبدا.
فقال له صفوان: تبشرني بظهور الاعراب ؟ فوالله لرب من قريش أحب إلى من رب من الاعراب.
وغضب صفوان لذلك.
قال عروة: وبعث صفوان غلاما له فقال: اسمع لمن الشعار ؟ فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بنى عبدالرحمن يا بنى عبدالله، يا بنى عبيدالله.
فقال: ظهر محمد.
وكان ذلك شعارهم في الحرب.
قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعوه ويقول: " اللهم إنى أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغى
لهم أن يظهروا علينا " ونادى أصحابه وزمرهم (1): " يا أصحاب البيعة يوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم " ويقال حرضهم فقال: " يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بنى الخزرج يا أصحاب سورة البقرة " وأمر من أصحابه من ينادى بذلك.
__________
(1) زمرهم: أغراهم بأعدائهم.
(*)
وقالوا: وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلها وقال: " شاهت الوجوه ".
وأقبل أصحابه إليه سراعا يبتدرون، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الآن حمى الوطيس " فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم منها، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنمهم الله نساءهم وذراريهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف هو وأناس من أشراف قومه.
وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وإعزازه دينه.
رواه البيهقى.
وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن الزهري، أخبرني كثير بن العباس بن عبدالمطلب، قال: قال العباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث لا نفارقه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أي عباس، ناد أصحاب السمرة " قال:
فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ! فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه !.
قال: فاقتتلوا هم والكفار، والدعوة في الانصار يقولون: يا معشر الانصار.
ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بنى الحارث بن الخزرج.
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: " هذا حين حمى الوطيس " ثم أخذ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: " انهزموا ورب محمد " قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلى أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا.
ورواه مسلم عن أبى الطاهر، عن ابن وهب به نحوه.
ورواه أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري نحوه.
وروى مسلم من حديث عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، وتوارى عنى فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرجع منهزما وعلى بردتان متزر بإحداهما مرتد بالاخرى، قال: فاستطلق إزارى فجمعتهما جميعا، ومررت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا منهزم وهو على بغلته الشهباء، فقال: " لقد رأى ابن الاكوع فزعا ".
فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الارض واستقبل به وجوههم وقال: " شاهت الوجوه " فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملا
عينيه ترابا من تلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن أبى عبدالرحمن الفهرى قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في
حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسى، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح يا رسول الله ؟ قال: " أجل " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بلال " فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك ! فقال: " أسرج لى فرسى " فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر.
قال: فركب فرسه فسرنا يومنا فلقينا العدو وتسامت الخيلان فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله " واقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه، وحدثني من كان أقرب إليه منى أنه أخذ حفنة من التراب فحثا بها وجوه العدو وقال: " شاهت الوجوه ".
قال يعلى بن عطاء: فحدثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقى أحد إلا امتلات عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد، فهزمهم الله عزوجل.
ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به نحوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصين، حدثنا القاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه قال: قال عبدالله
ابن مسعود: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والانصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يمضى قدما، فحادت به بغلته فمال عن السرج فقلت له: ارتفع رفعك الله.
فقال: " ناولنى
كفا من تراب " فضرب به وجوههم فامتلات أعينهم ترابا.
قال: " أين المهاجرون والانصار ؟ " قلت: هم أولاء.
قال: " اهتف بهم " فهتفت بهم فجاءوا سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم.
تفرد به أحمد.
وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطرى، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن الطائفي، أخبرني عبدالله بن عياض بن الحارث الانصاري، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى هوازن في اثنى عشر ألفا، فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، قال: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا.
ورواه البخاري في تاريخه ولم ينسب عياضا.
وقال مسدد: حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف بن عبدالرحمن مولى أم برثن، عن من شهد حنينا كافرا قال: لما التقينا نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا غشيناه فإذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه فارجعوا.
فهزمنا من ذلك الكلام.
رواه البيهقى.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو سفيان، حدثنا أبو سعيد عبدالرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنى محمد بن عبدالله الشعبى، عن الحارث بن بدل النصرى، عن رجل من قومه شهد ذلك يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفى قالا: انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عباس وأبو سفيان بن الحارث.
قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم.
قال: فانهزمنا فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، قال الثقفى: فأعجرت (1) على فرسى حتى دخلت الطائف.
وروى يونس بن بكير في مغازيه، عن يوسف بن صهيب بن عبدالله، أنه لم يبق مع رسول الله يوم حنين إلا رجل واحد اسمه زيد.
وروى البيهقى من طريق الكديمى، حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي، عن السائب بن يسار، عن يزيد بن عامر السوائى أنه قال عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين: فتبعهم الكفار وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الارض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها وجوههم وقال: " ارجعوا شاهت الوجوه " فما أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو قذى في عينيه.
ثم روى من طريقين آخرين عن أبى حذيفة، حدثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي، حدثنى أبى السائب بن يسار، سمعت يزيد بن عامر السوائى - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد - قال: فنحن نسأله عن الرعب الذى ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين: كيف كان ؟ قال: فكان يأخذ لنا بحصاة فيرمى بها في الطست فيطن، قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
* * * وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: حدثنا
أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد بن بكير الحضرمي، حدثنا أبو أيوب ابن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه قال: خرجت مع
__________
(1) أعجرت: أسرعت (*)
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والله ما أخرجنى إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش ! فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إنى أرى خيلا بلقا، فقال: " يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر " فضرب يده في صدري ثم قال: " اللهم اهد شيبة " ثم ضربها الثانية فقال: " اللهم اهد شيبة " ثم ضربها الثالثة ثم قال: " اللهم اهد شيبة ".
قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلى منه.
ثم ذكر الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى هزم الله المشركين.
وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبدالله المزني، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنى عبدالله ابن المبارك، عن أبى بكر الهذلى، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عرى، ذكرت أبى وعمى وقتل على وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فذهبت لاجيئه عن يمينه، فإذا بالعباس بن عبدالمطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله.
قال: ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله.
قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بينى وبينه كأنه برق، فخفت أن يمحشنى (1)، فوضعت يدى على بصرى ومشيت القهقرى،
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا شيب ادن منى، اللهم أذهب عنه
__________
(1) يمحشنى: يحرقنى.
(*)
الشيطان " قال: فرفعت إليه بصرى ولهو أحب إلى من سمعي وبصرى.
فقال: " يا شيب قاتل الكفار ".
وقال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار قلت: اليوم أدرك ثأري - وكان أبوه قد قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمد.
قال: فأدرت برسول الله صلى الله عليه وسلم لاقتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادى فلم أطق ذاك وعلمت أنه ممنوع منى.
وقال محمد بن إسحاق: وحدثني والدى إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن جبير ابن مطعم قال: إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والناس يقتتلون إذ نظرت إلى مثل البجاد (1) الاسود يهوى من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملا الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة.
ورواه البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق به.
وزاد فقال: خديج بن العرجاء (2) النصرى - يعنى في ذلك -: ولما دنونا من حنين ومائه * رأينا سوادا منكر اللون أخصفا (3) بملمومة شهباء لو قذفوا بها * شماريخ من عروى إذا عاد صفصفا (4) ولو أن قومي طاوعتني سراتهم * إذا ما لقينا العارض المتكشفا إذا ما لقينا جند آل محمد * ثمانين ألفا واستمدوا بخندفا
__________
(1) البجاد: كساء من صوف.
(2) ت: العوجاء.
(3) الاخصف: الذى فيه بياض (4) الملمومة: الكتيبة.
والبيضاء: الكثيرة السلاح.
والشماريخ: الاعالى.
وفى ابن هشام: شماريخ من عزوى.
(*)
وقد ذكر ابن إسحاق من شعر مالك بن عوف النصرى رئيس هوازن يوم القتال وهو في حومة الوغا يرتجز ويقول: أقدم محاج إنه يوم نكر * مثلى على مثلك يحمى ويكر إذا أضيع الصف يوما والدبر * ثم احزألت زمر بعد زمر (1) كتائب يكل فيهن البصر * قد أطعن الطعنة تقذى بالسبر (2) حين يذم المستكن المنجحر * وأطعن النجلاء تعوى وتهر (3) لها من الجوف رشاش منهمر * تفهق تارات وحينا تنفجر وثعلب العامل فيها منكسر * يا زيد يابن همهم أين تفر (4) قد نفد الضرس وقد طال العمر * قد علم البيض الطويلات الخمر أنى في أمثالها غير غمر * إذ تخرج الحاصن من تحت الستر وذكر البيهقى من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق أنه أنشد من شعر مالك أيضا حين ولى أصحابه منهزمين وذلك قوله بعد ما أسلم وقيل هي لغيره: اذكر مسيرهم والناس كلهم * ومالك فوقه الرايات تختفق ومالك مالك ما فوقه أحد * يوم حنين عليه التاج يأتلق حتى لقوا الناس حين البأس يقدمهم * عليهم البيض والابدان والدرق فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا * حول النبي وحتى جنه الغسق حتى تنزل جبريل بنصرهم * فالقوم منهزم منا ومعتلق
__________
(1) احزألت: ارتفعت.
والزمر: الجماعات.
(2) تقذى: تقذف: والسبر: جمع سبار وم الفتيل يسبر به الجرح.
(3) المنجحر: المستتر.
والنجلاء: الطعنة المتسعة.
تعوى وتهر: ينزف منها الدم بصوت.
(4) الثعلب: ما دخل من عصا الرمح في جبة السنان.
والعامل: أعلى الرمح.
(*)
منا ولو غير جبريل يقاتلنا * لمنعتنا إذا أسيافنا الفلق وقد وفى عمر الفاروق إذ هزموا * بطعنة كان منها سرجه العلق قال ابن إسحاق: ولما هزم المشركون وأمكن الله رسوله منهم قالت امرأة من المسلمين: قد غلبت خيل الله خيل اللات * والله أحق بالثبات قال ابن هشام: وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر: قد غلبت خيل الله خيل اللات * وخيله أحق بالثبات قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بنى مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، وكانت مع ذى الخمار، فلما قتل أخذها عثمان ابن عبدالله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب فقاتل بها حتى قتل، فأخبرني عامر بن وهب بن الاسود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتله قال: " أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا ".
وذكر ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة، أنه قتل مع عثمان هذا غلام له نصراني، فجاء رجل من الانصار ليسلبه فإذا هو أغرل، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب إن ثقيفا غرل ! قال المغيرة بن شعبة الثقفى: فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل كذلك فداك أبى وأمى، إنما هو غلام لنا نصراني.
ثم جعلت أكشف له القتلى فأقول له: ألا تراهم مختتنين كما ترى ؟ قال ابن إسحاق: وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الاسود، فلما انهزم الناس أسند
رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه وقومه، فلم يقتل من الاحلاف غير رجلين: رجل من بنى غيرة يقال له وهب، ورجل من كبة يقال له الجلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين بلغه قتل الجلاح: " قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما كان من ابن هنيدة " يعنى الحارث بن أوبس.
قال ابن إسحاق: فقال العباس بن مرداس يذكر قارب بن الاسود وفراره من بنى أبيه وذا الخمار وحبسه نفسه وقومه للموت: ألا من مبلغ غيلان عنى * وسوف إخال يأتيه الخبير وعروة إنما أهدى جوابا * وقولا غير قولكما يسير بأن محمدا عبد رسول * لرب لا يضل ولا يجور وجدناه نبيا مثل موسى * فكل فتى يخايره مخير (1) وبئس الامر أمر بنى قسى * بوج إذا تقسمت الامور أضاعوا أمرهم ولكل قوم * أمير والدوائر قد تدور فجئنا أسد غابات إليهم * جنود الله ضاحية تسير نؤم الجمع جمع بنى قسى * على حنق نكاد له نطير وأقسم لو هم مكثوا لسرنا * إليهم بالجنود ولم يغوروا فكنا أسد لية ثم حتى * أبحناها وأسلمت النصور (2) ويوم كان قبل لدى حنين * فأقلع والدماء به تمور من الايام لم تسمع كيوم * ولم يسمع به قوم ذكور قتلنا في الغبار بنى حطيط * على راياتها والخيل زور (3) ولم يك ذو الخمار رئيس قوم * لهم عقل يعاقب أو نكير أقام بهم على سنن المنايا * وقد بانت لمبصرها الامور
__________
(1) يخايره: يزعم أنه خير منه.
ومخير: مغلوب في مخايرته.
(2) لية: موضع قريب من الطائف.
والنصور: رهط مالك بن عوف النصرى.
(3) زور: جمع أزور وهو المائل.
(*)
فأفلت من نجا منهم حريضا * وقتل منهم بشر كثير (1) ولا يغنى الامور أخو التوانى * ولا الغلق الصريرة الحصور (2) أحانهم وحان وملكوه * أمورهم وأفلتت الصقور بنو عوف تميح بهم جياد * أهين لها الفصافص والشعير (3) فلولا قارب وبنو أبيه * تقسمت المزارع والقصور ولكن الرياسة عمموها * على يمن أشار به المشير أطاعوا قاربا ولهم جدود * وأحلام إلى عز تصير فإن يهدوا إلى الاسلام يلفوا * أنوف الناس ما سمر السمير فإن لم يسلموا فهم أذان * بحرب الله ليس لهم نصير كما حكت بنى سعد وجرت * برهط بنى غزية عنقفير (4) كأن بنى معاوية بن بكر * إلى الاسلام ضائنة تخور فقلنا أسلموا إنا أخوكم * وقد برئت من الاحن الصدور كأن القوم إذ جاءوا إلينا * من البغضاء بعد السلم عور فصل ولما انهزمت هوازن وقف ملكهم مالك بن عوف النصرى على ثنية مع طائفة من أصحابه فقال: قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أخراكم.
قال ابن إسحاق: فبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على التثنية فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: نرى قوما واضعى رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم (5).
فقال:
__________
(1) الحريض: المشرف على الهلاك.
(2) الغلق: القليل الحيلة.
(3) الفصافص: جمع فصفصة وهى البقلة التى تأكلها الدواب.
(4) العنققير: الداهية.
(5) البواد: جمع باد وهو بطن الفخذ.
(*)
هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم.
فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ قالوا: نرى قوما عارضي رماحهم أغفالا على خيلهم.
فقال: هؤلاء الاوس والخزرج، ولا بأس عليكم منهم.
فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بنى سليم، ثم طلع فارس فقال لاصحابه: ماذا ترون ؟ فقالوا: نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء.
قال: هذا الزبير ابن العوام، وأقسم باللات ليخالطنكم فاثبتوا له.
فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.
فصل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت من الابل والغنم والرقيق، وأمر أن تساق إلى الجعرانة فتحبس هناك.
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري.
فصل قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر يومئذ بامرأة قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون (1) عليها، فقال لبعض أصحابه " أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا ".
هكذا رواه ابن إسحاق منقطعا.
__________
(1) متقصفون: مجتمعون.
(*)
وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر عبدالملك بن عمرو، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبى الزناد، حدثنى المرقع بن صيفي، عن جده رباح بن ربيع أخى بنى حنظلة الكاتب، أنه أخبره أنه رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما كانت هذه لتقاتل ! " فقال لاحدهم: " الحق خالدا فقل له: " لا يقتلن ذرية ولا عسيفا ".
وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المرقع بن صيفي به نحوه.
غزوة أوطاس وكان سببها أن هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم فيهم الرئيس مالك بن عوف النصرى فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من أصحابه عليهم أبو عامر الاشعري فقاتلوهم فغلبوهم، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة فحاصر أهل الطائف.
كما سيأتي.
قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون يوم حنين أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من
سلك الثنايا.
قال: فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهان السلمى ويعرف بابن الدغنة - وهى أمه - دريد ابن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه في شجار لهم، فإذا برجل، فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بى ؟ قال: أقتلك.
قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمى.
ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، قال: بئس ما سلحتك أمك ! خذ سيفى هذا من مؤخر رحلى في الشجار، ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإنى كذلك كنت أضرب الرجال ! ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم منعت فيه نساءك ! فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه (1) وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل إعراء.
__________
(1) العجان: ما بين الخصية والدبر.
(*)
فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا.
ثم ذكر ابن إسحاق ما رثت به عمرة بنت دريد أباها فمن ذلك قولها: قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا * فظل دمعى على السربال ينحدر (1) لولا الذى قهر الاقوام كلهم * رأت سليم وكعب كيف يأتمر إذن لصبحهم غبا وظاهرة * حيث استقرت نواهم جحفل ذفر (2) قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الاشعري، فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال فرمى أبو عامر فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الاشعري وهو ابن عمه فقاتلهم ففتح الله عليه وهزمهم الله عزوجل، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر الاشعري بسهم فأصاب
ركبته فقتله وقال: إن تسألوا عنى فإنى سلمه * ابن سمادير لمن توسمه (3) أضرب بالسيف رءوس المسلمه قال ابن إسحاق: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه أن أبا عامر الاشعري لقى يوم أوطاس عشرة إخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه.
فقتله أبو عامر.
ثم حمل عليه آخر فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد.
عليه.
فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه وهو يقول ذلك حتى قتل تسعة وبقى العاشر،
__________
(1) السربال: القميص.
(2) غبا: يوما بعد يوم.
والظاهرة: أن يصبحهم كل يوم.
والجحفل: الجيش الكثيف.
والذفر: المتغير الرائحة من صدأ الحديد.
(3) السمادير: ضعف البصر أو شئ يتراءى للانسان من ضعف بصره.
(41 - السيرة - 3) (*)
فحمل على أبى عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه.
فقال الرجل: اللهم لا تشهد على.
فكف عنه أبو عامر فأفلت فأسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: " هذا شريد أبى عامر ".
قال: ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث من بنى جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه، وولى الناس أبو موسى فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بنى جشم [ بن معاوية ] (1) يرثيهما: إن الرزية قتل العلا * ء وأوفى جميعا ولم يسندا
هما القاتلان أبا عامر * وقد كان داهية أربدا (2) هما تركاه لدى معرك * كأن على عطفه مجسدا (3) فلم ير في الناس مثليهما * أقل عثارا وأرمى يدا وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، وحدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبى بردة، عن أبى موسى قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقى دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه.
قال أبو موسى: وبعثنى مع أبى عامر، فرمى أبو عامر في ركبته، رماه جشمى بسهم فأثبته في ركبته.
قال: فانتهيت إليه فقلت: يا عم من رماك ؟ فأشار إلى أبى موسى فقال: ذاك قاتلي الذى رماني.
فقصدت له فلحقته، فلما رأني ولى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحى ألا تثبت ؟ فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لابي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانتزع هذا السهم.
فنزعته فنزا منه الماء.
قال: يابن أخى أقرئ
__________
(1) من ابن هشام.
(2) الاربد: الاسد أو الحية الخبيثة.
(3) المجسد: الثوب المصبوغ بالزعفران.
(*)
رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وقل له: استغفر لى.
واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات.
فرجعت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مزمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبى عامر وقوله: قل له: استغفر لى.
قال: فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: " اللهم اغفر لعبيد أبى عامر " ورأيت بياض إبطيه ثم قال: " اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس " فقلت: ولى فاستغفر.
فقال: " اللهم اغفر لعبدالله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما ".
قال أبو بردة: إحداهما لابي عامر والاخرى لابي موسى رضى الله عنهما.
ورواه مسلم عن أبى كريب محمد بن العلاء، وعبد الله بن أبى براد، عن أبى أسامة به نحوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان - هو الثوري - عن عثمان البتى، عن أبى الخليل، عن أبى سعيد الخدرى، قال: أصبنا نساء من سبى أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " قال: فاستحللنا بها فروجهن.
وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عثمان البتى به.
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث شعبة، عن قتادة عن أبى الخليل، عن أبى سعيد الخدرى.
وقد رواه الامام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبى عروبة، زاد مسلم وشعبة والترمذي من حديث همام عن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة، عن أبى الخليل، عن أبى علقمة الهاشمي عن أبى سعيد، أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن
أزواج من أهل الشرك، فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن، فنزلت هذه الآية في ذلك: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ".
وهذا لفظ أحمد بن حنبل.
فزاد في هذا الاسناد أبا علقمة الهاشمي، وهو ثقة وكان هذا هو المحفوظ والله أعلم.
وقد استدل جماعة من السلف بهذه الآية الكريمة على أن بيع الامة طلاقها.
روى ذلك عن ابن مسعود وأبى بن كعب وجابر بن عبدالله وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري.
وخالفهم الجمهور مستدلين بحديث بريرة حيث بيعت ثم خيرت في فسخ نكاحها أو
إبقائه، فلو كان بيعها طلاقا لها لما خيرت.
وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير بما فيه كفاية.
وسنذكره إن شاء الله في الاحكام الكبير.
وقد استدل جماعة من السلف على إباحة الامة المشركة بهذا الحديث في سبايا أوطاس.
وخالفهم الجمهور وقالوا: هذه قضية عين، فلعلهن أسلمن أو كن كتابيات.
وموضع تقرير ذلك في الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
فصل فيمن استشهد يوم حنين وبسرية أوطاس أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أيمن بن عبيد، وزيد بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد، جمح به فرسه الذى يقال له الجناح فمات، وسراقة ابن مالك بن الحارث بن عدى الانصاري من بنى العجلان، وأبو عامر الاشعري أمير سرية أوطاس، فهؤلاء أربعة رضى الله عنهم.
فصل فيما قيل من الاشعار في غزوة هوازن فمن ذلك قول بجير بن زهير بن أبى سلمى: لولا الاله وعبده وليتم * حين استخف الرعب كل جبان بالجزع يوم حيالنا أقراننا * وسوابح يكبون للاذقان من بين ساع ثوبه في كفه * ومقطر بسنابك ولبان (1) والله أكرمنا وأظهر ديننا * وأعزنا بعبادة الرحمن والله أهلكهم وفرق جمعهم * وأذلهم بعبادة الشيطان قال ابن هشام: ويروى فيها بعض الرواة: إذ قام عم نبيكم ووليه * يدعون يالكتيبة الايمان أين الذين هم أجابوا ربهم * يوم العريض وبيعة الرضوان
وقال عباس بن مرداس السلمى: فإنى والسوابح يوم جمع * وما يتلو الرسول من الكتاب لقد أحببت ما لقيت ثقيف * بجنب الشعب أمس من العذاب هم رأس العدو من أهل نجد * فقتلهم ألذ من الشراب هزمنا الجمع جمع بنى قسى * وحكت بركها ببنى ئاب (2) وصرما من هلال غادرتهم * بأوطاس تعفر بالتراب ولو لاقين جمع بنى كلاب * لقام نساؤهم والنقع كابى (3) ركضنا الخيل فيهم بين بس * إلى الاورال تنحط بالنهاب (4)
__________
(1) المقطر: الملقى على أحد قطريه، أي أحد جانبيه.
والسنابك: أطراف الحوافر.
واللبان: الصدر.
(2) البرك: الصدر.
وحكت بركها: كناية عن شدة الحرب.
(3) النقع: الغبار.
والكابى: المرتفع.
(4) بس: جبل قرب ذات عرق.
والاورال: أجبل ثلاثة سود في جوف الرمل وتنحط: تخرج صوتا من الثقل والاعياء والنهاب: الغنائم.
(*)
بذى لجب رسول الله فيهم * كتيبته تعرض للضراب وقال عباس بن مرداس أيضا: يا خاتم النباء إنك مرسل * بالحق كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى عليك محبة * في خلقه ومحمدا سماكا ثم الذين وفوا بما عاهدتهم * جند بعثت عليهم الضحاكا رجلا به ذرب السلاح كأنه * لما تكنفه العدو يراكا (1) يغشى ذوى النسب القريب وإنما * يبغى رضا الرحمن ثم رضاكا أنبئك أنى قد رأيت مكره * تحت العجاجة يدمغ الاشراكا
طورا يعانق باليدين وتارة * يفرى الجماجم صارما فتاكا [ يغشى به هام الكماة ولو ترى * منه الذى عاينت كان شفاكا ] (2) وبنو سليم معنقون أمامه * ضربا وطعنا في العدو دراكا (3) يمشون تحت لوائه وكأنهم * أسد العرين أردن ثم عراكا ما يرتجون من القريب قرابة * إلا لطاعة ربهم وهواكا هذى مشاهدنا التى كانت لنا * معروفة وولينا مولاكا وقال عباس بن مرداس أيضا (4): عفا مجدل من أهله فمتالع * فمطلى أريك قد خلا فالمصانع (5) ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا * رخى وصرف الدهر للحى جامع حبيبة ألوت بها غربة النوى * لبين فهل ماض من العيش راجع
__________
(1) الذرب: الحدة والمضاء.
وتكنفه: أحاط به.
(2) من ابن هشام.
(3) معنقون: مسرعون.
والدراك: الطعن المتتابع.
(4) من هنا إلى آخر هذا الفصل سقط من ت.
(5) مجدل ومتالع: موضعان.
والمطلى، يقصر ويمد: مسيل ضيق من الارض.
أو الارض السهلة وأريك: واد.
(*)
فإن تبتغى الكفار غير ملومة * فإنى وزير للنبى وتابع دعانا إليه خير وفد علمتهم * خزيمة والمرار منهم وواسع فجئنا بألف من سليم عليهم * لبوس لهم من نسج داود رائع نبايعه بالاخشبين وإنما * يد الله بين الاخشبين نبايع فجسنا مع المهدى مكة عنوة * بأسيافنا والنقع كاب وساطع علانية والخيل يغشى متونها * حميم وآن من دم الجوف ناقع
ويوم حنين حين سارت هوازن * إلينا وضاقت بالنفوس الاضالع صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا * قراع الاعادي منهم والوقائع أمام رسول الله يخفق فوقنا * لواء كخذروف السحابة لامع (1) عشية ضحاك بن سفيان معتص * بسيف رسول الله والموت كانع (2) نذود أخانا عن أخينا ولو نرى * مصالا لكنا الاقربين نتابع (3) ولكن دين الله دين محمد * رضينا به فيه الهدى والشرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا * وليس لامر حمه الله دافع وقال عباس أيضا: تقطع باقى وصل أم مؤمل * بعاقبة واستبدلت نية خلفا (4) وقد حلفت بالله لا تقطع القوى * فما صدقت فيه ولا برت الحلفا خفافية بطن العقيق مصيفها * وتحتل في البادين وجرة فالعرفا (5) فإن تتبع الكفار أم مؤمل * فقد زودت قلبى على نأيها شغفا
__________
(1) الخذروف: برق لامع في السحاب.
(2) معتص: ضارب.
والكانع: القريب.
(3) يريد أنه من بنى سليم، وسليم من قيس كما أن هوازن من قيس.
والمصال: مفعل من الصولة.
(4) نية: من النوى وهو البعد.
(5) الخفافية: نسبة إلى خفاف: حى من سليم والبادون: المقيمون في البادية.
(*)
وسف ينبئها الخبير بأننا * أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا وأنا مع الهادى النبي محمد * وفينا ولم يستوفها معشر ألفا بفتيان صدق من سليم أعزة * أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا خفاف وذكوان وعوف تخالهم * مصاعب زافت في طروقتها كلفا
كأن نسيج الشهب والبيض ملبس * أسودا تلاقت في مراصدها غضفا (1) بنا عز دين الله غير تنحل * وزدنا على الحى الذى معه ضعفا بمكة إذ جئنا كأن لواءنا * عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا على شخص الابصار تحسب بينها * إذا هي جالت في مراودها عزفا غداة وطئنا المشركين ولم نجد * لامر رسول الله عدلا ولا صرفا بمعترك لا يسمع القوم وسطه * لنا زجمة إلا التذامر والنقفا (2) ببيض نطير الهام عن مستقرها * وتقطف أعناق الكماة بها قطفا فكائن تركنا من قتيل ملحب * وأرملة تدعو على بعلها لهفا (3) رضا الله ننوى لا رضا الناس نبتغى * ولله ما يبدو جميعا وما يخفى وقال عباس أيضا رضى الله عنه: ما بال عينك فيها عائر سهر * مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر (4) عين تأوبها من شجوها أرق * فالماء يغمرها طورا وينحدر كأنه نظم در عند ناظمه * تقطع السلك منه فهو منتثر يا بعد منزل من ترجو مودته * ومن أتى دونه الصمان فالحفر (5)
__________
(1) الغصف: المسترخية أجفانها على أعينها غضبا وكبرا.
(2) الزجمة: النبسة بكلمة.
والنقف: كسر الهامة عن الدماغ أو ضربها أشد الضرب.
(3) الملحب: المقطع (4) العائر: كل ما أعل العين: والحماطة: عشب خشن المس أو تبن الذرة.
والشفر: أصل منبت الشعر في الجفن (5) الصمان والحفر موضعان.
(*)
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد * ولى الشباب وزار الشيب والزعر (1) واذ كربلاء سليم في مواطنها * وفى سليم لاهل الفخر مفتخر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم * ولا تخاور في مشتاهم البقر (2) إلا سوابح كالعقبان مقربة * في دارة حولها الاخطار والعكر (3) تدعى خفاف عوف في جوانبها * وحى ذكوان لا ميل ولا ضجر الضاربون جنود الشرك ضاحية * ببطن مكة والارواح تبتدر حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم * نخل بظاهرة البطحاء منقعر ونحن يوم حنين كان مشهدنا * للدين عزا وعند الله مدخر إذ نركب الموت مخضرا بطائنه * والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا * كما مشى الليث في غاباته الخدر في مأزق من مجر الحرب كلكلها * تكاد تأفل منه الشمس والقمر وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا * لله ننصر من شئنا وننتصر حتى تأوب أقوام منازلهم * لولا المليك ولولا نحن ما صدروا فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا * إلا قد اصبح منا فيهم أثر وقال عباس أيضا رضى الله عنه: يا أيها الرجل الذى تهوى به * وجناء مجمرة المناسم عرمس (4)
__________
(1) الزعر: قلة الشعر.
(2) الفسيل: صغار النخل: والتحاور: ارتفاع أصوات البقر من الخوار.
(3) المقربة: التى تدنى وتقرب وتكرم ولا تترك.
والدارة: العرصة، وكل أرض واسعة بين جبال والعكر والاخطار: الابل الكثيرة.
(4) الوجناء: البارزة الوجنات، والمناسم: أطراف خف البعير والمجمرة: المستوية.
والعرمس: الناقة الشابة.
(*)
إما أتيت على النبي فقل له * حقا عليك إذا اطمأن المجلس يا خير من ركب المطى ومن مشى * فوق التراب إذا تعد الانفس إنا وفينا بالذى عاهدتنا * والخيل تقدع بالكماة وتضرس (1) إذ سال من أفناء بهثة كلها * جمع تظل به المخارم ترجس (2) حتى صبحنا أهل مكة فيلقا * شهباء يقدمها الهمام الاشوس (3) من كل أغلب من سليم فوقه * بيضاء محكمة الدخال وقونس (4) يروى القناة إذا تجاسر في الوغى * وتخاله أسدا إذا ما يعبس يغشى الكتيبة معلما وبكفه * عضب يقد به ولدن مدعس (5) وعلى حنين قد وفى من جمعنا * ألف أمد به الرسول عرندس كانوا أمام المؤمنين دريئة * والشمس يومئذ عليهم أشمس (6) نمضى ويحرسنا الاله بحفظه * والله ليس بضائع من يحرس ولقد حبسنا بالمناقب محبسا * رضى الاله به فنعم المحبس وغداة أوطاس شددنا شدة * كفت العدو وقيل منها يا احبسوا تدعو هوازن بالاخوة بيننا * ثدى تمد به هوازن أيبس حتى تركنا جمعهم وكأنه * عير تعاقبه السباع مفرس وقال أيضا رضى الله عنه: من مبلغ الاقوام أن محمدا * رسول الاله راشد حيث يمما
__________
(1) تقدع: تكبح.
وتضرس: تجرح.
(2) بهثة: حى من سليم.
والمخارم: الطرق في الجبال.
وترجس: تهتز.
(3) الاشوس: المتكبر.
(4) الدخال: نسج الدرع.
(5) المدعس: السريع الطعن.
(6) الدريئة: الكتيبة المدافعة.
(*)
دعا ربه واستنصر الله وحده * فأصبح قد وفى إليه وأنعما سرينا وواعدنا قديدا محمدا * يؤم بنا أمرا من الله محكما تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا * مع الفجر فتيانا وغابا مقوما على الخيل مشدودا علينا دروعنا * ورجلا كدفاع الاتى عرمرما (1) فإن سراة الحى إن كنت سائلا * سليم وفيهم منهم من تسلما وجند من الانصار لا يخذلونه * أطاعوا فما يعصونه ما تكلما فإن تك قد أمرت في القوم خالدا * وقدمته فإنه قد تقدما بجند هداه الله أنت أميره * تصيب به في الحق من كان أظلما حلفت يمينا برة لمحمد * فأكملتها ألفا من الخيل ملجما وقال نبى المؤمنين تقدموا * وحب إلينا أن نكون المقدما وبتنا بنهي المستدير ولم يكن * بنا الخوف إلا رغبة وتحزما (2) أطعناك حتى أسلم الناس كلهم * وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما يضل الحصان الابلق الورد وسطه * ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما سمونا لهم ورد القطا زفه ضحى * وكل تراه عن أخيه قد احجما لدن غدوة حتى تركنا عشية * حنينا وقد سالت دوامعه دما إذا شئت من كل رأيت طمرة * وفارسها يهوى ورمحا محطما (3) وقد أحرزت منا هوازن سربها * وحب إليها أن نخيب ونحرما هكذا أورد الامام محمد بن إسحاق هذه القصائد من شعر عباس بن مرداس السلمى رضى الله عنه، وقد تركنا بعض ما أورده من القصائد خشية الاطالة وخوف الملالة، ثم أورد من شعر غيره أيضا، وقد حصل ما فيه كفاية من ذلك.
والله أعلم.
__________
(1) الرجل: المشاة.
والاتي: السيل الغريب والدفاع: ما يدفعه السيل.
(2) النهى: الغدير.
(3) الطمرة: الفرس السريعة الجرى.
(*)
بسم الله الرحمن الرحيم غزوة الطائف قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وحاصر الطائف في شوال سنة ثمان.
وقال محمد بن إسحاق: ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال.
ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور (1).
قال: ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين، فقال كعب بن مالك في ذلك: قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجممنا السيوفا نخيرها ولو نطقت لقالت * قواطعهن: دوسا أو ثقيفا فلست لحاضن إن لم تروها * بساحة داركم منا ألوفا وننتزع العروش ببطن وج * وتصبح دوركم منكم خلوفا ويأتيكم لنا سرعان خيل * يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم * لها مما أناخ بها رجيفا بأيديهم قواضب مرهفات * يزرن المصطلين بها الحتوفا
__________
(1) الضبور: الدبابات التى تقرب للحصون لتنقب من تحتها (*)
كأمثال العقائق أخلصتها * قيون الهند لم تضرب كتيفا (1) تخال جدية الابطال فيها * غداة الزحف جاديا مدوفا (2) أجدهم أليس لهم نصيح * من الاقوام كان بنا عريفا يخبرهم بأنا قد جمعنا * عتاق الخيل والنجب الطروفا (3) وأنا قد أتيناهم بزحف * يحيط بسور حصنهم صفوفا رئيسهم النبي وكان صلبا * نقى القلب مصطبرا عزوفا رشيد الامر ذا حكم وعلم * وحلم لم يكن نزقا خفيفا نطيع نبينا ونطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤوفا فإن تلقوا إلينا السلم نقبل * ونجعلكم لنا عضدا وريفا وإن تابوا نجاهدكم ونصبر * ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا نجالد ما بقينا أو تنيبوا * إلى الاسلام إذعانا مضيفا نجاهد لا نبالي ما لقينا * أأهلكنا التلاد أم الطريفا (4) وكم من معشر ألبوا علينا * صميم الجذم منهم والحليفا (5) أتونا لا يرون لهم كفاء * فجدعنا المسامع والانوفا بكل مهند لين صقيل * نسوقهم بها سوقا عنيفا لامر الله والاسلام حتى * يقوم الدين معتدلا حنيفا وتنسى اللات والعزى وود * ونسلبها القلائد والشنوفا فأمسوا قد أقروا واطمأنوا * ومن لا يمتنع يقبل خسوفا
__________
(1) الكتيف: الضبة.
قال السهيلي: وهى صفيحة صغيرة.
(2) الجدية: الدم السائل.
والجادى: الزعفران.
والمدوف: المبلول.
(3) الطروف: الكرام من الخيل.
(4) التلاد: القديم.
والطريف: الجديد.
(5) الجذم: الاصل.
(*)
وقال ابن إسحاق: فأجابه كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفى: قلت: قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في وفد ثقيف فأسلم معهم.
قاله موسى بن عقبة وأبو إسحاق وأبو عمر بن عبد البر وابن الاثير وغير واحد، وزعم المدائني أنه لم يسلم بل صار إلى بلاد الروم فتنصر ومات بها: من كان يبغينا يريد قتالنا * فإنا بدار معلم لا نريمها (1) وجدنا بها الآباء من قبل ما ترى * وكانت لنا أطواؤها وكرومها (2) وقد جربتنا قبل عمرو بن عامر * فأخبرها ذو رأيها وحليمها وقد علمت - إن قالت الحق - أننا * إذا ما أتت صعر الخدود نقيمها نقومها حتى يلين شريسها * ويعرف للحق المبين ظلومها علينا دلاص من تراث محرق * كلون السماء زينتها نجومها (3) نرفعها عنا ببيض صوارم * إذا جردت في غمرة لا نشيمها (4) قال ابن إسحاق: وقال شداد بن عارض الجشمى في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف: لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصر من هو ليس ينتصر إن التى حرقت بالسد فاشتعلت * ولم تقاتل لدى أحجارها هدر إن الرسول متى ينزل بلادكم * يظعن وليس بها من أهلها بشر قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى من حنين إلى الطائف - على نخلة اليمانية، ثم على قرن ثم على المليح ثم على بحرة الرغاء من لية، فابتنى بها مسجدا فصلى فيه.
__________
(1) المعلم: المشهورة.
(2) أطواؤها: آبارها، جمع طوى.
(3) الدلاص: الدروع الملساء اللينة.
ومحرق: يريد عمرو بن عامر وهو أول من حرق العرب بالنار.
(4) لا نشيمها: لا نغمدها.
(*)
قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب، أنه عليه السلام أقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، وهو أول دم أقيد به في الاسلام، رجل من بنى ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم.
قال ابن إسحاق: ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة، فلما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن اسمها فقال: ما اسم هذه الطريق ؟ فقيل: الضيقة.
فقال: بل هي اليسرى.
ثم خرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن تخرج إلينا وإما أن نخرب عليك حائطك.
فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخرابه.
وقال ابن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبى بجير، سمعت عبدالله بن عمرو، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا قبر أبى رغال وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه ".
قال: فابتدره الناس فاستخرجوا معه الغصن.
ورواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب ابن جرير بن حازم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق به.
ورواه البيهقى من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن إسماعيل بن أمية به.
* * *
قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قريبا من الطائف فضرب به عسكره، فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فتأخروا إلى موضع مسجده عليه السلام اليوم بالطائف الذى بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه عمرو بن أمية بن وهب، وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم إلا سمع لها نقيض فيما يذكرون.
قال: فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة.
قال ابن هشام: ويقال سبع عشرة ليلة.
وقال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وترك السبى بالجعرانة وملئت عرش (1) مكة منهم، فنزل رسول الله صلى عليه وسلم بالاكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم ويقاتلونه من وراء حصنهم، ولم يخرج إليه أحد منهم غير أبى بكرة بن مسروح أخى زياد لامه، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثرت الجراح وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت لهم ثقيف: لا تفسدوا الاموال فإنها لنا أو لكم.
وقال عروة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات وخمس حبلات (2)، وبعث مناديا ينادى: من خرج إلينا فهو حر.
فاقتحم إليه نفر منهم فيهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد بن أبى سفيان لامه، فأعتقهم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يعوله ويحمله.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين.
وقال أحمد: حدثنا عبد القدوس بن بكر بن خنيس، حدثنا الحجاج، عن الحكم،
__________
(1) العرش: الخيام والبيوت التى يستظل بها.
(2) الحبلة: الكرمة.
(*)
عن مقسم عن ابن عباس، قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، فخرج إليه عبدان فأعتقهما، أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق العبيد إذا خرجوا إليه.
وقال أحمد أيضا: حدثنا نصر بن رئاب، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف: " من خرج إلينا من العبيد فهو حر ".
فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا الحديث تفرد به أحمد، ومداره على الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.
لكن ذهب الامام أحمد إلى هذا، فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب إلى دار الاسلام عتق حكما شرعيا مطلقا عاما.
وقال آخرون: إنما كان هذا شرطا لا حكما عاما.
ولو صح الحديث لكان التشريع العام أظهر، كما في قوله عليه السلام: " من قتل قتيلا فله سلبه ".
وقد قال يونس [ بن بكير ] (1)، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عبدالله بن المكرم الثقفى، قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم، أبو بكرة عبد للحارث بن كلدة، والمنبعث، وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبعث، ويحنس، ووردان، في رهط من رقيقهم فأسلموا، فلما قدم وفد أهل الطائف فأسلموا قالوا: يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك.
قال: " لا، أولئك عتقاء الله " ورد على ذلك الرجل ولاء عبده فجعله إليه.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عاصم، سمعت
أبا عثمان قال: سمعت سعدا - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة، وكان
__________
(1) سقطت من ا.
(42 - السيرة 3) (*)
تسور حصن الطائف في أناس فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام ".
ورواه مسلم من حديث عاصم به.
قال البخاري: وقال هشام: أنبأنا معمر، عن عاصم، عن أبى العالية، أو أبى عثمان النهدي، قال: سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عاصم: قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما.
قال: أجل: أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف.
* * * قال محمد بن إسحاق: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة فضرب لهما قبتين، فكان يصلى بينهما، فحاصرهم وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل.
قال ابن هشام: ورماهم بالمنجنيق.
فحدثني من أثق به أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من رمى في الاسلام بالمنجنيق، رمى به أهل الطائف.
وذكر ابن إسحاق أن نفرا من الصحابة دخلوا تحت دبابة ثم زحفوا ليحرقوا جدار أهل الطائف، فأرسلت عليهم سكك الحديد محماة، فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا، فحينئذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف
فوقع الناس فيها يقطعون.
قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فناديا ثقيفا بالامان حتى يكلموهم فأمنوهم فدعوا نساء من قريش وبنى كنانة ليخرجن إليهم، وهما يخافان عليهن السباء إذا
فتح الحصن، فأبين، فقال لهما أبو الأسود بن مسعود: ألا أدلكما على خير مما جئتما له ؟ إن مال أبى الاسود حيث قد علمتما.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بواد يقال له العقيق، وهو بين مال بنى الاسود وبين الطائف، وليس بالطائف مال أبعد رشاء (1) ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة منه، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم.
فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لهم.
وقد روى الواقدي عن شيوخه نحو هذا وعنده أن سلمان الفارسى هو الذى أشار بالمنجنيق وعمله بيده.
وقيل قدم به وبدبابتين فالله أعلم.
وقد أورد البيهقى من طريق ابن لهيعة عن أبى الاسود، عن عروة، أن عيينة بن حصن استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يأتي أهل الطائف فيدعوهم إلى الاسلام فأذن له، فجاءهم فأمرهم بالثبات في حصنهم وقال: لا يهولنكم قطع ما قطع من الاشجار في كلام طويل.
فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما قلت لهم " ؟ قال: دعوتهم إلى الاسلام وأنذرتهم النار وذكرتهم بالجنة.
فقال: " كذبت بل قلت لهم كذا وكذا " فقال: صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك من ذلك.
وقد روى البيهقى، عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس ابن بكير، عن هشام الدستوائى، عن قتادة، عن سالم بن أبى الجعد، عن معدان ابن أبى طلحة، عن ابن أبى نجيح السلمى، وهو عمرو بن عبسة رضى الله عنه قال: حاصرنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطائف فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من بلغ بسهم فله درجة في الجنة " فبلغت يومئذ ستة عشر سهما.
__________
(1) الرشاء: الحبل (*)
وسمعته يقول: " من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة، وأيما رجل أعتق رجلا مسلما فإن الله جاعل كل عظم من عظامه وقاء كل عظم بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها من النار ".
ورواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث قتادة به.
* * * وقال البخاري: حدثنا الحميدى، سمع سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث فسمعه يقول لعبدالله بن أبى أمية: أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يدخلن هؤلاء عليكن ".
قال ابن عيينة: وقال ابن جريج: المخنث هيت.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه به.
وفى لفظ: " وكانوا يرونه من غير أولى الاربة من الرجال " وفى لفظ: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا ؟ لا يدخلن عليكن هؤلاء ".
يعنى إذا كان ممن يفهم ذلك، فهو داخل في قوله تعالى: " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء (1) ".
والمراد بالمخنث في عرف السلف الذى لا همة له إلى النساء، وليس المراد به الذى
يؤتى، إذ لو كان كذلك لوجب قتله حتما، كما دل عليه الحديث، وكما قتله أبو بكر الصديق رضى الله عنه.
__________
(1) سورة النور 31 (*)
ومعنى قوله: " تقبل بأربع وتدبر بثمان " يعنى بذلك عكن بطنها، فإنها تكون أربعا إذا أقبلت ثم تصير كل واحدة ثنتين إذا أدبرت، وهذه المرأة هي بادية بنت غيلان ابن سلمة من سادات ثقيف.
وهذا المخنث قد ذكر البخاري عن ابن جريج أن اسمه هيت، وهذا هو المشهور لكن قال يونس عن ابن إسحاق قال: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته بنت عمرو بن عايد مخنث يقال له ماتع، يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ولا يرى أنه يفطن لشئ من أمور النساء مما يفطن إليه الرجال، ولا يرى أن له في ذلك أربا، فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد، يا خالد إن افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلا تنفلتن منكم بادية بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع هذا منه: " ألا أرى هذا يفطن لهذا " الحديث.
ثم قال لنسائه: " لا يدخلن عليكن " فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * * وقال البخاري: حدثنا على بن عبدالله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبى العباس الشاعر الاعمى، عن عبدالله بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلم ينل منهم شيئا قال: " إنا قافلون غدا إن شاء الله " فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتح ؟ فقال: " اغدوا على القتال " فغدوا فأصابهم جراح فقال: " إنا قافلون غدا إن شاء الله " فأعجبهم فضحك النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال سفيان مرة: فتبسم.
ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به وعنده عن عبدالله بن عمر بن الخطاب
واختلف في نسخ البخاري، ففى نسخة كذلك وفى نسخة عن عبدالله بن عمرو بن العاص فالله أعلم.
وقال الواقدي: حدثنى كثير بن زيد بن الوليد بن رباح، عن أبى هريرة قال:
لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلى فقال: " يا نوفل ما ترى في المقام عليهم ؟ " قال: يا رسول ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر وهو محاصر ثقيفا: " يا أبا بكر، إنى رأيت أنى أهديت لى قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها " فقال أبو بكر رضى الله عنه: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنا لا أرى ذلك ".
قال: ثم إن خولة بنت حكيم السلمية، وهى امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك حلى بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلى الفارعة بنت عقيل - وكانت من أحلى نساء ثقيف - فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: " وإن كان لم يؤذن في ثقيف يا خويلة ؟ ".
فخرجت خولة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة، زعمت أنك قلته ؟ قال: " قد قلته " قال: أو ما أذن فيهم ؟ قال: لا.
قال: أفلا أؤذن بالرحيل ؟ قال: بلى.
فأذن عمر بالرحيل، فلما استقبل الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبى عمرو ابن علاج: ألا إن الحى مقيم.
قال: يقول عيينة بن حصن: أجل، والله مجدة كراما.
فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة ! أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصره ؟ فقال: إنى والله ما جئت لاقاتل ثقيفا معكم،
ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أطؤها لعلها تلد لى رجلا، فإن ثقيفا مناكير (1).
* * *
__________
(1) المناكير: ذوو الدهاء.
(*)
وقد روى ابن لهيعة عن أبى الاسود، عن عروة قصة خولة بنت حكيم، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال: وتأذين عمر بالرحيل.
قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ألا يسرحوا ظهرهم، فلما أصبحوا ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودعا حين ركب قافلا فقال: " اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم ".
وروى الترمذي من حديث عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن أبى الزبير، عن جابر قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم.
فقال: " اللهم اهد ثقيفا ".
ثم قال: هذا حديث حسن غريب.
وروى يونس عن ابن إسحاق، حدثنى عبدالله بن أبى بكر وعبد الله بن المكرم، عمن أدركوا من أهل العلم: قالوا: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرفوا عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم المدينة فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا.
وسيأتى ذلك مفصلا في رمضان من سنة تسع إن شاء الله.
* * * وهذه تسمية من استشهد من المسلمين بالطائف فيما قاله ابن إسحاق: فمن قريش، سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية، وعرفطة بن جناب حليف لبنى أمية بن الاسد بن الغوث، وعبد الله بن أبى بكر الصديق رمى بسهم فتوفى منه بالمدينة بعد وفاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى من رمية رميها يومئذ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة حليف لبنى عدى، والسائب بن الحارث بن قيس ابن عدى السهمى، وأخوه عبدالله، وجليحة بن عبدالله من بنى سعد بن ليث.
ومن الانصار ثم من الخزرج ثابت بن الجذع الاسلمي، والحارث بن سهل بن أبى صعصعة المازنى،
والمنذر بن عبدالله من بنى ساعدة.
ومن الاوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية فقط.
فجميع من استشهد يومئذ اثنا عشر رجلا، سبعة من قريش وأربعة من الانصار، ورجل من بنى ليث رضى الله عنهم أجمعين.
* * * قال ابن إسحاق: ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا عن الطائف قال بجير بن زهير بن أبى سلمى يذكر حنينا والطائف: كانت علالة يوم بطن حنين * وغداة أوطاس ويوم الابرق جمعت بإغواء هوازن جمعها * فتبددوا كالطائر المتمزق لم يمنعوا منا مقاما واحدا * إلا جدارهم وبطن الخندق ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا * فاستحصنوا منا بباب مغلق ترتد حسرانا إلى رجراجة * شهباء تلمع بالمنايا فيلق (1) ملمومة خضراء لو قذفوا بها * حصنا لظل كأنه لم يخلق مشى الضراء على الهراس كأننا * قدر تفرق في القياد ويلتقى (2) في كل سابغة إذا ما استحصنت * كالنهي هبت ريحه المترقرق جدل تمس فضولهن نعالنا * من نسج داود وآل محرق وقال أبو داود: حدثنا عمر بن الخطاب أبو حفص، حدثنا الفريابى، حدثنا أبان،
حدثنا عمرو - هو ابن عبد الله بن أبى حازم - حدثنا عثمان بن أبى حازم، عن أبيه، عن جده صخر - هو أبو العيلة الاحمسي - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثقيفا،
__________
(1) الرجراجة: الكثيرة.
(2) الضراء: الكلاب.
والهراس: شجر شائك كالنيق.
(*)
فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمد النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر حينئذ عهدا وذمة لا أفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب إليه صخر: أما بعد فإن ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله وأنا مقبل بهم وهم في خيلى.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة جامعة فدعا لاحمس عشر دعوات: " اللهم بارك لاحمس في خيلها ورجالها ".
وأتى القوم فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا رسول الله إن صخرا أخذ عمتى ودخلت فيما دخل فيه المسلمون فدعاه فقال: " يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته " فدفعها إليه.
وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء لبنى سليم قد هربوا عن الاسلام وتركوا ذلك الماء، فقال: يا رسول الله أنزلنيه أنا وقومي.
قال: " نعم " فأنزله وأسلم - يعنى الاسلميين، فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع إليهم الماء فأبى، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا.
فقال: " يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إليهم ماءهم " قال: نعم يا نبى الله.
فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير عند ذلك حمرة، حياء من أخذه
الجارية وأخذه الماء ! تفرد به أبو داود وفى إسناده اختلاف.
قلت: وكانت الحكمة الالهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلا، لانه قد تقدم أنه عليه السلام لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى
يبلغ رسالة ربه عزوجل، وذلك بعد موت عمه أبى طالب فردوا عليه قوله وكذبوه فرجع مهموما فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل، فناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام، وقد سمع قول قومك لك وماردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا ".
فناسب قوله: " بل أستأني بهم " ألا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل.
كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فصل في مرجعه عليه السلام من الطائف، وقسمة غنائم هوازن التى أصابها يوم حنين قبل دخوله مكة معتمرا من الجعرانة قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف على دحنا حتى نزل الجعرانة فيمن معه من المسلمين ومعه من هوازن سبى كثير، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله ادع عليهم.
فقال: " اللهم اهد ثقيفا وائت بهم ".
قال: ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من
سبى هوازن ستة آلاف من الذرارى والنساء ومن الابل والشاء مالا يدرى عدته.
قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب، وفى رواية يونس بن بكير عنه قال عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك.
وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا لابن أبى شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذى أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت رسول الله خير المكفولين.
ثم أنشأ يقول: امنن علينا رسول الله في كرم * فإنك المرء نرجوه وننتظر
__________
(1) ملحنا: أرضعنا.
(*)
امنن على بيضة قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير أبقت لنا الدهر هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركها نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك تملؤه من محضها الدرر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتى وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر آلاء وإن كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم ؟ " فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا ؟ بل أبناؤنا ونساؤنا
أحب إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ما كان لى ولبنى عبدالمطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا.
فإنى سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم ".
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أما ما كان لى ولبنى عبدالمطلب فهو لكم " فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقالت الانصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الاقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا.
وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا.
وقال العباس بن مرداس السلمى: أما أنا وبنو سليم فلا.
فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال يقول عباس بن مرداس لبنى سليم: وهنتموني ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستة فرائض من أول فئ نصيبه.
فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم.
ثم كب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا.
حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه فقال: " أيها الناس ردوا على ردائي، فوالذي نفسي في يده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ".
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال: " أيها الناس والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله
يوم القيامة ".
فجاء رجل من الانصار بكبة (1) من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه لاخيط بها برذعة بعير لى دبر (2).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما حقى منها فلك " فقال الرجل: أما إذ بلغ الامر فيها فلا حاجة لى بها.
فرمى بها من يده.
وهذا السياق يقتضى أنه عليه السلام رد إليهم سبيهم قبل القسمة، كما ذهب إليه محمد ابن إسحاق بن يسار، خلافا لموسى بن عقبة وغيره.
* * * وفى صحيح البخاري من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد إليهم أموالهم ونساؤهم، فقال لهم رسول الله صلى الله
__________
(1) الكبة: الخيوط المجتمعة.
(2) الدبر: المقروح (*)
عليه وسلم: " معى من ترون، وأحب الحديث إلى أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبى وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم ".
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم أموالهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: إنا نختار سبينا.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: " أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين، وإنى قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفئ الله علينا فليفعل ".
فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله.
فقال لهم: " إنا لا ندرى من أذن منكم
ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا.
فهذا ما بلغنا عن سبى هوازن.
ولم يتعرض البخاري لمنع الاقرع وعيينة، وقومهما، بل سكت عن ذلك، والمثبت مقدم على النافي فكيف الساكت.
وروى البخاري من حديث الزهري: أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، أخبره جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفله من حنين علقت الاعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه، حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " أعطوني ردائي فلو كان عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدونى بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا ".
تفرد به البخاري.
وقال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجرة يزيد بن عبيد السعدى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى على بن أبى طالب جارية يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة، وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان، وأعطى عمر جارية فوهبها من ابنه عبدالله.
وقال ابن إسحاق: فحدثني نافع، عن عبدالله بن عمر قال: بعثت بها إلى أخوالى من بنى جمح ليصلحوا لى منها ويهيئوها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال: فجئت من المسجد حين فرغت فإذا الناس يشتدون فقلت: ما شأنكم ؟ قالوا رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وأبناءنا.
قلت: تلكم صاحبتكم في بنى جمح فاذهبوا فخذوها.
فذهبوا إليها فأخذوها.
قال ابن إسحاق: وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن وقال حين
أخذها: أرى عجوزا إنى لاحسب لها في الحى نسبا وعسى أن يعظم فداؤها.
فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (1)، إنك ما أخذتها والله بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة.
فردها بست فرائض.
* * * قال الواقدي: ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الابل وأربعون شاة.
وقال سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبى بكر أن رجلا ممن شهد حنينا قال:
__________
(1) الماكد: الغزير.
(*)
والله إنى لاسير إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة لى وفى رجلى نعل غليظة إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوجعه، فقرع قدمى بالسوط وقال: " أوجعتني فتأخر عنى " فانصرفت فلما كان الغد إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسني قال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالامس.
قال: فجئته وأنا أتوقع، فقال: " إنك أصبت رجلى بالامس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لاعوضك منها " فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التى ضربني.
والمقصود من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره.
وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الذى أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة، ولهذا لما رد
السبى وركب علقت الاعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون له: اقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فقال: " ردوا على ردائي أيها الناس، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدونى بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ".
كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه.
وكأنهم خشوا أن يرد إلى هوازن أموالهم كما رد إليهم نساءهم وأطفالهم، فسألوه نسمة ذلك فقسمها عليه الصلاة والسلام بالجعرانة كما أمره الله عزوجل، وآثر أناسا في القسمة وتألف أقواما من رؤساء القبائل وأمرائهم، فعتب عليه أناس من الانصار حتى خطبهم وبين لهم وجه الحكمة فيما فعله تطبيبا لقلوبهم.
وتنقد بعض من لا يعلم من الجهلة والخوارج كذى الخويصرة وأشباهه قبحه الله، كما سيأتي تفصيله وبيانه في الاحاديث الواردة في ذلك وبالله المستعان.
* * * قال الامام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبى يقول حدثنا السميط السدوسى، عن أنس بن مالك قال: فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم النعم.
قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، قال: فلم نلبث أن انكشف خيلنا وفرت الاعراب ومن نعلم من الناس، قال فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا للمهاجرين يا للمهاجرين يا للانصار ؟ قال أنس: هذا حديث عمته (1) قال: قلنا لبيك يا رسول الله.
قال: وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله.
قال: فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة.
قال: فنزلنا فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى الرجل المائة ويعطى الرجل المائتين.
قال: فتحدث الانصار بينها: أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه ؟ ! فرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بسراة المهاجرين والانصار أن يدخلوا عليه ثم قال: " لا يدخلن على إلا أنصارى، أو الانصار " قال: فدخلنا القبة
حتى ملاناها، قال نبى الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الانصار " أو كما قال: " ما حديث أتانى ؟ " قالوا: ما أتاك يا رسول الله ؟ قال: " ما حديث أتانى " قالوا: ما أتاك يا رسول الله ؟ قال: " ألا ترضون أن يذهب الناس بالاموال وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم ؟ " قالوا: رضينا يا رسول الله، قال: فرضوا أو كما قال.
وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان.
وفيه من الغريب قوله: أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف وإنما كانوا اثنى عشر ألفا، وقوله: " إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة " وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون العشرين ليلة.
فاالله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، حدثنا معمر، عن الزهري، حدثنى أنس بن مالك، قال: قال ناس من الانصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطى رجالا المائة من الابل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم !
قال أنس بن مالك: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الانصار فجمعهم في قبة أدم ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما حديث بلغني عنكم ؟ " قال فقهاء الانصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنى لاعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب
الناس بالاموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " فستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإنى على الحوض " قال أنس: فلم يصبروا.
تفرد به البخاري من هذا الوجه.
ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عوف، عن هشام بن زيد، عن جده أنس بن مالك، قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا، فقال: " يا معشر الانصار " قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك.
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أنا عبدالله ورسوله " فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الانصار شيئا، فقالوا، فدعاهم فأدخلهم في قبته فقال: " أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ؟ " صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ".
وفى رواية للبخاري من هذا الوجه قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن
وغطفان وغيرهم بن عمهم وذراريهم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقى وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال: " يا معشر الانصار " قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك.
ثم التفت عن يساره فقال: " يا معشر الانصار " فقالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: " أنا عبدالله ورسوله ".
فانهزم المشركون وأصاب يومئذ مغانم كثيرة فقسم بين المهاجرين والطلقاء ولم يعط الانصار شيئا، فقالت الانصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا ! فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: " يا معشر الانصار ما حديث بلغني ؟ " فسكتوا فقال: " يا معشر الانصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم ؟ " قالوا: بلى فقال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ".
قال هشام: قلت: يا أبا حمزة وأنت شاهد ذلك ؟ قال: وأين أغيب عنه ؟ ثم رواه البخاري ومسلم أيضا من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار فقال: " إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإنى أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ؟ " قالوا: بلى.
قال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت وادى الانصار أو شعب الانصار ".
وأخرجاه أيضا من حديث شعبة عن أبى التياح يزيد بن حميد، عن أنس بنحوه وفيه فقالوا: والله إن هذا لهو العجب ! إن سيوفنا لتقطر من دمائهم والغنائم تقسم فيهم، فخطبهم وذكر نحو ما تقدم.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان وعيينة والاقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الانصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم ؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فجمعهم في قبة له حتى فاضت فقال: " فيكم أحد من
غيركم ؟ " قالوا: لا إلا ابن أختنا، قال: " ابن أخت القوم منهم " ثم قال: " أقلتم كذا وكذا ؟ " قالوا: نعم.
قال: " أنتم الشعار والناس الدثار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول صلى الله عليه وسلم إلى دياركم ؟ " قالوا: بلى.
قال: الانصار كرشى وعيبتى، لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار ".
وقال: قال حماد: أعطى مائة من الابل فسمى كل واحد من هؤلاء.
تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا ابن أبى عدى، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر الانصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بى ؟ ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بى، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله قال: " أفلا تقولون: جئتنا خائفا فأمناك، وطريدا فآويناك، ومخذولا فنصرناك ؟ " قالوا: بل لله المن علينا ولرسوله.
وهذا إسناد ثلاثى على شرط الصحيحين.
* * * فهذا الحديث كالمتواتر عن أنس بن مالك.
وقد روى عن غيره من الصحابة.
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى،
عن عباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد بن عاصم، قال: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الانصار شيئا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: " يا معشر الانصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بى ؟ وعالة فأغناكم الله بى ؟ " كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن.
قال: " لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا.
أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ؟ لولا الهجرة لكنت إمرءا من الانصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادى الانصار وشعبها، الانصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ".
ورواه مسلم من حديث عمرو بن يحيى المازنى به.
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبى سعيد الخدرى قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الانصار منها شئ قليل ولا كثير، وجد هذا الحى من الانصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقى والله رسول الله قومه ! فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا الحى من الانصار قد وجدوا عليك في أنفسهم.
فقال: " فيم ؟ " قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفى سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شئ.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ " قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فاجمع لى قومك في هذه الحظيرة فإذا اجتمعوا فأعلمني " فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فأذن له فدخلوا، وجاء آخرون فردهم حتى إذا لم يبق من
الانصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحى من الانصار حيث أمرتنى أن أجمعهم.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " يا معشر الانصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ " قالوا: بلى.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ألا تجيبون يا معشر الانصار ؟ " قالوا: وما نقول يا رسول الله ؟ وبماذا نجيبك ؟ المن لله ولرسوله.
قال: " والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفا فأمناك، ومخذولا فنصرناك " فقالوا: المن لله ولرسوله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أوجدتم في نفوسكم يا معشر الانصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الاسلام، أفلا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار، اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار ".
قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما.
ثم انصرف وتفرقوا.
وهكذا رواه الامام أحمد من حديث ابن إسحاق، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه، وهو صحيح.
وقد رواه الامام أحمد، عن يحيى بن بكير، عن الفضل بن مرزوق، عن عطية بن سعد العوفى، عن أبى سعيد الخدرى، قال رجل من الانصار لاصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو استقامت الامور قد آثر عليكم، قال: فردوا عليه ردا عنيفا
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " وكنتم لا تركبون الخيل " وكلما قال لهم شيئا قالوا: بلى يا رسول الله ثم ذكر بقية الخطبة كما تقدم.
تفرد به أحمد أيضا.
وهكذا رواه الامام أحمد منفردا به من حديث الاعمش، عن أبى صالح، عن أبى
سعيد بنحوه.
ورواه أحمد أيضا عن موسى بن عقبة عن ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر مختصرا.
* * * وقال سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رافع بن خديج، عن جده رافع بن خديج، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبى حنين مائة من الابل، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى الاقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، ولم يبلغ به أولئك فأنشأ يقول: أتجعل نهبى ونهب العبيد بين عيينة والاقرع (1) فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تخفض اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرأ * فلم أعط شيئا ولم أمنع (2) قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة.
رواه مسلم من حديث ابن عيينة بنحوه وهذا لفظ البيهقى.
وفى رواية ذكرها موسى بن عقبة وعروة بن الزبير وابن إسحاق فقال:
كانت نهابا تلافيتها * بكرى على المهر في الاجرع (3) وإيقاظي الحى أن يرقدوا * إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبى ونهب العبيد بين عيينة والاقرع
__________
(1) النهب: العطاء من الغنيمة.
(2) ذا تدرأ: ذا دفع.
(3) النهاب: جمع نهب.
والاجرع: الارض ذات الحزونة.
(*)
وقد كنت في الحرب ذا تدرأ * فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفائل أعطيتها * عديد قوائمها الاربع (1) وما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " أنت القائل أصبح نهبى ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة ؟ " فقال أبو بكر: ما هكذا قال يا رسول الله، ولكن والله ما كنت بشاعر وما ينبغى لك.
فقال: " كيف قال ؟ " فأنشده أبو بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هما سواء ما يضرك بأيهما بدأت " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقطعوا عنى لسانه " فخشى بعض الناس أن يكون أراد المثلة به وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم العطية.
قال: وعبيد فرسه.
* * * وقال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أسامة، عن بريد بن عبدالله، عن أبى بردة، عن أبى موسى قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة (2) ومعه بلال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال:
ألا تنجز لى ما وعدتني ؟ فقال له " أبشر " فقال: قد أكثرت على من أبشر ! فأقبل على أبى موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: " رد البشرى فاقبلا أنتما " ثم دعا
__________
(1) الافائل: الضعاف من الابل.
(2) قال القسطلانى: قال الداودى: وهو وهم والصواب بين مكة والطائف، وبه جزم النووي وغيره إرشاد السارى 6 / 410.
(*)
بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه، ثم فال " اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا " فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لامكما.
فأفضلاها منه طائفة.
هكذا رواه.
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبدالله، عن أنس بن مالك قال: كنت أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية.
فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لى من مال الله الذى عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.
* * * وقد ذكر ابن إسحاق الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مائة من الابل، وهم: أبو سفيان صخر بن حرب، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن كلدة أخو بنى عبد الدار، وعلقمة بن علاثة، والعلاء بن حارثة الثقفى حليف بنى زهرة، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم، ومالك بن عوف النصرى، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبدالعزى، وعيينة بن حصن، وصفوان بن أمية، والاقرع ابن حابس.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه: يا رسول الله أعطيت عيينة والاقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمرى ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والذى نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الارض كلهم مثل عيينة والاقرع، ولكن تألفتهما ليسلما،
ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه.
ثم ذكر ابن إسحاق من أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون المائة ممن يطول ذكره.
وفى الحديث الصحيح عن صفوان بن أمية أنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينى من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلى حتى ما خلق الله شيئا أحب إلى منه.
ذكر قدوم مالك بن عوف النصرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن وسألهم عن مالك ابن عوف: ما فعل ؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف.
فقال: " أخبروه إنه إن أتانى مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الابل ".
فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة - أو بمكة - فأسلم وحسن إسلامه، فرد عليه أهله وماله.
ولما أعطاه مائة قال مالك بن عوف رضى الله عنه: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى * ومتى تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عردت أنيابها * بالسمهرى وضرب كل مهند (1)
فكأنه ليث على أشباله * وسط الهباءة خادر في مرصد (2) قال: واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه وتلك القبائل ثمالة وسلمة (3) وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى
__________
(1) عردت: اشتدت وضريت.
(2) الهباءة: غبار الحرب.
والخادر: المقيم في عرينه.
(3) هكذا ضبطه السهيلي وقال: والمعروف في قبائل قيس سلمة بالفتح، إلا أن يكونوا من الازد.
(*)
ضيق عليهم.
وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن، حدثنى عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال: " إنى أعطى قوما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب ".
قال عمرو: فما أحب أن لى بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم.
زاد أبو عاصم، عن جرير، سمعت الحسن حدثنا عمرو بن تغلب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بمال - أو سبى - فقسمه بهذا.
وفى رواية للبخاري قال: أتى رسول الله بمال - أو بشئ - فأعطى رجالا وترك رجالا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد " فذكر مثله سواء.
تفرد به البخاري (1).
وقد ذكر ابن هشام أن حسان بن ثابت رضى الله عنه قال فيما كان من أمر الانصار وتأخرهم عن الغنيمة: زاد الهموم فماء العين منحدر * سحا إذا حفلته عبرة درر (2) وجدا بشماء إذ شماء بهكنة * هيفاء لا ذنن فيها ولا خور (3)
دع عنك شماء إذ كانت مودتها * نزرا وشر وصال الواصل النزر وائت الرسول وقل يا خير مؤتمن * للمؤمنين إذا ما عدد البشر علام تدعى سليم وهى نازحة * قدام قوم هم آووا وهم نصروا
__________
(1) هذا الحديث مؤخر في ت بعد القصيدة.
(2) ابن هشام: زادت هموم.
(3) الهكنة: الشابة الغضة.
والذنن: القذر.
والخور: الضعف.
وفى ا: شنباء (*)
سماهم الله أنصارا بنصرهم * دين الهدى وعوان الحرب تستعر وسارعوا في سبيل الله واعترضوا * للنائبات وما خانوا وما ضجروا والناس إلب علينا فيك ليس لنا * إلا السيوف وأطراف القنا وزر نجالد الناس لا نبقى على أحد * ولا نضيع ما توحى به السور ولا تهر جناة الحرب نادينا * ونحن حين تلظى نارها سعر (1) كما رددنا ببدر دون ما طلبوا * أهل النفاق وفينا ينزل الظفر ونحن جندك يوم النعف من أحد * إذ حزبت بطرا أحزابها مضر (2) فما ونينا وما خمنا وما خبروا * منا عثارا وكل الناس قد عثروا
__________
(1) تهر: تكره.
وجناة الحرب: أبطالها.
والسعر، من يوقدون الحرب.
(2) النعف: أسفل الجبل.
(*)
ذكر اعتراض بعض الجهلة من أهل الشقاق والنفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في القسمة العادلة بالاتفاق قال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبى وائل، عن عبدالله قال: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة حنين قال رجل من الانصار: ما أراد
بها وجه الله.
قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فتغير وجهه ثم قال: " رحمة الله على موسى، قد أوذى بأكثر من هذا فصبر ".
ورواه مسلم من حديث الاعمش به.
ثم قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبى وائل عن عبد الله قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم ناسا: أعطى الاقرع بن حابس مائة من الابل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله فقلت: لاخبرن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر ".
وهكذا رواه من حديث منصور عن المعتمر به.
وفى رواية للبخاري فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله.
فقلت: والله لاخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأتيته فأخبرته فقال: " من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ؟ ! رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر ".
وقال محمد بن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مقسم أبى القاسم مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثى حتى أتينا عبدالله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلقا نعله بيده، فقلنا له: هل
حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين ؟ قال: نعم جاء رجل من بنى تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف عليه وهو يعطى الناس فقال له: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أجل فكيف رأيت ؟ " قال: لم أرك عدلت.
قال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ! "
فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله ؟ فقال: " دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يوجد شئ ثم في القدح فلا يوجد شئ ثم في الفوق فلا يوجد شئ سبق الفرث والدم ".
وقال الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبدالله قال: أتى رجل بالجعرانة النبي صلى الله عليه وسلم منصرفه من حنين وفى ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطى الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال " ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل " فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق ؟ فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية ".
ورواه مسلم عن محمد بن رمح، عن الليث.
وقال أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا قرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مغانم حنين إذ قام إليه رجل فقال: اعدل.
فقال: " لقد شقيت إذا لم أعدل ".
ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن قرة بن خالد السدوسى به.
وفى الصحيحين من حديث الزهري، عن أبى سلمة، عن أبى سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بنى تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويلك ومن يعدل إن لم أعدل لقد خبت وخسرت، إذا لم أعدل فمن يعدل ؟ " فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إيذن لى فيه فأضرب عنقه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم،
يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم إلى رصافه (1) فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى نضيه (2) - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى قذذه (3) فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم (4)، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة تدردر (5) ويخرجون على حين فرقة من الناس ".
قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس، فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى نعت.
ورواه مسلم أيضا من حديث القاسم بن الفضل عن أبى نضرة، عن أبى سعيد به نحوه.
ذكر مجئ أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وهو بالجعرانة واسمها الشيماء قال ابن إسحاق: وحدثني بعض بنى سعد بن بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) الرصاف: جمع رصفة، وهى عقبة تلوى على مدخل النصل في السهم.
(2) النضى: القدح قبل أن يبحث.
(3) القذذ: ريش السهم.
(4) المعنى: أنه مرق عاجلا فلم يعلق به دم.
(5) تدردر: تتحرك وتذهب وتجئ.
(*)
قال يوم هوازن: " إن قدرتم على نجاد - رجل من بنى سعد بن بكر - فلا يفلتنكم " وكان قد أحدث حدثا.
فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبدالعزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة.
قال: فعنفوا عليها في السوق فقالت للمسلمين: تعلمون والله إنى لاخت صاحبكم من
الرضاعة.
فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبيد السعدى - هو أبو وجزة - قال: فلما انتهى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إنى أختك من الرضاعة.
قال " وما علامة ذلك ؟ " قالت: عضة عضضتنيها في ظهرى وأنا متوركتك.
قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها وقال: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت.
قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي.
فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية.
وروى البيهقى من حديث الحكم بن عبدالملك، عن قتادة قال: لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أنا أختك، أنا شيماء بنت الحارث.
فقال لها: " إن تكوني صادقة فإن بك منى أثرا لا يبلى " قال: فكشفت عن عضدها فقالت: نعم يا رسول الله وأنت صغير فعضضتني هذه العضة.
قال: فبسط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ثم قال: " سلى تعطى واشفعي تشفعي ".
وقال البيهقى: أنبأنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا عمرو بن إسماعيل بن عبد السلمى، حدثنا مسلم، حدثنا أبو عاصم، حدثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان، أخبرني عمى عمارة بن (44 - السيرة 3)
ثوبان، أن أبا الطفيل أخبره قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم نعما بالجعرانة.
قال: فجاءته امرأة فبسط لها رداءه فقلت: من هذه ؟ قالوا: أمه التى أرضعته.
هذا حديث غريب ولعله يريد أخته، وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية وإن كان محفوظا فقد عمرت حليمة دهرا، فإن من وقت أن أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى وقت الجعرانة أزيد من ستين سنة، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك.
وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه.
والله أعلم بصحته.
قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فجاءه أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم جاءه أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه.
وقد تقدم أن هوازن بكمالها متوالية برضاعته من بنى سعد بن بكر وهم شرذمة من هوازن، فقال خطيبهم زهير بن صرد: يا رسول الله إنما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا من الله عليك.
وقال فيما قال: امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك يملؤه من محضها درر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتى وما تذر فكان هذا سبب إعتاقهم من بكرة أبيهم، فعادت فواضله عليه السلام عليهم قديما وحديثا خصوصا وعموما.
وقد ذكر الواقدي عن إبراهيم بن محمد بن شرحبيل، عن أبيه قال: كان النضير ابن الحارث بن كلدة من أجمل الناس فكان يقول: الحمد لله الذى من علينا بالاسلام، ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولم نمت على ما مات عليه الآباء وقتل عليه الاخوة وبنو العم.
ثم ذكر عداوته للنبى صلى الله عليه وسلم وأنه خرج مع قومه من قريش إلى حنين وهم على دينهم بعد، قال: ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه، فلم
يمكنا ذلك، فلما صار بالجعرانة فوالله إنى لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أنضير ؟ " قلت: لبيك، قال: " هل لك إلى خير مما أردت يوم حنين مما خال الله بينك وبينه ؟ " قال: فأقبلت إليه سريعا فقال: " قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع " قلت: قد أدرى أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم زده ثباتا " قال النضير: فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبى حجر ثباتا في الدين، وتبصرة بالحق.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذى هداه ".
عمرة الجعرانة في ذى القعدة قال الامام أحمد: حدثنا بهز و عبد الصمد المعنى قالا: حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع مرات.
عمرته زمن الحديبية وعمرته في ذى القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذى القعدة، حيث قسم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته.
ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق عن همام بن يحيى به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا داود - يعنى العطار - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التى مع حجته.
ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن عبدالرحمن العطار المكى، عن عمرو بن دينار به وحسنه والترمذي.
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، حدثنا حجاج بن أرطاة،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر، كل ذلك في ذى القعدة يلبى حتى يستلم الحجر.
غريب من هذا الوجه.
وهذه الثلاث عمر اللاتى وقعن في ذى القعدة ما عدا عمرته مع حجته، فإنها وقعت في ذى الحجة مع الحجة، وإن أراد ابتداء الاحرام بهن في ذى القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية لانه صد عنها ولم يفعلها.
والله أعلم.
قلت: وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما قال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إنه كان على اعتكاف يوم في الجاهلية..فأمره أن يفى به.
قال: وأصاب عمر جاريتين من سبى حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال: فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبى حنين فجعلوا يسعون في السكك، فقال عمر: يا عبدالله انظر ما هذا ؟ قال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبى.
قال: اذهب فأرسل الجاريتين.
قال نافع: ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، ولو اعتمر لم يخف على عبدالله.
وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختيانى، عن نافع عن ابن عمر به.
ورواه مسلم أيضا عن أحمد بن عبدة الضبى، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها.
وهذا غريب جدا عن ابن عمرو عن مولاه نافع، في إنكارهما عمرة الجعرانة، وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازى والسنن كلهم.
وهذا أيضا كما ثبت في الصحيحين من حديث عطاء بن أبى رباح، عن عروة عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب.
وقالت: يغفر الله لابي عبدالرحمن ! ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط.
وقال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا الاعمش، عن مجاهد، قال: سأل عروة ابن الزبير ابن عمر: في أي شهر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: في رجب.
فسمعتنا عائشة، فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن ! ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها وما اعتمر عمرة قط إلا في ذى القعدة.
وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير، عن منصور، عن مجاهد به نحوه.
ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير، عن أبى إسحاق، عن مجاهد، سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: مرتين.
فقالت عائشة، لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التى قرنها بحجة الوداع.
قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مفضل، عن منصور، عن مجاهد قال: دخلت مع عروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس يصلون الضحى.
فقال عروة: أبا عبدالرحمن ما هذه الصلاة ؟ قال: بدعة.
فقال له عروة: أبا عبدالرحمن كم اعتمر رسول الله ؟ فقال: أربعا إحداهن في رجب.
قال: وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال لها عروة: إن أبا عبدالرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا إحداهن في رجب ؟ فقالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن، ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم
إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط.
وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن منصور وقال: حسن صحيح غريب.
وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني مزاحم بن أبى مزاحم، عن عبد العزيز بن عبدالله، عن مخرش الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا فدخل مكة ليلا يقضى عمرته، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف،
حتى جاء مع الطريق - طريق المدينة - بسرف قال مخرش: فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس.
ورواه الامام أحمد عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج كذلك وهو من أفراده.
* * * والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابثة بالنقل الصحيح الذى لا يمكن منعه ولا دفعه، ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها.
والله أعلم.
ثم هم كالمجمعين على أنها كانت في ذى القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين.
وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير قائلا: حدثنا الحسن بن إسحاق التسترى، حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا محمد بن الحسن الاسدي، حدثنا إبراهيم ابن طهمان، عن أبى الزبير، عن عمير مولى عبدالله بن عباس، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال.
فإنه غريب جدا وفى إسناده نظر.
والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل، حدثنا ابن جريج، أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول: ليتنى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه.
قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به معه فيه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمخ بطيب.
قال: فأشار عمر بن الخطاب إلى يعلى بيده: أن تعال.
فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرى عنه فقال: " أين الذى يسألنى عن العمرة آنفا ؟ " فالتمس الرجل فأتى به، قال: " أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات،
وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ".
ورواه مسلم من حديث ابن جريج.
وأخرجاه من وجه آخر عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى بن أمية به.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كدى.
وقال أبو داود: حدثنا موسى أبو سلمة، حدثنا حماد، عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى.
تفرد به أبو داود.
ورواه أيضا ابن ماجه من حديث ابن خثيم، عن أبى الطفيل، عن ابن عباس مختصرا.
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثنى الحسن بن مسلم، عن طاوس، أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال: قصرت عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بمشقص.
أو قال: رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة.
وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج به.
ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس، عن معاوية به.
ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس عن أبيه به.
وقال عبدالله بن الامام أحمد: حدثنى عمرو بن محمد الناقد، حدثنا أبو أحمد الزبيري،
حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس، عن معاوية قال: قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة.
* * * والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة.
وذلك أن عمرة الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها بل صد عنها كما تقدم بيانه، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه عليه السلام بها تلك الثلاثة الايام، وعمرته التى كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق، فتعين أن هذا التقصير الذى تعاطاه معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا.
والله تعالى أعلم.
وقال محمد بن إسحاق رحمه الله: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا وأمر ببقاء الفئ فحبس بمجنة بناحية مر الظهران.
قلت: الظاهر أنه عليه السلام إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الاعراب فيما بين مكة والمدينة.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا
إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن.
وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه إلى هوازن، ثم خلفهما بها حين رجع إلى المدينة.
وقال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال: لما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: أيها
الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم ! فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم، فليست لى حاجة إلى أحد.
قال ابن إسحاق: وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذى القعدة، وقدم المدينة في بقية ذى القعدة أو في أول ذى الحجة.
قال ابن هشام: قدمها لست بقين من ذى القعدة فيما قال أبو عمرو المدينى.
قال ابن إسحاق: وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهى سنة ثمان.
قال: وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذى القعدة إلى رمضان من سنة تسع.
إسلام كعب بن زهير بن أبى سلمى وأبوه هو صاحب إحدى المعلقات السبع، الشاعر ابن الشاعر، وذكر قصيدته التى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى بانت سعاد قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبى سلمى إلى أخيه لابويه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقى من شعراء قريش: ابن الزبعرى وهبيرة بن أبى وهب هربوا (1) في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الارض.
وكان كعب قد قال: ألا بلغا عنى بجيرا رسالة * فويحك (2) فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل * على أي شئ غير ذلك دلكا على خلق لم ألف يوما أبا له * عليه وما تلفى عليه أبا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعا لكا (3) سقاك بها المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا (4) قال ابن هشام: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر: من مبلغ عنى بجيرا رسالة * فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا شربت مع المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا
__________
(1) ابن هشام: قد هربوا.
(2) ابن هشام: فهل لك.
(3) كلمة تقال للعاثر، دعاء له بالاقالة من عثرته.
(4) أنهلك: سقاك أولا.
وعلك سقاك ثانيا.
والمأمون: يريد به النبي صلى الله عليه وسلم.
(*)
وخالفت أسباب الهدى واتبعته * على أي شئ ويب غيرك (1) دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فإن أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعا لكا قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع: " سقاك بها المأمون ": " صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون " ولما سمع: " على خلق لم تلف
أما ولا أبا عليه " قال: " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه ".
قال: ثم كتب بجير إلى كعب يقول له: من مبلغ كعبا فهل لك في التى * تلوم عليها باطلا وهى أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده * فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت * من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شئ دينه * ودين أبى سلمى على محرم قال: فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الارض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، وقالوا: هو مقتول.
فلما لم يجد من شئ بدا قال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لى، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه.
فذكر لى أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إليه ووضع يده في يده،
__________
(1) ويب غيرك: هلكت هلاك غيرك.
(*)
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن جئتك به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم " فقال: إذا أنا (1) يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الانصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعه عنك، فإنه جاء تائبا نازعا ".
قال: فغضب كعب بن زهير على هذا الحى من الانصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير.
فقال في قصيدته التى قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها لم يفد مكبول (2) وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول (3) [ هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة * لا يشتكى قصر منها ولا طول ] (4) تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت * كأنه منهل بالراح معلول (4) شجت بذى شبم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول (5) تنفى الرياح القذى عنه وأفرطه * من صوب غادية بيض يعاليل (6) فيالها خلة لو أنها صدقت * بوعدها أو لو ان النصح مقبول
__________
(1) ابن هشام: فقال أنا.
(2) بانت: بعدت.
والمتبول: السقيم من الحب.
والمكبول: المقيد.
(3) الاغن: الظبى.
(4) عن ابن هشام.
(4) تجلو: تكشف، والظلم: بريق الاسنان وبياضها.
(5) شجت: مزجت.
والشبم الشديد البرد.
والمحنية: منعطف الوادي.
والمشمول: الذى ضربته ريح شمال حتى برد.
(6) أفرطه: سبق إليه.
والصوب: المطر.
والغادية: السحابة تمطر غدوة.
واليعاليل: السحب البيض (*)
لكنها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع وإخلاف وتبديل (1) فما تدوم على حال تكون بها * كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالعهد الذى زعمت * إلا كما يمسك الماء الغرابيل فلا يغرنك ما منت وما وعدت * إن الامانى والاحلام تضليل كانت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيدها إلا الاباطيل
أرجو وآمل أن تدنو مودتها * ومالهن إخال الدهر تعجيل (2) أمست سعاد بأرض لا تبلغها * إلا العتاق النجيبات المراسيل ولن يبلغها إلا عذافرة * فيها على الاين إرقال وتبغيل (3) من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول (4) ترمى الغيوب بعينى مفرد لهق * إذا توقدت الحزان والميل (5) ضخم مقلدها فعم مقيدها * في خلقها عن بنات الفحل تفضيل (6) حرف أخوها أبوها من مهجنة * وعمها خالها قوداء شمليل (7) يمشى القراد عليها ثم يزلقه * منها لبان وأقراب زهاليل (8)
__________
(1) الخلة: الصحبة.
وسيط: خلط.
(2) ابن هشام: وما إخال لدينا منك تنويل.
(3) العذافرة: العظيم الشديد من الابل.
والاين: التعب.
والارقال: الاسراع.
والتبغيل: ضرب من سير الابل.
(4) النضاخة: الغزيرة.
والذفرى: العظم الشاخص خلف الاذن.
وعرضتها: وجهتها.
وطامس الاعلام: المتغير الذى لا يهتدى فيه.
(5) اللهق: الثور الابيض والحزان: جمع حزيز وهو المكان الغليظ المنقاد.
والميل: ما اتسع من الارض (6) المقلد: موضع القلادة من العنق.
والفعم: الممتلئ.
(7) الحرف: الناقة الضامرة أو العظيمة.
والقوداء: الشديدة العنق.
والشمليل: السريعة.
(8) القراد: دويبة.
واللبان: الصدر.
والاقراب: جمع قرب وهو الخاصرة.
والزهاليل: جمع زهلول وهو الاملس (*)
عيرانة قذفت بالنحض عن عرض * مرفقها عن بنات الزور مفتول (1) قنواء في حرتيها للبصير بها * عتق مبين وفى الخدين تسهيل (2)
كأنما فات عينيها ومذبحها * من خطمها ومن اللحيين برطيل (3) تمر مثل عسيب النخل ذا خصل * في غارز لم تخونه الاحاليل (4) تهوى على يسرات وهى لاهية * ذوابل مسهن الارض تحليل (5) يوما يظل به الحرباء مصطخدا * كأن ضاحيه بالشمس محلول (6) وقال للقوم حاديهم وقد جعلت * ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا (7) أوب يدى فاقد شمطاء معولة * قامت فجاوبها نكد مثاكيل (8) نواحة رخوة الضبعين ليس لها * لما نعى بكرها الناعون معقول (9) تفرى اللبان بكفيها ومدرعها * مشقق عن تراقيها رعابيل (10) تسعى الغواة جنابيها وقولهم * إنك يابن أبى سلمى لمقتول (11) وقال كل صديق كنت آمله * لا ألهينك إنى عنك مشغول
__________
(1) العيرانة من الابل، الناجية في نشاط.
والنحض: اللحم المكتنز.
والعرض: الجانب.
(2) القنواء: المرتفعة الانف، وهو عيب في الفرس.
(3) البرطيل: حجر أو حديد طويل صلب خلقة، ينقر به الرحى.
وهو المعول أيضا (4) عسيب النخل: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها.
والغارز: الضرع.
وتخونه: ننقصه.
والاحاليل: جمع إحليل وهو مخرج اللبن.
(5) ابن هشام: تخدى.
اليسرات: الخفاف السهلة.
والتحليل: الجرى.
حل: عدا.
(6) الحرباء: دويبة تستقبل الشمس برأسها.
والمصطخد: المحترق من حرارة الشمس.
والضاحى: ما برز منه للشمس.
والمحلول: المذاب.
(7) الجنادب: الجراد.
والورق: التى يضرب لونها إلى السواد.
(8) الاوب: رجع القوائم في السير.
والشمطاء: التى خالطها الشيب.
والمعولة: الصائحة بالبكاء والنكد: جمع نكداء وهى التى لا يبقى لها ولد.
والمثاكيل: جمع مثكلة وهى التى لزمها الثكل.
(9) الرخوة: المسترخية والضبع: العضد.
(10) اللبان: الصدر.
والمدرع: القميص.
والرعابيل: الممزق..(11) جنابيها: حولها (*)
فقلت خلوا سبيلى لا أبا لكم * فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته * يوما على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدنى * والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال * قرآن فيه مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم * أذنب ولو كثرت في الاقاويل لقد أقوم مقاما لو يقوم به * أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد إلا أن يكون له * من الرسول بإذن الله تنويل (1) حتى وضعت يمينى ما أنازعها * في كف ذى نقمات قوله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه * وقيل إنك منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الارض مخدره * في بطن عثر غيل دونه غيل (2) يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما * لحم من الناس معفور خراديل (3) إذا يساور قرنا لا يحل له * أن يترك القرن إلا وهو مغلول منه تظل حمير الوحش نافرة * ولا تمشى بواديه الاراجيل (4) ولا يزال بواديه أخو ثقة * مضرج البز والدرسان مأكول (5) إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم * ببطن مكة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل (6)
__________
(1) الاصل: لظل يرعد من وجد موارده من الرسول.
وما أثبته عن ابن هشام (2) الضراء: الارض المستوية.
(3) المعفور: الملقى في التراب.
والخراديل: القطع الصغار.
(4) الاراجيل: جماعات الرجال.
(5) البز: السلاح.
والدرسان: الثياب الخلقة.
(6) الانكاس: جمع نكس وهو الجبان.
والمعازيل: الذين لا سلاح معهم.
(*)
يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم * ضرب إذا عرد السود التنابيل (1) شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها خلق * كأنها حلق القفعاء مجدول (2) ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم * قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم * ولا لهم عن حياض الموت تهليل قال ابن هشام: هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسنادا.
وقد رواها الحافظ البيهقى في دلائل النبوة بإسناد متصل، فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو القاسم عبدالرحمن بن الحسن بن أحمد الاسدي بهمذان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنا الحجاج بن ذى الرقيبة بن عبدالرحمن ابن كعب بن زهير بن أبى سلمى، عن أبيه، عن جده قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: اثبت في هذا المكان حتى آتى هذا الرجل - يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأسمع ما يقول: فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الاسلام فأسلم.
فبلغ ذلك كعبا فقال: ألا أبلغا عنى بجيرا رسالة * على أي شئ ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا سقاك أبو بكر بكأس روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا فلما بلغت الابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه وقال: " من لقى
كعبا فليقتله ".
فكتب بذلك بجير إلى أخيه، وذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه ويقول له: النجاء وما أراك تنفلت.
ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله صلى الله
__________
(1) عرد: هرب.
والتنابيل: القصار.
(2) القفعاء: ضرب من الحسك تشبه به حلق الدر (*)
عليه وسلم لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا قبل ذلك منه وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل.
قال: فأسلم كعب وقال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل المسجد ورسول الله مع أصحابه كالمائدة بين القوم متحلقون معه حلقة خلف حلقة، يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم.
قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة حتى جلست إليه فأسلمت وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله الامان يا رسول الله.
قال: " ومن أنت ؟ " قال: كعب بن زهير.
قال: " الذى يقول " ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " كيف قال يا أبا بكر ؟ " فأنشده أبو بكر: سقاك بها المأمون كأسا روية * وأنهلك المأمور منها وعلكا قال: يا رسول الله ما قلت هكذا قال: " فكيف قلت ؟ " قال قلت: سقاك بها المأمون كأسا روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مأمون والله.
ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها وهى هذه القصيدة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها لم يفد مكبول وقد تقدم ما ذكرناه من الرمز لما اختلف فيه إنشاد ابن إسحاق والبيهقي رحمهما الله عزوجل وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن كعبا لما انتهى إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول نبئت أن رسول الله أوعدنى * والعفو عند رسول الله مأمول
قال: فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من معه أن اسمعوا.
وقد ذكر ذلك قبله موسى بن عقبة في مغازيه.
ولله الحمد والمنة.
قلت: ورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه بردته حين أنشده القصيدة، وقد نظم ذلك الصرصرى في بعض مدائحه، وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة، قال: وهى البردة التى عند الخلفاء.
قلت: وهذا من الامور المشهورة جدا، ولكن لم أر ذلك في شئ من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه.
فالله أعلم.
وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له، لما قال بانت سعاد: ومن سعاد ؟ قال: زوجتى يا رسول الله.
قال: لم تبن.
ولكن لم يصح ذلك.
وكأنه على ذلك توهم أن بإسلامه تبين امرأته، والظاهر أنه إنما أراد البينونة الحسية لا الحكمية.
والله تعالى أعلم.
* * * قال ابن إسحاق: وقال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب - يعنى في قصيدته - " إذا عرد السود التنابيل " وإنما يريدنا معشر الانصار لما كان صاحبنا صنع به، وخص المهاجرين من قريش بمدحته، غضبت عليه الانصار فقال بعد أن أسلم يمدح الانصار ويذكر بلاءهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعهم من اليمن:
من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقنب من صالحي الانصار (1) ورثوا المكارم كابرا عن كابر * إن الخيارهم بنو الاخيار المكرهين السمهرى بأذرع * كسوالف الهندي غير قصار
__________
(1) المقنب: الجماعة من الخيل.
(*)
والناظرين بأعين محمرة * كالجمر غير كليلة الابصار والبائعين نفوسهم لنبيهم * للموت يوم تعانق وكرار يتطهرون يرونه نسكا لهم * بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت بطون خفية * غلب الرقاب من الاسود ضوارى وإذا حللت ليمنعوك إليهم * أصبحت عند معاقل الاعفار (1) ضربوا عليا يوم بدر ضربة * دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الاقوام علمي كله * فيهم لصدقني الذين أمارى قوم إذا خوت النجوم فإنهم * للطارقين النازلين مقارى قال ابن هشام: ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده بانت سعاد: " لولا ذكرت الانصار بخير فإنهم لذلك أهل ؟ " فقال كعب هذه الابيات وهى في قصيدة له.
قال: وبلغني عن على بن زيد بن جدعان أن كعب بن زهير أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.
وقد رواه الحافظ البيهقى بإسناده المتقدم إلى إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنى معن بن عيسى، حدثنى محمد بن عبدالرحمن الافطس، عن ابن جدعان.
فذكره وهو مرسل.
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في كتاب " الاستيعاب في معرفة الاصحاب " بعد ما أورد طرفا من ترجمة كعب بن زهير إلى أن قال: وقد كان كعب بن
زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير، وكعب أشعرهما، وأبوهما زهير فوقهما، ومما يستجاد من شعر كعب بن زهير قوله: لو كنت أعجب من شئ لاعجبني * سعى الفتى وهو مخبوء له القدر
__________
(1) الاعفار: جمع عفر وهو ولد الوعل (*)
يسعى الفتى لامور ليس يدركها * فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل * لا تنتهى العين حتى ينتهى الاثر ثم أورد له ابن عبد البر أشعارا كثيرة يطول ذكرها، ولم يؤرخ وفاته، وكذا لم يؤرخها أبو الحسن بن الاثير في كتاب الغابة في معرفة الصحابة، ولكن حكى أن أباه توفى قبل المبعث بسنة.
فالله أعلم.
وقال السهيلي: ومما أجاد فيه كعب بن زهير قوله يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجرى به الناقة الادماء معتجرا * بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم ففى عطافيه أو أثناء بردته * ما يعلم الله من دين ومن كرم
فصل فيما كان من الحوادث المشهورة في سنة ثمان والوفيات فكان من جمادى منها وقعة مؤتة، وفى رمضان غزوة فتح مكة، وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين، وبعده كان حصار الطائف، ثم كانت عمرة الجعرانة في ذى القعدة، ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة.
قال الواقدي: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لليال بقين من ذى الحجة في سفرته هذه.
قال الواقدي: وفى هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندى من الازد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الاعراب.
قال: وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذى القعدة، فاستعاذت منه عليه السلام ففارقها، وقيل بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها.
قال: وفى ذى الحجة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية، فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا، وكانت قابلتها فيه سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إلى أبى رافع فأخبرته فذهب فبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه مملوكا، ودفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم برة بنت المنذر بن أسيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول.
وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع.
وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذى كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف، وذلك لخمس بقين من رمضان منها.
قال الواقدي: وفيها كان هدم سواع الذى كانت تعبده هذيل برهاط، هدمه عمرو بن العاص رضى الله عنه ولم يجد في خزانته شيئا، وفيها هدم مناة بالمشلل، وكانت الانصار أوسها وخزرجها يعظمونه، هدمه سعد بن زيد الاشهلى رضى الله عنه.
وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير سورة النجم عند قوله تعالى: " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى ".
قلت: وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذى كانت تعبده
ويسمونه الكعبة اليمانية مضاهية للكعبة التى بمكة، ويسمون التى بمكة الكعبة الشامية وتلك الكعبة اليمانية، فقال البخاري: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس، عن جرير قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تريحنى من ذى الخلصة ؟ " فقلت: بلى.
فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " قال: فما وقعت عن فرس بعد.
قال: وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية.
قال: فأتاها فحرقها في النار وكسرها.
قال: فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالازلام فقيل له: إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها إذ
وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لاضربن عنقك.
فكسرها وشهد.
ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك.
قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله والذى بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب.
قال: فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
ورواه مسلم من طرق متعددة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبدالله البجلى بنحوه.
" وإلى هنا ينتهى الجزء الثالث من السيرة النبوية لابن كثير
وتلك الكعبة اليمانية، فقال البخاري: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس، عن جرير قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا تريحنى من ذى الخلصة ؟ " فقلت: بلى.
فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " قال: فما وقعت عن فرس بعد.
قال: وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية.
قال: فأتاها فحرقها في النار وكسرها.
قال: فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالازلام فقيل له: إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها إذ
وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لاضربن عنقك.
فكسرها وشهد.
ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك.
قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله والذى بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب.
قال: فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
ورواه مسلم من طرق متعددة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبدالله البجلى بنحوه.
" وإلى هنا ينتهى الجزء الثالث من السيرة النبوية لابن كثير ويتلوه الجزء الرابع وأوله ذكر غزوة تبوك "
السيرة النبوية - ابن كثير ج 4
السيرة النبوية
ابن كثير ج 4
السيرة النبوية للامام أبي الفداء إسماعيل بن كثير 701 - 774 ه.
تحقيق مصطفى عبد الواحد الجزء الرابع 1395 ه = 1976 م دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم سنة تسع من الهجرة ذكر غزوة تبوك في رجب منها قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ".
روى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم: أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون (1) من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره، قالت قريش: لتنقطعن عنا المتاجر والاسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها.
فعوضهم الله عن ذلك بالامر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن
يد وهم صاغرون.
قلت: فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم، لانهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الاسلام وأهله.
وقد قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين " (2).
فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر
__________
(1) ا: يمنع المشركين.
(2) سورة التوبة 123.
(*)
شديد وضيق من الحال، جلى للناس أمرها ودعا من حوله من أحياء الاعراب للخروج معه فأوعب معه بشر كثير.
كما سيأتي.
قريبا من ثلاثين ألفا، وتخلف آخرون، فعاتب الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى، وبين أمرهم في سورة براءة، كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير.
وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال، فقال تعالى: " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، لو كان عرضا قريبا، وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون " ثم الآيات بعدها.
ثم قال تعالى: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا.
فالله أعلم.
* * * قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذى الحجة
إلى رجب - يعنى من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم.
فذكر الزهري (1) ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبى بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا، كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار، فالناس
__________
(1) ابن هشام: وقد ذكر لنا الزهري.
(*)
يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص في الحال (1) من الزمان الذى هم عليه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذى يصمد إليه ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمرهم (2) بالجهاز (3) وأخبرهم أنه يريد الروم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بنى سلمة: " يا جد هل لك العام في جلاد بنى الاصفر ؟ " فقال: يا رسول الله أو تأذن لى ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل بأشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الاصفر ألا أصبر.
فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " قد أذنت لك " ففى الجد أنزل الله هذه الآية: " ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم: " وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما
كانوا يكسبون ".
قال ابن هشام: حدثنى الثقة عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبدالرحمن، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبدالله بن حارثة، عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند
__________
(1) ابن هشام: على الحال.
(2) ا: فأمر.
(3) لاصل: بالجهاد.
وما أثبته عن ابن هشام.
(*)
جاسوم - يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، فقال الضحاك في ذلك: كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجل كسيرا ومرفق (1) سلام عليكم لا أعود لمثلها * أخاف ومن تشمل به النار يحرق * * * قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش (2)، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
قال ابن هشام: فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم ارض عن عثمان فإنى عنه راض ".
وقد قال الامام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة بن شوذب، عن عبدالله بن القاسم، عن كثة مولى عبدالرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة.
قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم ! ".
__________
(1) الكبس: بيت من طين (2) الانكماش: الاسراع (*)
ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل، عن الحسن بن واقع، عن ضمرة به.
وقال: حسن غريب.
وقال عبدالله بن أحمد في مسند أبيه.
حدثنى أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنى سكن بن المغيرة، حدثنى الوليد بن أبى هشام، عن فرقد أبى طلحة، عن عبدالرحمن بن خباب السلمى، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: على مائة بعير بأحلاسها وأقتابها.
قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: على مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها.
قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب: " ما على عثمان ما عمل بعد هذا ".
وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن بشار، عن أبى داود الطيالسي، عن سكن بن المغيرة أبى محمد مولى لآل عثمان به.
وقال: غريب من هذا الوجه.
ورواه البيهقى من طريق عمرو بن مرزوق، عن سكن بن المغيرة به.
وقال: ثلاث مرات.
وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها.
قال عبدالرحمن: فأنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: " ماضر عثمان بعدها - أو قال - بعد اليوم ".
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبدالرحمن، عن عمرو بن جاوان، عن الاحنف بن قيس، قال: سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد ابن أبى وقاص وعلى والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من جهز جيش العسرة غفر الله له " فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟ قالوا: اللهم نعم.
ورواه النسائي من حديث حصين به.
فصل فيمن تخلف معذورا من البكائين وغيرهم قال الله تعالى: " وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين.
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم.
وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم، ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (1) ".
قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
والمقصود ذكر البكائين الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم
حتى يصحبوه في غزوته هذه، فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه، فرجعوا وهم يبكون، تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه.
* * *
__________
(1) سورة براءة 86 - 93.
(*)
يتبع ج5//2 الصفحة 17 من المدونة بمشيئة الله 
روابط عرض كتاب السيرة النبوية لابن كثير
3.   3. ج1/ 3 ..

------------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق