المصاحف

جواهر القران لأبي حامد الغزالي

 كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي


 مصاحف روابط 9 مصاحف
// ////

المصحف مسموعا للشيخ خليل الحصري

سورة الفاتحة /سورة البقرة /سورة آل عمران /سورة النساء /سورة المائدة /سورة الأنعام /سورة الأعراف /سورة الأنفال /سورة التوبة /سورة يونس /سورة هود /سورة يوسف /سورة الرعد /سورة إبراهيم /سورة الحجر /سورة النحل /سورة الإسراء /سورة الكهف /سورة مريم /سورة طه /سورة الأنبياء /سورة الحج /سورة المؤمنون /سورة النّور /سورة الفرقان /سورة الشعراء /سورة النّمل /سورة القصص /سورة العنكبوت /سورة الرّوم /سورة لقمان /سورة السجدة /سورة الأحزاب /سورة سبأ /سورة فاطر /سورة يس /سورة الصافات /سورة ص /سورة الزمر /سورة غافر /سورة فصّلت /سورة الشورى /سورة الزخرف /سورة الدّخان /سورة الجاثية /سورة الأحقاف /سورة محمد /سورة الفتح /سورة الحجرات /سورة ق /سورة الذاريات /سورة الطور /سورة النجم /سورة القمر /سورة الرحمن /سورة الواقعة /سورة الحديد /سورة المجادلة /سورة الحشر /سورة الممتحنة /سورة الصف /سورة الجمعة /سورة المنافقون /سورة التغابن /سورة الطلاق /سورة التحريم /سورة الملك /سورة القلم /سورة الحاقة /سورة المعارج /سورة نوح /سورة الجن /سورة المزّمّل /سورة المدّثر /سورة القيامة /سورة الإنسان /سورة المرسلات /سورة النبأ /سورة النازعات /سورة عبس /سورة التكوير /سورة الإنفطار /سورة المطفّفين /سورة الإنشقاق /سورة البروج /سورة الطارق /سورة الأعلى /سورة الغاشية /سورة الفجر /سورة البلد /سورة الشمس /سورة الليل /سورة الضحى /سورة الشرح /سورة التين /سورة العلق /سورة القدر /سورة البينة /سورة الزلزلة /سورة العاديات /سورة القارعة /سورة التكاثر /سورة العصر /سورة الهمزة /سورة الفيل /سورة قريش /سورة الماعون /سورة الكوثر /سورة الكافرون /سورة النصر /سورة المسد /سورة الإخلاص /سورة الفلق /سورة النّاس

كل مدونات لاشير لاشيرك

الجمعة، 15 يونيو 2018

4.السيرة النبوية لابن كثير ج1//4





السيرة النبوية لابن كثير ج1/  4 
فصل وذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس، وهو الشدة في الدين والصلابة.
وذلك لانهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة.
وكانوا يقولون: نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله.
فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها مشاعر إبراهيم عليه السلام، حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة.
وكانوا لا يدخرون من اللبن أقطا
ولا سمنا ولا يسلون شحما وهم حرم.
ولا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون إن استظلوا إلا ببيت من أدم.
وكانوا يمنعون الحجيج والعمار - ما داموا محرمين - أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس، وهم قريش وما ولدوا ومن دخل معهم من كنانة وخزاعة، طاف عريانا، ولو كانت امرأة، ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله فإن تكرم أحد ممن يجد ثوب أ ؟ مس فطاف في ثياب نفسه فعليه إذا فرغ من الطواف أن يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك.
وليس له ولا لغيره أن يمسها.
وكانت العرب تسمى تلك الثياب: " اللقى " قال بعض الشعراء.
كفى حزنا كرى عليه كأنه * لقى بين أيدى الطائفين حريم قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل
عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " (1) أي جمهور العرب من عرفات " واستغفروا الله إن غفور رحيم " (2).
وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من الله له.
وأنزل الله عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس " يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين: قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق " (2) الآية.
وقال زياد البكائى (3)، عن ابن إسحاق: ولا أدرى أكان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده.
__________
(1) سورة البقرة 199.
(2) سورة الاعراف 31، 32 (3) هو: أبو محمد زياد.
ابن عبد الله بن طفيل القيسي العامري البكائى راوي السيرة عن ابن إسحاق.
توفى سنة 183 ه.
(*)
كتاب مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا وذكر شئ من البشارات بذلك قال محمد إسحاق رحمه الله: وكانت الاحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب (1) قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب زمانه.
أما الاحبار من اليهود والرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه.
قال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون (2)).
وقال الله تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد) (3).
وقال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطاه فآزره غلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله
__________
(1) العبارة محرفة ؟ في المطبوعة والمخطوطة: " وكانت الاحبار من اليهود والكهان من النصارى ومن العرب " وما أثبته من ابن هشام.
(2) سورة الاعراف 157.
(3) سورة الصف 6.
(*)
الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (1).
وقال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى ؟ قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (2)).
وفى صحيح البخاري عن ابن عباس قال: " ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمد وهو حى ليؤمنن ولينصرنه.
وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه ".
؟ علم من هذا أن جميع الانبياء بشروا وأمروا باتباعه.
وقد قال إبراهيم عليه السلام فيما دعا به لاهل مكة: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) * (3) وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر، سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان بدء أمرك.
قال: " دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام ".
وقد روى محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه مثله.
ومعنى هذا أنه أراد: بدء أمره بين الناس واشتهار ذكره وانتشاره، فذكر دعوة إبراهيم الذى تنسب إليه العرب، ثم بشرى عيسى الذى هو خاتم أنبياء بنى إسرائيل كما تقدم.
يدل هذا على أن من بينهما من الانبياء بشروا به أيضا.
__________
(1) سورة الفتح 29 (2) سورة آل عمران 81 (3) سورة البقرة 129.
(*)
أما في الملا الاعلى فقد كان أمره مشهورا مذكورا معلوما من قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام.
كما قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبى عن عبد الاعلى بن هلال السلمى، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى عند (1) الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى بى، ورؤيا أمي التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين ".
وقد رواه الليث عن معاوية بن صالح وقال: إن أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام.
وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا منصور بن سعد، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ".
تفرد بهن أحمد.
وقد رواه عمر بن أحمد بن شاهين في كتاب " دلائل النبوة " من حديث أبى هريرة فقال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز - يعنى أبا القاسم البغوي - حدثنا أبو همام الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي، حدثنى يحيى، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة ؟ قال: " بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ".
ورواه من وجه آخر عن الاوزاعي به.
وقال: " وآدم منجدل في طينته ".
وروى عن البغوي أيضا عن أحمد بن المقدام، عن بقية بن سعيد بن بشير، عن
__________
(1) ط: عبد.
وهو خطأ.
(*)
قتادة، عن أبى هريرة - مرفوعا - في قول الله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح (1) " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ".
ومن حديث أبى مزاحم، عن قيس بن الربيع، عن جابر، عن الشعبى، عن ابن عباس قيل: يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ".
وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع، إذ كانت وهى لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما بعض ذكر أموره (2)، ولا يلقى العرب لذلك فيه بالا.
حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الامور التى كانوا يذكرون فعرفوها.
فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر زمان مبعثه حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التى كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الشياطين أن ذلك لامر حدث من أمر الله عزوجل.
قال: وفى ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم " قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا " إلى آخر السورة.
وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا التفسير، وكذا قوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا، فلما قضى ولوا
__________
(1) سورة الاحزاب.
(2) الضمير يرجع إلى الرسول صلوات الله عليه.
(*)
إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم " الآيات، ذكرنا تفسير ذلك كله هناك.
قال محمد بن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمى بها - هذا الحى من ثقيف - وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بنى علاج، وكان أدهى العرب وأنكرها (1)، فقالوا له: يا عمرو ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم ؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التى يهتدى بها في البر والبحر، ويعرف بها الانواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس في معايشهم هي التى يرمى بها، فهو والله طى الدنيا، وهلاك هذا الخلق، وإن كانت نجوما غيرها وهى ثابتة على حالها فهذا لامر أراد الله به هذا الخلق فما هو ؟.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن امرأة من بنى سهم - يقال لها الغيطلة - كانت كاهنة في الجاهلية، جاءها صاحبها ليلة من الليالى فانقض تحتها، ثم قال: أدر ما أدر (2)، يوم عقر ونحر ؟ قالت قريش حين بلغها ذلك: ما يريد ؟ ثم جاءها ليلة أخرى فانقض تحتها ثم قال: شعوب (3) ما شعوب ؟ تصرع فيه كعب لجنوب.
فلما بلغ ذلك قريشا قالوا: ماذا يريد ؟ إن هذا لامر هو كائن فانظروا ما هو.
__________
(1) أنكرها: من النكر بمعنى الدهاء.
وفى ط خ: وأمكرها وهو تحريف.
(2) في الاكتفاء للكلاعي: بدر ما بدر.
وهو أصح.
(3) شعوب: جمع شعب.
ويشير إلى ذلك قوله: فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب.
(*)
فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب، فعرفوا أنه كان الذى جاء به إلى صاحبته.
قال ابن إسحاق: وحدثني على بن نافع الجرشى أن جنبا - بطنا من اليمن - كان لهم كاهن في الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب، قالت له جنب: انظر لنا في أمر هذا الرجل.
واجتمعوا له في أسفل جبله.
فنزل إليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له فرفع رأسه إلى السماء طويلا، ثم جعل ينزو، ثم قال: أيها الناس إن الله أكرم محمدا واصطفاه، وطهر قلبه وحشاه، ومكثه فيكم أيها الناس قليل.
ثم اشتد في جبله راجعا من حيث جاء.
ثم ذكر ابن إسحاق قصة سواد بن قارب.
وقد أخرناها إلى هواتف الجان.
فصل قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا إن مما دعانا إلى الاسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه لنا - أن كنا نسمع من رجل من يهود (1) - كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الآن نقلتكم معه قتل عاد وإرم.
فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به.
فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به.
ففينا وفيهم نزلت هذه الآية.
" ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما
__________
(1) ابن هشام: لما كنا نسمع من رجال من يهود.
(*)
معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " (1).
وقال ورقاء: عن ابن أبى نجيح، عن على الازدي: كانت اليهود تقول: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس يستفتحون به - أي يستنصرون به.
رواه البيهقى.
ثم روى من طريق عبد الملك ابن هارون بن عنبرة، عن أبيه، عن جده،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت اليهود بخيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالوا: اللهم نسألك بحق محمد النبي الامي الذى وعدتنا أن تخرجه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم.
قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان.
فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به.
فأنزل الله عزوجل " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا " الآية.
وروى عطية عن ابن عباس نحوه.
وروى عن عكرمة من قوله نحو ذلك أيضا.
قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود ابن لبيد، عن سلمة بن سلام (2) بن وقش، وكان من أهل بدر، قال: كان لنا جار من يهود في بنى عبد الاشهل، قال فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بنى عبد الاشهل.
قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا على فروة لى مصطجع فيها بفناء أهلى.
__________
(1) سورة البقرة (2) ابن هشام: بن سلامة.
(*)
فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار.
قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان ! أو ترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال: نعم، والذى يحلف به، ويود (1) أن له تحطة من تلك النار أعظم تنور في في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه وأن ينجو من تلك النار غدا.
قالوا له: ويحك يا فلان فما آية ذلك ؟ قال: نبى مبعوث من نحو هذه البلاد.
وأشار بيده إلى نحو مكة واليمن.
قالوا: ومتى نراه ؟ قال: فنظر إلى وأنا من أحدثهم سنا - فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة: فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حى بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا ! قال: فقلنا له ويحك يا فلان ! ألست بالذى قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال: بلى، ولكن ليس به.
رواه أحمد عن يعقوب عن أبيه عن ابن عباس.
ورواه البيهقى عن الحاكم بإسناده من طريق يونس بن بكير.
وروى أبو نعيم في الدلائل عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن محمد
__________
(1) ابن هشام: ولود.
(*)
ابن سلمة، قال: لم يكن في بنى عبد الاشهل إلا يهودى واحد يقال له يوشع، فسمعته يقول، وإنى لغلام في إزار: قد أظلكم خروج نبى يبعث من نحو هذا البيت.
ثم أشار بيده إلى بيت الله، فمن أدركه فليصدقه.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمنا وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدا وبغيا.
وقد قدمنا حديث أبى سعيد عن أبيه في إخبار يوشع هذا عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته، وإخبار الزبير بن باطا عن ظهور كوكب مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه الحاكم عن البيهقى بإسناده من طريق يونس بن بكير عنه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بنى قريظة قال قال لى: هل تدرى عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد - نفر من بنى هدل، إخوة بنى قريظة كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا ساداتهم في الاسلام ؟ قال: قلت لا.
قال: فإن رجلا من اليهود من أرض الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الاسلام بسنين.
فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس أفضل منه.
فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا.
فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدى مخرجكم صدقة.
فنقول له: كم ؟ فيقول: صاعا من تمر، أو مدين من شعير.
قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقى.
قد فعل ذلك غيره مرة ولا مرتين ولا ثلاثا.
قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجنى من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قال: قلنا أنت أعلم.
قال: فإنى إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبى الذرارى ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه.
فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بنى قريظة قال هؤلاء الفتية، وكانوا شبابا أحداثا،: يا بنى قريظة والله إنه للنبى الذى عهد إليكم فيه ابن الهيبان.
قالوا: ليس به.
قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته.
فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم.
قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود.
قلت: وقد قدمنا في قدوم تبع اليماني، وهو أبو كرب أسعد، إلى المدينة ومحاصرته إياها، وأنه خرج إليه ذانك الحبران من اليهود فقالا له: إنه لا سبيل لك عليها، إنها مهاجر نبى يكون في آخر الزمان.
فثناه ذلك عنها.
وقد روى أبو نعيم في الدلائل من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده.
قال: قال عبد الله بن سلام: إن الله لما أراد هدى زيد بن سعية قال زيد: لم يبق شئ من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في
وجه محمد صلى الله عليه وسلم، حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما.
قال: فكنت أتلطف له لان أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فذكر قصة إسلافه للنبى صلى الله عليه وسلم مالا في ثمرة.
قال: فلما حل الاجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه - وهو في جنازة مع أصحابه - ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت: يا محمد ألا تقضيني حقى ؟ فو الله ما علمتكم بنى عبد المطلب لمطل.
قال: فنظر إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير.
ثم قال: يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتفعل ما أرى ؟ فو الذى بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم.
ثم قال: " أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الاداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه.
وزد عشرين صاعا من تمر ".
فأسلم زيد بن سعية رضى الله عنه.
وشهد بقية المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفى عام تبوك رحمه الله.
ثم ذكر ابن إسحاق رحمه الله: إسلام سلمان الفارسى رضى الله عنه وأرضاه، فقال: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد الله بن عباس، قال: حدثنى سلمان الفارسى - من فيه - قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من أهل قرية يقال لها جى، وكان أبى دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل حبه إيادى حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية.
واجتهدت في المجوسية، حتى كنت قطن النار الذى يوقدها لا يتركها تخبو ساعة.
قال: وكانت لابي ضيعة عظيمة، قال: فشغل في بنيان له يوما فقال لى: يا بنى إنى قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب إليها فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد.
ثم قال لى: ولا تحتبس عنى فإنك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شئ من أمرى.
قال: فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون.
وكنت لا أدرى ما أمر الناس، لحبس أبى إياى في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم.
وقلت: هذا والله خير من الدين الذى نحن عليه.
فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبى فلم آتها.
ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين ؟ قالوا: بالشام.
فرجعت إلى أبى وقد بعث في طلبى وشغلته عن أمره كله.
فلما جئت قال: أي
بنى أين كنت ؟ ألم أكن أعهد إليك ما عهدته ؟ قال: قلت يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فو الله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس.
قال: أي بنى، ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه.
قال: قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا.
قال: فخافني فجعل في رجلى قيدا ثم حبسني في بيته.
قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني
بهم.
قال: فقدم عليهم ركب من الشام فجاءوني النصارى فأخبروني بهم.
فقلت: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنونى.
قال: فلما ارادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلى ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما ؟ قالوا الاسقف في الكنيسة.
قال فجئته فقلت له: إنى قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك فأصلى معك.
قال: ادخل.
فدخلت معه، فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا له شيئا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق.
قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع.
ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه.
فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا.
قال: فقالوا لى: وما علمك بذلك ؟ قال: فقلت لهم أنا أدلكم على كنزه.
قالوا:
فدلنا.
قال: فأريتهم موضعه، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها قالوا: لا ندفنه أبدا.
قال: فصلبوه ورجموه بالحجارة.
وجاءوا برجل آخر فوضعوه مكانه.
قال سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه، وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلا ونهارا.
قال: فأحببته حبا لم أحب شيئا قبله مثله.
قال: فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إنى قد كنت معك،
وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلى من توصى بى ؟ وبم تأمرني (1) ؟ قال: أي بنى والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، وهو على ما كنت عليه فالحق به.
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل.
فقلت: يا فلان، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره.
فقال لى: أقم عندي.
فأقمت عنده فوجدتة خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بى إليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى، وبم تأمرني ؟ قال: يا بنى والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه، إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به.
فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فأخبرته خبرى وما أمرنى به صاحباى.
فقال: أقم عندي.
فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمث مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى وبم تأمرني ؟
قال: يا بنى والله ما أعلمه بقى أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه، إلا رجل بعمورية من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه.
فإن أحببت فائته، فإنه على أمرنا.
فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبر، فقال: أقم عندي.
فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم.
قال: واكتسبت حتى كانت لى بقرات وغنيمة.
__________
(1) الاصل: وبم تأمرني به.
وهو لا يستقيم (*)
قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان إنى كنت مع فلان فأوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان.
ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى وبم تأمرني ؟ قال: أي بنى، والله ما أعلم أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبى مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض (1) بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغيب، ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث.
ثم مر بى نفر من كلب تجار، فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه.
قالوا: نعم.
فأعطيتهموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادى القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودى عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذى وصف لى صاحبي، ولم يحق في نفسي.
فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعنى منه، فاحتملني إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها، فأقمت بها.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام، ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه
من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة.
فو الله إنى لفى رأس عذق (2) لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: يا فلان قاتل الله بنى قيلة (3).
والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء على رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبى.
__________
(1) ط ح: الارض وهو تحريف (2) العذق: النخلة.
(3) بنو قيلة: الانصار.
(*)
قال سلمان: فلما سمعتها أخذتنى الرعدة حتى ظننت أنى ساقط على سيدى، فنزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول ؟ ماذا تقول ؟ قال: فغضب سيدى فلكمنى لكمة شديدة.
ثم قال مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك.
قال: فقلت لا شئ إنما أردت أن أستثبته عما قال.
قال: وقد كان عندي شئ قد جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شئ كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم.
قال: فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " كلوا " وأمسك يده فلم يأكل.
فقلت في نفسي: هذه واحدة.
ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئته فقلت له: إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها.
قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه.
قال: فقلت في نفسي هاتان ثنتان.
قال: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل
من أصحابه وعليه شملتان وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدبرته أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبي ؟ فلما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أنى أستثبت في شئ وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكى، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تحول " فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يا ابن عباس.
فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذاك أصحابه.
ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد.
قال سلمان: ثم قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " كاتب يا سلمان " فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير (1) وأربعين أوقية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاصحابه: " أعينوا أخاكم " فأعانوني في النخل: الرجل بثلاثين ودية (2)، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعشرة، يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لى ثلاثمائة ودية.
فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكن أنا أضعها بيدى ".
قال: ففقرت، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معى إليها، فجعلنا نقرب إليه الوادي، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، حتى إذا فرغنا، فو الذى نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة.
فأديت النخل وبقى على المال.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن.
فقال: " ما فعل الفارسى المكاتب ؟ " قال: فدعيت له قال: " خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان ".
قال: قلت: وأين تقع هذه مما على يا رسول الله ؟ قال: " خذها فإن الله سيؤدى بها عنك " قال: فأخذتها فوزنت لهم منها، والذى نفس سلمان بيده، أربعين أوقية،
فأوفيتهم حقهم.
وعتق سلمان، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حرا ثم لم يفتنى معه مشهد.
__________
(1) الفقير: البئر تغرس فيها الفسيلة.
(2) الودية: كغنية: صغار الفسيل.
(*)
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب، عن رجل من عبد القيس، عن سلمان أنه قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذى على يا رسول الله ؟ أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه، ثم قال: " خذها فأوفهم منها " فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية.
وقال محمد بن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، حدثنى من لا أتهم، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان قال: حدثت عن سلمان أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره أن صاحب عمورية قال له: إيت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين يخرج كل سنة من هذه الغيضة مستجيزا، يعترضه ذوو الاسقام فلا يدعو لاحد منهم إلا شفى فاسأله عن هذا الدين الذى تبتغى، فهو يخبرك عنه.
قال سلمان: فخرجت حتى جئت حيث وصف لى، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك حتى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الاخرى، فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفى، وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التى يريد أن يدخل إلا منكبه.
قال: فتناولته فقال: من هذا ؟ والتفت إلى.
قال: قلت يرحمك الله ! أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم.
قال: إنك لتسأل عن شئ ما يسأل عنه الناس اليوم، قد أظلك زمان نبى يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته فهو يحملك عليه.
ثم دخل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان: " لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت
عيسى بن مريم ".
هكذا وقع في هذه الرواية، وفيها رجل مبهم، وهو شيخ عاصم بن عمر بن قتادة.
وقد قيل إنه الحسن بن عمارة، ثم هو منقطع بل معضل بين عمر بن عبد العزيز وسلمان رضى الله عنه.
قوله: " لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم " غريب جدا بل منكر، فإن الفترة أقل ما قيل فيها أنها أربعمائة سنة، وقيل ستمائة سنة بالشمسية، وسلمان أكثر ما قيل أنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة.
وحكى العباس بن يزيد البحراني إجماع مشايخه على أنه عاش مائتين وخمسين سنة.
واختلفوا فيما زاد إلى ثلاثمائة وخمسين سنة والله أعلم.
والظاهر أنه قال لقد لقيت وصى عيسى بن مريم فهذا ممكن بالصواب.
وقال السهيلي: الرجل المبهم هو الحسن بن عمارة وهو ضعيف، وإن صح لم يكن فيه نكارة.
لان ابن جرير ذكر أن المسيح نزل من السماء بعد ما رفع فوجد أمه وامرأة أخرى يبكيان عند جذع المصلوب، فأخبرهما أنه لم يقتل، وبعث الحواريين بعد ذلك.
قال: وإذا جاز نزوله مرة جاز نزوله مرارا ثم يكون نزوله الظاهر حين يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويتزوج حينئذ امرأة من بنى جذام، وإذا مات دفن في حجرة روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روى البيهقى في كتاب دلائل النبوة قصة سلمان هذه من طريق يونس ابن بكير، عن محمد بن إسحاق كما تقدم ورواها أيضا عن الحاكم عن الاصم بن يحيى ابن أبى طالب.
حدثنا على بن عاصم، حدثنا حاتم بن أبى صفرة، عن سماك بن حرب، عن يزيد
ابن صوحان، أنه سمع سلمان يحدث كيف كان أول إسلامه.
فذكر قصة طويلة وذكر أنه
كان من رامهرمز، وكان له أخ أكبر منه غنى، وكان سلمان فقيرا في كنف أخيه، وأن ابن دهقانها (1) كان صاحبا له، وكان يختلف معه إلى معلم لهم، وأنه كان يختلف ذلك الغلام إلى عباد من النصارى في كهف لهم، فسأله سلمان أن يذهب به معه إليهم، فقال له: إنك غلام وأخشى أن تنم عليهم فيقتلهم أبى.
فالتزم له أن لا يكون منه شئ يكرهه.
فذهب به معه فإذا هم ستة أو سبعة، كأن الروح قد خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا.
فذكر عنهم أنهم يؤمنون بالرسل المتقدمين، وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته، أيده بالمعجزات.
وقالوا له: يا غلام إن لك ربا، وإن لك معادا، وإن بين يديك جنة ونارا، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة، لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دينه.
ثم جعل يتردد مع ذلك الغلام إليهم، ثم لزمهم سلمان بالكلية، ثم أجلاهم ملك تلك البلاة، وهو أبو ذلك الغلام الذى صحبه سلمان إليهم عن أرضه، واحتبس الملك ابنه عنده، وعرض سلمان دينهم على أخيه الذى هو أكبر منه فقال: إنى مشتغل بنفسى في طلب المعيشة.
فارتحل معهم سلمان حتى دخلوا كنيسة الموصل، فسلم عليهم أهلها ثم أرادوا أن يتركوني عندهم، فأبيت إلا صحبتهم.
فخرجوا حتى أتوا واديا بين جبال، فتحدر إليهم رهبان تلك الناحية يسلمون عليهم واجتمعوا إليهم، وجعلوا يسألونهم عن غيبتهم عنهم ويسألونهم عنى فيثنون على خيرا.
__________
(1) الدهقان: رئيس الاقليم أو زعيم فلاحى العجم.
معرب.
(*)
وجاء رجل معظم فيهم فحطبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وذكر الرسل وما أيدوا به، وذكر عيسى بن مريم، وأنه كان عبد الله ورسوله، وأمرهم بالخير ونهاهم عن الشر، ثم لما أرادوا الانصراف تبعه سلمان ولزمه.
قال فكان يصوم النهار ويقوم الليل من الاحد إلى الاحد، فيخرج إليهم ويعظهم ويأمرهم وينهاهم، فمكث على ذلك مدة طويلة، ثم أراد أن يزور بيت المقدس فصحبه سلمان إليه.
قال: فكان فيما يمشى يلتفت إلى ويقبل على فيعظني ويخبرني أن لى ربا، وأن بين يدى جنة ونارا وحسابا ويعلمني ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الاحد.
قال فيما يقول لى: يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد، يخرج من تهامة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم [ النبوة ] وهذا زمانه الذى يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإنى شيخ كبير ولا أحسبنى أدركه، فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه.
قلت له: وإن أمرنى بترك دينك وما أنت عليه ؟ قال: وإن أمرك، فإن الحق فيما يجئ به ورضا الرحمن فيما قال.
ثم ذكر قدومهما إلى بيت المقدس، وأن صاحبه صلى فيه هاهنا وهاهنا، ثم نام وقد أوصاه أنه إذا بلغ الظل مكان كذا أن يوقظه، فتركه سلمان حينا آخر أزيد مما قال ليستريح، فلما استيقظ ذكر الله ولام سلمان على ترك ما أمره من ذلك.
ثم خرجا من بيت المقدس فسأله مقعد فقال: يا عبد الله سألتك حين وصلت فلم تعطنى شيئا، وها أنا أسألك.
فنظر فلم يجد أحدا فأخذ بيده وقال: قم بسم الله.
فقام وليس به بأس ولا قلبة (1) كأنما نشط من عقال.
فقال لى: يا عبد الله، احمل على متاعى حتى أذهب إلى أهلى فأبشرهم، فاشتغلت به، ثم أدركت الرجل فلم ألحقه ولم أدر أين ذهب، وكلما سألت عنه قوما قالوا: أمامك.
__________
(1) القلبة: محركة داء وألم من علة.
(*)
حتى لقيني ركب من العرب من بنى كلب فسألتهم، فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني خلفه حتى أتوا بى بلادهم.
فباعوني فاشترتني امرأد من الانصار فجعلتني في حائط لها.
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر ذهابه إليه بالصدقة والهدية ليستعلم ما قال صاحبه، ثم تطلب النظر إلى خاتم النبوة، فلما رآه آمن من ساعته، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره الذى جرى له.
قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق فاشتراه من سيدته فأعتقه.
قال: ثم سألته يوما عن دين النصارى فقال: لا خير فيهم.
قال: فوقع في نفسي من أولئك الذين صحبتهم، ومن ذلك الرجل الصالح الذى كان معى ببيت المقدس، فدخلني من ذلك أمر عظيم، حتى أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت وأنا خائف، فجلست بين يديه فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " الآيات.
ثم قال: " يا سلمان أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى كانوا مسلمين " فقلت: يا رسول الله والذى بعثك بالحق لهو أمرنى باتباعك، فقلت له: فإن أمرنى بترك دينك وما أنت عليه ؟ قال: نعم فاتركه، فإن الحق وما يرضى الله فيما يأمرك.
وفى هذا السياق غرابة كثيرة وفيه بعض المخالفة لسياق محمد بن إسحاق، وطريق محمد بن إسحاق أقوى إسنادا وأحسن اقتصاصا وأقرب إلى ما رواه البخاري في صحيحه من
حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمى، عن أبيه، عن أبى عثمان النهدي، عن سلمان الفارسى، أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب، أي من معلم إلى معلم ومرب إلى مثله.
والله أعلم.
قال السهيلي: تداوله ثلاثون سيدا من سيد إلى سيد، فالله أعلم.
وكذلك استقصى قصة إسلامه الحافظ أبو نعيم في " الدلائل " وأورد لها أسانيد وألفاظا كثيرة، وفى بعضها أن اسم سيدته التى كاتبته حلبسة.
فالله أعلم.
ذكر أخبار غريبة في ذلك قال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكرياء الغلابى (1)، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبى السوية المنقرى، حدثنا عباد بن كسيب، عن أبيه، عن أبى عتوارة الخزاعى، عن سعير بن سوادة العامري قال: كنت عشيقا لعقيلة من عقائل الحى، أركب لها الصعب والذلول لا أبقى من البلاد مسرحا أرجو ربحا في متجر إلا أتيته، فانصرفت من الشام بحرث وأثاث أريد به كبة الموسم (2) ودهماء العرب، فدخلت مكة بليل مسدف، فأقمت حتى تعرى عنى قميص الليل فرفعت رأسي فإذا قباب مسامتة شعف الجبال، مضروبة بأنطاع الطائف، وإذا جزر تنحر وأخرى تساق، وإذا أكلة وحثثة على الطهاة يقولون ألا عجلوا ألا عجلوا، وإذا رجل يجهر على نشر من الارض ينادى: يا وفد الله ميلوا إلى الغداء.
وأنيسان على مدرجة يقول: يا وفد الله من طعم فليرح إلى العشاء.
فجهرني (3) ما رأيت فأقبلت أريد عميد القوم، فعرف
__________
(1) هو أبو بكر محمد بن زكريا بن دينار الغلابى البصري يعرف بزكرويه (2) الكبة: الزحام.
(3) جهرنى: راعني (*)
رجل الذى بى، فقال: أمامك.
وإذا شيخ كأن في خديه الاساريع (1)، وكأن
الشعرى (2) توقد من جبينه، قد لاث على رأسه عمامة سوداء قد أبرز من ملائها جمة (3) فينانة كأنها سماسم (4).
قال في بعض الروايات: تحته كرسى سماسم (4) وممن دونها نمرقة، بيده قضيب متخصر به، حوله مشايخ جلس نواكس الاذقان، ما منهم أحد يفيض بكلمة.
وقد كان نمى إلى خبر من أخبار الشام أن النبي الامي هذا أوان نجومه، فلما رأيته ظننته ذلك فقلت: السلام عليك يا رسول الله.
فقال: مه مه، كلا وكأن قد، وليتني إياه.
فقلت: من هذا الشيخ ؟ فقالوا هذا أبو نضلة، هذا هاشم بن عبد مناف، فوليت وأنا أقول: هذا والله المجد لا مجد آل جفنة - يعنى ملوك عرب الشام من غسان كان يقال لهم آل جفنة -.
وهذه الوظيفة التى حكاها عن هاشم هي الفادة يعنى إطعام الحجيج زمن الموسم.
وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن أحمد بن أبى يحيى، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا على بن قتيبة الخراساني، حدثنا خالد بن الياس، عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى الجهم، عن أبيه عن جده.
قال سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني، ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش وعلى مطرف خز وجمتى تضرب منكبي، فلما نظرت إلى عرفت في وجهى التغير، وأنا يومئذ سيد قومي فقالت: ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون ؟ هل رابه من حدثان الدهر شئ ؟ فقلت لها: بلى !
__________
(1) الاساريع لها معان كثيرة منها: دود بيض حمر الرؤوس (2) الشعرى: نجم عظيم.
(3) الجمة: مجتمع شعر الرأس.
(4) السماسم: الاولى عيدان السمسم، والثانية خشب أسود.
(*)
وكان لا يكملها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى، ثم يضع يده على أم رأسها ثم يذكر حاجته، ولم أفعل لانى [ كنت (1) ] كبير قومي.
فجلست فقلت: إنى رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة نبتت (2) قد نال
رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا، ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهى تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا، ساعة تخفى وساعة تزهر، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا، فيكسر أظهرهم (3) ويقلع أعينهم.
فرفعت يدى لا تناول منها نصيبا، فمنعني الشاب، فقلت: لمن النصيب ؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك إليها.
فانتبهت مذعورا فزعا.
فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس.
ثم قال - يعنى عبد المطلب - لابي طالب لعلك تكون هذا المولود (4).
قال: فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ما بعث.
ثم قال (5) كانت الشجرة والله أعلم أبا القاسم الامين، فيقال لابي طالب: ألا تؤمن ؟ فيقول: السبة والعار !
__________
(1) من الدلائل.
(2) الاصل: تنبت، وهو تحريف.
(3) الدلائل: أضلعهم.
وفى الخصائص: أظهرهم.
وما أثبته من الدلائل.
(4) كذا بالاصل ودلائل النبوة وهو تحريف، وصوابه رواية ابن الجوزى في الوفا حيث قال: " ثم قالت لابي طالب: لعلك أن تكون عم هذا المولود " الوفا 80 بتحقيقي.
(5) الدلائل: " فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبى صلى الله عليه وسلم قد خرج ويقول: كانت الشجرة..الخ..(*)
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكرياء الغلابى، حدثنا العباس بن بكار الضبى، حدثنا أبو بكر الهذلى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال العباس: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب - منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت
اليمن فكنت أصنع يوما طعاما وأنصرف بأبى سفيان وبالنفر، ويصنع أبو سفيان يوما، ويفعل مثل ذلك، فقال لى في يومى الذى كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتى وترسل إلى غداءك ؟ فقلت: نعم.
فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء، فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني.
فقال: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول الله ؟ فقلت: أي بنى أخى ؟ فقال أبو سفيان: إياى تكتم ؟ ! وأى بنى أخيك ينبغى أن يقول هذا إلا رجل واحد ! قلت وأيهم على ذلك ؟ قال: هو محمد بن عبد الله.
فقلت: قد فعل ؟ قال: بلى قد فعل.
وأخرج كتابا باسمه من ابنه حنظلة بن أبى سفيان فيه: أخبرك أن محمدا قام بالابطح فقال: " أنا رسول أدعوكم إلى الله عزوجل " فقال العباس: قلت أجده يا أبا حنظلة صادقا.
فقال: مهلا يا أبا الفضل، فو الله ما أحب أن يقول مثل هذا، إنى لا أخشى أن يكون على ضير من هذا الحديث يا بنى عبد المطلب، إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم هنة وهنة، كل واحدة منهما غاية ! لنشدتك يا أبا الفضل هل سمعت ذلك ؟ قلت: نعم قد سمعت.
قال فهذه والله شؤمتكم.
قلت: فلعلها يمنتنا.
قال: فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس اليمن، وكان أبو سفيان يجلس مجلسا باليمن يتحدث فيه حبر من
أحبار اليهود، فقال له اليهودي: ما هذا الخبر ؟ بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الذى قال ما قال ؟ قال أبو سفيان: صدقوا، وأنا عمه، فقال اليهودي: أخو أبيه ؟ قال: نعم.
قال: فحدثني عنه.
قال: لا تسألني ! ما أحب أن يدعى هذا الامر أبدا، وما أحب أن أعيبه وغيره خير منه.
فرأى اليهودي أنه لا يغمس عليه ولا يحب أن يعيبه.
فقال اليهودي: ليس به بأس على اليهود، وتوراة موسى.
قال العباس: فناداني الحبر، فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس من الغد، وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر، فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمى عن رجل منا زعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرك أنه عمه، وليس بعمه، ولكن ابن عمه، وأنا عمه وأخو أبيه.
قال: أخو أبيه ؟ قلت: أخو أبيه.
فأقبل على أبى سفيان فقال: صدق ؟ قال: نعم صدق.
فقلت: سلنى فإن كذبت فليرد على.
فأقبل على فقال: نشدتك هل كان لابن أخيك صبوة أو سفهة.
قلت: لا وإله عبد المطلب، ولا.
كذب ولا خان، وإنه كان اسمه عند قريش الامين.
قال: فهل كتب بيده ؟ قال العباس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبى سفيان يكذبنى ويرد على فقلت: لا يكتب.
فوثب الحبر ونزل رداؤه وقال: ذبحت يهود، وقتلت يهود ! قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا، قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إن اليهود تفزع من ابن أخيك.
قلت: قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقا كنت قد سبقت، وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك.
قال: لا أو من به حتى أرى الخيل في كداء (1).
قلت: ما تقول ؟ قال: كلمة جاءت على فمى، إلا أنى أعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء.
قال العباس: فلما استفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ونظرنا إلى الخيل وقد طلعت من كداء، قلت: يا أبا سفيان تذكر الكلمة ؟ ! قال: إى والله إنى لذاكرها ! فالحمد لله الذى هداني للاسلام.
وهذا سياق حسن عليه البهاء والنور وضياء الصدق، وإن كان في رجاله من هو متكلم فيه.
والله أعلم.
وقد تقدم ما ذكرناه في قصة أبى سفيان مع أمية بن أبى الصلت، وهو شبيه بهذا الباب، وهو من أغرب الاخبار وأحسن السياقات وعليه النور.
وسيأتى أيضا قصة أبى سفيان مع هرقل ملك الروم حين سأله عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله، واستدلاله بذلك على صدقه ونبوته ورسالته.
وقال له: كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أكن أظن أنه فيكم، ولو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ولئن كان ما تقول حقا ليملكن موضع قدمى هاتين.
وكذلك وقع ولله الحمد والمنة.
__________
(1) كداء: ثنية بأعلى مكة عند المحصب.
(*)
وقد أكثر الحافظ أبو نعيم من إيراد الآثار والاخبار عن الرهبان والاحبار والعرب، فأكثر وأطنب وأحسن وأطيب.
رحمه الله ورضى عنه.
قصة عمرو بن مرة الجهنى (1) قال الطبراني: حدثنا على بن إبراهيم الخزاعى الاهوازي، حدثنا عبد الله ابن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن عبد الله بن شريح بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا أبى، عن أبيه دلهاث، عن أبيه إسماعيل، أن
أباه عبد الله حدثه عن أبيه، أن أباه ياسر بن سويد حدثه عن عمرو بن مرة الجهنى قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في نومى وأنا بمكة، نورا ساطعا [ خرج (2) ] من الكعبة حتى وصل إلى جبل يثرب وأشعر جهينة (3).
فسمعت صوتا بين النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الانبياء.
ثم أضاء إضاءة أخرى، حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن (4)، وسمعت صوتا من النور وهو يقول: ظهر الاسلام، وكسرت الاصنام، ووصلت الارحام.
فانتبهت فزعا فقلت لقومي: والله ليحدثن لهذا الحى من قريش حدث.
وأخبرتهم بما رأيت.
__________
(1) هذه القصة ليست في النسخة ا وهى مثبتة في المطبوعة من النسخة الحلبية.
(2) من الوفا.
(3) هو جبل جهينة ينحدر على ينبع من أعلاه.
(4) أبيض المدائن: قصر كسرى.
(*)
فلما انتهينا إلى بلادنا جاءني [ الخبر أن رجلا (1) ] يقال له أحمد قد بعث.
فأتيته (2) فأخبرته بما رأيت.
فقال [ لى (1) ] " يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة، أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الارحام، وعبادة الله ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان [ شهر (1) ] من اثنى عشر شهرا.
فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار.
فآمن يا عمرو يؤمنك الله من هول جهنم ".
فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، آمنت بما جئت من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الاقوام.
ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به.
وكان
لنا صنم، وكان أبى سادنا له فقمت إليه فكسرته.
ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الاحجار أول تارك وشمرت عن ساقى الازار مهاجرا * إليك أجوب القفر بعد الدكادك (3) لاصحب خير الناس نفسا ووالدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مرحبا بك يا عمرو بن مرة ".
فقلت: يا رسول الله ابعثنى إلى قومي، لعل الله يمن عليهم بى كما من على بك.
فبعثني إليهم.
وقال: " عليك بالرفق والقول السديد.
ولا تكن فظا.
ولا متكبرا ولا حسودا ".
فذكر أنه أتى قومه، فدعاهم إلى ما دعاه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا
__________
(1) من الوفا.
(2) الوفا: فخرجت حتى أتيته.
(3) الدكادك: أرض فيها غلظ.
وفى الوفا: أجوب إليك الدعث بعد الدكادك.
والدعث: الارض المستوية (*)
كلهم، إلا رجلا واحدا منهم، وأنه وفد بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فرحب بهم وحياهم.
وكتب لهم كتابا هذه نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا كتاب [ أمان (1) ] من الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكتاب صادق، وحق ناطق مع عمرو بن مرة الجهنى لجهينة بن زيد: إن لكم بطون الارض وسهولها، وتلاع الاودية وظهورها (2)، تزرعون (3) نباته وتشربون صافيه، على أن تقروا بالخمس، وتصلوا صلاة الخمس، وفى التبيعة والصريمة [ شاتان (1) ] إن اجتمعتا وإن تفرقتا شاة شاة، ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة وشهد على نبينا صلى الله عليه وسلم من حضر من المسلمين (4) بكتاب قيس ابن شماس ".
وذكر شعرا قاله عمرو بن مزة في ذلك كما هو مبسوط من المسند الكبير وبالله الثقة وعليه التكلان.
وقال الله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (5) ".
قال كثيرون من السلف: لما أخذ الله ميثاق بنى آدم يوم (ألست بربكم ؟) أخذ من النبيين ميثاقا خاصا، وأكد مع هؤلاء الخمسة أولى العزم أصحاب الشرائع الكبار الذين أولهم نوح وآخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
__________
(1) من الوفا.
(2) في الوفا: إن لكم بطون الارض وظهورها وتلاع الاودية وسهولها.
وهو أصح وأولى والتلاع: جمع تلعة: ما ارتفع من الارض.
(3) الوفا: ترعون نباته، وهو أصح.
(4) الوفا: والله يشهد على ما بينا ومن حضر من المسلمين.
(5) سورة الاحزاب آية 7.
(*)
وقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة " من طرق عن الوليد بن مسلم، حدثنا الاوزاعي، حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة، عن أبى هريرة: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: متى وجبت لك النبوة ؟ قال: " بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ".
وهكذاه رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم.
وقال: حسن غريب من حديث أبى هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي حدثنا أبو جعفر النفيلى، حدثنا عمرو بن واقد، عن عروة بن رويم، عن الصنابحى (1).
قال: قال عمر: يا رسول الله، متى جعلت نبيا ؟ قال: " وآدم منجدل في الطين ".
ثم رواه من حديث نصر بن مزاحم، عن قيس بن ربيع، عن جابر الجعفي، عن الشعبى، عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين
الروح والجسد ".
وفى الحديث الذى أوردناه في قصة آدم حين استخرج الله من صلبه ذريته خص الانبياء بنور بين أعينهم.
والظاهر - والله أعلم - أنه كان على قدر منازلهم ورتبهم عند الله.
وإذا كان الامر كذلك فنور محمد صلى الله عليه وسلم كان أظهر وأكبر وأعظم منهم كلهم.
وهذا تنويه عظيم وتنبيه ظاهر على شرفه وعلو قدره.
وفى هذا المعنى الحديث الذى قال الامام أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبى، عن عبد الاعلى بن هلال السلمى،
__________
(1) الصنابحى: بضم الصاد وفتح النون وبعد الالف باء موحدة مكسورة ثم حاء، نسبة إلى صنابح بن زاهر بن عامر بن عوثبان بن زاهر بن يحابر، اللباب 2 / 6 (*)
عن العرباض بن سارية.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى بى، ورؤيا أمي التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين ".
ورواه الليث وابن وهب عن عبد الرحمن بن مهدى، وعبد الله بن صالح عن معاوية ابن صالح وزاد " إن أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام ".
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا منصور بن سعيد، عن بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ".
إسناده جيد أيضا.
وهكذا رواه إبراهيم بن طهمان، وحماد بن زيد وخالد الحذاء عن بديل بن
ميسرة به.
ورواه أبو نعيم عن محمد بن عمر بن أسلم، عن محمد بن بكر بن عمرو الباهلى، عن شيبان، عن الحسن بن دينار، عن عبد الله بن سفيان، عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ".
وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه " دلائل النبوة " (1): حدثنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج، وسعيد، عن قتادة، عن الحسن عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم " قال: " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ".
__________
(1) ليس في دلائل النبوة المطبوع.
(*)
ثم رواه من طريق هشام بن عمار عن بقية، عن سعيد بن نسير، عن قتادة، عن الحسن، عن أبى هريرة مرفوعا مثله.
وقد رواه من طريق سعيد بن أبى عروبة وشيبان، عن قتادة قال: ذكر لنا أن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثله.
وهذا أثبت وأصح والله أعلم.
وهذا إخبار عن التنويه بذكره في الملا الاعلى وأنه معروف بذلك بينهم بأنه خاتم النبيين وآدم لم ينفخ فيه الروح، لان علم الله تعالى بذلك سابق قبل خلق السموات والارض لا محالة، فلم يبق إلا هذا الذى ذكرناه من الاعلام به في الملا الاعلى والله أعلم.
وقد أورد أبو نعيم من حديث عبد الرازق عن معمر، عن همام، عن أبى هريرة الحديث المتفق عليه: " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة (1) المقضى لهم قبل الخلائق بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ".
وزاد أبو نعيم في آخره: فكان صلى الله عليه وسلم آخرهم في البعث وبه ختمت النبوة.
وهو السابق يوم القيامة، لانه أول مكتوب في النبوة والعهد.
ثم قال: ففى هذا الحديث الفضيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوجب الله له النبوة قبل تمام خلق آدم، ويحتمل أن يكون هذا الايجاب هو ما أعلم الله ملائكته ما سبق في علمه وقضائه من بعثته له في آخر الزمان.
وهذا الكلام يوافق ما ذكرناه ولله الحمد.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - وفيه كلام -
__________
(1) الذى في دلائل النبوة المطبوع إلى هنا ولم يستكمل الحديث ولم يذكر التعليق المذكور هنا، وهذا يؤكد أن النسخة المطبوعة إنما هي مختصر لكتاب دلائل النبوة وليست هي الكتاب نفسه.
انظر دلائل النبوة ص 17 (*)
عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لى، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد ؟ فقال: يا رب لانك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوادم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله: صدقت يا آدم إنه لاحب الخلق إلى، وإذ قد سألتنى بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك ".
قال البيهقى: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف والله أعلم.
وقد قال الله تعالى " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.
قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى ؟ قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين.
فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " (1).
قال على بن أبى طالب وعبد الله بن عباس رضى الله عنهما: ما بعث الله نبيا من الانبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه [ وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه ] (2).
وهذا تنويه وتنبيه على شرفه وعظمته في سائر الملل وعلى ألسنة الانبياء، وإعلام لهم ومنهم برسالته في آخر الزمان.
وأنه أكرم المرسلين وخاتم النبيين.
وقد أوضح أمره وكشف خبره وبين سره، وجلى مجده ومولده وبلده إبراهيم الخليل في قوله عليه السلام حين فرغ من بناء البيت " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم
__________
(1) سورة آل عمران آية 81، 82 (2) سقطت من ا.
(*)
يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) (1).
فكان أول بيان أمره على الجلية والوضوح بين أهل الارض، على لسان إبراهيم الخليل أكرم الانبياء على الله بعد محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهما وعلى سائر الانبياء.
ولهذا قال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج - يعنى ابن فضالة - حدثنا لقمان بن عامر، سمعت أبا أمامة قال: قلت يا نبى الله ما كان بدء أمرك ؟ قال: " دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام ".
تفرد به الامام أحمد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.
وروى الحافظ أبو بكر بن أبى عاصم في كتاب " المولد " من طريق بقية، عن صفوان بن عمرو، عن حجر بن حجر، عن أبى مريق، أن أعرابيا قال: يا رسول الله
أي شئ كان أول أمر نبوتك ؟ فقال " أخذ الله منى الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم [ ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام ] (2).
وقال الامام محمد بن إسحاق بن يسار: حدثنى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك.
__________
(1) سورة البقرة 129 (2) ليست في ا (*)
قال: " دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حبلت كأنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام ".
إسناده جيد أيضا.
وفيه بشارة لاهل محلتنا أرض بصرى، وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة، ولله الحمد والمنة.
ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام، وكان فتحها صلحا في خلافة أبى بكر رضى الله عنه.
وقد قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين في صحبة عمه أبى طالب وهو ابن اثنتى عشرة سنة، وكانت عندها قصة بحيرى الراهب كما بيناه.
والثانية ومعه ميسرة مولى خديجة في تجارة لها.
وبها مبرك الناقة التى يقال لها ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بركت عليه فأثر ذلك فيها فيما يذكر، ثم نقل وبنى عليه مسجد مشهور اليوم.
وهى المدينة التى أضاءت أعناق الابل عندها من نور النار التى خرجت من أرض الحجاز سنة أربع وخمسين وستمائة وفق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " تخرج نار من أرض الحجاز تضئ لها أعناق
الابل ببصرى ".
وقال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون) (1).
__________
(1) سورة الاعراف 157 (*)
قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن الجريرى، عن أبى صخر العقيلى، حدثنى رجل من الاعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغت من بيعي قلت لالقين هذا الرجل فلاسمعن منه.
قال: فتلقاني بين أبى بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزى بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنشدك بالذى أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي ؟ " فقال برأسه هكذا - أي لا - فقال ابنه: إى والذى أنزل التوراة، إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
فقال: " أقيموا اليهودي عن أخيكم " ثم ولى كفنه والصلاة عليه.
هذا إسناد جيد وله شواهد في الصحيح عن أنس بن مالك رضى الله عنه.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا عبد الواحد بن غياث - أبو بحر - حدثنا عبد العزيز ابن مسلم، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن الصلتان بن عاصم وذكر أن خاله قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ شخص بصره إلى رجل، فإذا يهودى عليه قميص وسراويل ونعلان.
قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه وهو يقول:
يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى عليه وسلم: " وسلم أتشهد أنى رسول الله ؟ " قال: لا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتقرأ التوراة ؟ " قال: نعم.
قال: " أتقرأ الانجيل ؟ " قال: نعم.
قال: " والقرآن ؟ " قال: لا.
ولو تشاء قرأته.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فبم تقرأ التوراة والانجيل، أتجدني نبيا ؟ " قال: إنا نجد نعتك ومخرجك، فلما خرجت رجونا أن تكون فينا، فلما رأيناك عرفناك أنك لست به.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولم يا يهودى ؟ " قال: إنا نجده مكتوبا: يدخل من أمته الجنة سبعون ألفا بغير حساب، ولا نرى معك إلا نفرا يسيرا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أمتى لاكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا ".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه.
وقال محمد بن إسحاق عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبى هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يهود ] فقال " أخرجوا أعلمكم " فقالوا: عبد الله بن صوريا.
فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناشده بدينه، وما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام " أتعلمني رسول الله ؟ " قال: اللهم نعم.
وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك لمبين في التوراة، ولكنهم حسدوك.
قال " فما يمنعك أنت ؟ " قال: أكره خلاف قومي.
وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم.
وقال سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر " بسم الله
الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى، وأخيه، والمصدق بما جاء به موسى، ألا إن الله قال لكم: يا معشر يهود وأهل التوراة، إنكم تجدون ذلك في كتابكم: إن محمدا (رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود.
ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب
الزراع ليغيظ بهم الكفار.
وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما).
وإنى أنشدكم بالله وبالذي أنزل عليكم، وأنشدكم بالذى أطعم من كان قبلكم من أسلافكم وأسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذى أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاكم من فرعون وعمله، إلا أخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد ؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم قد تبين الرشد من الغى.
وأدعوكم إلى الله وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم ".
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب " المبتدأ " عن سعيد بن بشير، عن قتادة عن كعب الاحبار، وروى غيره عن وهب بن منبه أن بختنصر بعد أن خرب بيت المقدس، واستذل بنى إسرائيل بسبع سنين، رأى في المنام رؤيا عظيمة هالته، فجمع الكهنة والحزار، وسألهم عن رؤياه تلك.
فقالوا: ليقصها الملك حتى نخبره بتأويلها.
فقال: إنى نسيتها، وإن لم تخبروني بها إلى ثلاثة أيام قتلتكم عن آخركم.
فذهبوا خائفين وجلين من وعيده.
فسمع بذلك دانيال عليه السلام وهو في سجنه.
فقال للسجان: اذهب إليه فقل له: إن هاهنا رجلا عنده علم رؤياك وتأويلها.
فذهب إليه فأعلمه فطلبه، فلما دخل عليه لم يسجد له.
فقال له: ما منعك من السجود لى ؟ فقال: إن الله آتانى علما وعلمني وأمرني أن لا أسجد لغيره.
فقال له
بختنصر: إنى أحب الذين يوفون لاربابهم بالعهود.
فأخبرني عن رؤياي.
قال له دانيال: رأيت صنما عظيما رجلاه في الارض ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب ووسطه فضة، وأسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخار، فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء، فوقع على قمة رأسه حتى طحنه
واختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره، حتى تخيل لك أنه لو اجتمع الانس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك.
ونظرت إلى الحجر الذى قذف به يربو ويعظم وينتشر، حتى ملا الارض كلها فصرت لا ترى إلا الحجر والسماء.
فقال له بختنصر: صدقت، هذه الرؤيا التى رأيتها، فما تأويلها ؟ فقال دانيال: أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفى وسطه وفى آخره، وأما الحجر الذى قذف به الصنم فدين يقذف الله به هذه الامم في آخر الزمان فيظهره عليها، فيبعث الله نبيا أميا من العرب فيدوخ به الامم والاديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم، ويظهر على الاديان والامم كما رأيت الحجر ظهر على الارض كلها، فيمحص الله به الحق ويزهق به الباطل ويهدى به أهل الضلالة، ويعلم بن الاميين ويقوى به الضعفة ويعز به الاذلة، وينصر به المستضعفين.
وذكر تمام القصة في إطلاق بختنصر بنى إسرائيل على يدى دانيال عليه السلام.
وذكر الواقدي بأسانيده عن المغيرة بن شعبة في قصة وفوده على المقوقس ملك الاسكندرية وسؤاله له عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من سؤال هرقل لابي سفيان صخر بن حرب، وذكر أنه سأل أساقفة النصارى في الكنائس عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه عن ذلك، وهى قصة طويلة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الدلائل (1).
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمدراس (2) اليهود فقال
__________
(1) دلائل النبوة.
(2) المدارس: هو البيت الذى يقرأ فيه اليهود كتبهم.
وفى ط: بمدارس، وهو تحريف.
(*)
لهم: " يا معشر اليهود أسلموا، فو الذى نفسي بيده إنكم لتجدون صفتي في كتبكم " الحديث.
وقال الامام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن على، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة.
فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للاميين، أنت عبدى ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيموا الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، يفتح به أعينا عميا وآذنا صما وقلوبا غلفا.
ورواه البخاري عن محمد بن سنان العوفى عن فليح به.
ورواه أيضا عن عبد الله - قيل بن رجاء، وقيل ابن صالح - عن عبد العزيز بن أبى سلمة، عن هلال بن علوية، ولفظه قريب من هذا وفيه زيادة.
ورواه ابن جرير من حديث فليح، عن هلال عن عطاء، وزاد: قال عطاء: فلقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلف حرفا.
وقال: " في البيوع ".
وقال: سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام.
قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أخبرناه أبو الحسين بن المفضل القطان، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثنى خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبى هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سلام أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا
ونذيرا وحرزا للاميين، أنت عبدى ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزى السيئة بمثلها ولكن يعفو ويتجاوز، ولن يقبضه
حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله، يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.
وقال عطاء بن يسار: وأخبرني الليثى أنه سمع كعب الاحبار يقول مثل ما قال ابن سلام.
قلت: وهذا عن عبد الله بن سلام أشبه، ولكن الرواية عن عبد الله بن عمرو أكثر، مع أنه كان قد وجد يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يحدث عنهما كثيرا.
وليعلم أن كثيرا من السلف كانوا يطلقون " التوراة " على كتب أهل الكتاب، فهى عندهم أعم من التى أنزلها الله على موسى.
وقد ثبت شاهد ذلك من الحديث.
وقال يونس: عن محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن ابن أبى أوفى، عن أم الدرداء: قالت:: قلت لكعب الاحبار: كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ؟ قال: نجده: محمد رسول الله، اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، وأعطى المفاتيح، فيبصر الله به أعينا عورا، ويسمع آذانا وقرا، ويقيم به ألسنا معوجة، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله واحد لا شريك له، يعين به المظلوم ويمنعه.
وقد روى عن كعب من غير هذا الوجه.
وروى البيهقى، عن الحاكم، عن أبى الوليد الفقيه، عن الحسن بن سفيان، حدثنا عتبة بن مكرم، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حدثنا حمزة بن الزيات، عن سليمان
الاعمش، عن على بن مدرك، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة (وما كنت بجانب الطور
إذ نادينا) قال: نودوا: يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألونى.
وذكر وهب بن منبه أن الله تعالى أوحى إلى داود في الزبور: يا داود إنه سيأتي من بعدك نبى اسمه أحمد ومحمد، صادقا سيدا لا أغضب عليه أبدا، ولا يغضبني أبدا، وقد غفرت له قبل أن يعصينى ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة، أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الانبياء، وفرضت عليهم الفرائض التى افترضت على الانبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الانبياء.
إلى أن قال: يا داود إنى فضلت محمدا وأمته على الامم كلها.
والعلم بأنه موجود في كتب أهل الكتاب معلوم من الدين ضرورة، وقد دل على ذلك آيات كثيرة في الكتاب العزيز تكلمنا عليها في مواضعها ولله الحمد.
فمن ذلك قوله (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) (1).
وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (2).
وقال تعالى (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (3)) أي إن كان وعدنا ربنا بوجود محمد وإرساله لكائن لا محالة.
فسبحان القدير على ما يشاء لا يعجزه شئ.
وقال تعالى إخبارا عن القسيسين والرهبان: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول
__________
(1) سورة القصص 52، 53 (2) سورة البقرة 146 (3) سورة الاسراء 107، 108 (*)
ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (1)).
وفى قصة النجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام وغيرهم.
كما سيأتي شواهد كثيرة لهذا المعنى.
ولله الحمد والمنة.
وذكرنا في تضاعيف قصص الانبياء (2) وصفهم لبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته وبلد مولده ودار مهاجره ونعت أمته، في قصة موسى وشعيا وأرمياء ودانيال وغيرهم.
وقد أخبر الله تعالى عن آخر أنبياء بنى إسرائيل وخاتمهم عيسى بن مريم أنه قام في بنى إسرائيل خطيبا قائلا لهم: (إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد (3)).
وفى الانجيل البشارة بالفارقليط، والمراد محمد صلى الله عليه وسلم.
وروى البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو، عن العيزار بن حرب، عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مكتوب في الانجيل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزى بالسيئة مثلها بل يعفو ويصفح ".
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا فيض البجلى، حدثنا سلام بن مسكين، عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله عزوجل إلى عيسى بن مريم: جد في أمرى واسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول، أنا خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإياى فاعبد.
فبين لاهل سوران بالسريانية، بلغ من بين يديك أنى أنا الحق القائم
__________
(1) سورة المائدة 83.
(2) وذلك في الجزء الاول من البداية والنهاية (3) سورة الصف 6.
(*)
الذى لا أزول، صدقوا بالنبي الامي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة، وهى التاج، والنعلين، والهراوة، وهى القضيب، الجعد الرأس، الصلت (1) الجبين، المقرون الحاجبين، الانجل العينين، الاهدب الاشفار، الادعج العينين، الاقنى الانف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريح المسك ينضح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجرى في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجرى كالقضيب، ليس في بطنه شعر غيره، شثن (2) الكف والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من الصخر ويتحدر من صبب، ذو النسل القليل - وكأنه أراد الذكور من صلبه.
هكذا رواه البيهقى في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان.
وروى البيهقى عن عثمان بن الحكم بن رافع بن سنان (3) حدثنى بعض عمومتي وآبائي أنهم كانت عندهم ورقة يتوارثونها في الجاهلية حتى جاء الله بالاسلام وبقيت عندهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذكروها له وأتوه بها مكتوب فيها: بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب.
هذا الذكر لامة تأتى في آخر الزمان، يغسلون (4) أطرافهم ويأتزرون (5) على أوساطهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، وفى عاد ما أهلكوا بالريح، وفى ثمود ما أهلكوا بالصيحة.
بسم الله وقوله الحق وقو الظالمين في تباب.
ثم ذكر قصة أخرى.
قال فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأت عليه فيها.
__________
(1) الصلت: الواضح (2) أي غليظ أصابعهما.
وذلك جمال في الرجال.
(3) رواه بن الجوزى في الوفا: عن عمر بن حفص وكان من خيار الناس.
قال: كان عند أبى أو عند جدى ورقة ؟ وارثونها قبل الاسلام بزمان.
(4) الاصل: ليبلون.
وما أثبته عن الوفا لابن الجوزى.
(5) المطبوعة: ويوترون، وهو تحريف.
(*)
وذكرنا عند قوله تعالى في سورة الاعراف (الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل) قصة هشام بن العاص الاموى، حين بعثه الصديق في سرية إلى هرقل يدعوه إلى الله عزوجل.
فذكر أنه أخرج لهم صور الانبياء في رقعة من آدم إلى محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين، على النعت والشكل الذى كانوا عليه.
ثم ذكر أنه لما أخرج صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قام قائما إكراما له.
ثم جلس وجعل ينظر إليها ويتأملها.
قال: فقلنا له من أين لك هذه الصورة ؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه جميع الانبياء من ذريته (1)، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين، فدفعها إلى دانيال.
ثم قال: أما والله إن نفسي قد طابت بالخروج من ملكى وأنى كنت عبدا لاشركم ملكة حتى أموت.
ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا.
فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثناه بما رأينا وما أجازنا وما قال لنا، قال: فبكى وقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل.
ثم قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد عندهم.
رواه الحاكم بطوله.
فليكتب هاهنا من التفسير.
ورواه البيهقى في دلائل النبوة.
وقال الاموى: حدثنا عبد الله بن زياد عن ابن إسحاق قال: وحدثني يعقوب بن عبد الله بن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، عن جده عمرو بن أمية قال: قدمت برقيق من عند النجاشي أعطانيهم فقالوا لى: يا عمرو لو رأينا رسول الله لعرفناه من غير أن تخبرنا، فمر أبو بكر فقلت أهو هذا ؟ قالوا: لا.
فمر عمر فقلت: أهو هذا ؟ قالوا:
__________
(1) خ ط: من ذلك وهو تحريف.
(*)
لا.
فدخلنا الدار فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوني: يا عمرو هذا رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
فنظرت فإذا هو هو من غير أن يخبرهم به أحد، عرفوه بما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم.
وقد تقدم إنذار سبأ لقومه وبشارته لهم بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعر أسلفناه في ترجمته.
فأغنى عن إعادته، وتقدم قول الحبرين من اليهود لتبع اليماني حين حاصر أهل المدينة أنها مهاجر نبى يكون في آخر الزمان.
فرجع عنها ونظم شعرا (1) يتضمن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) هذا الشعر المنسوب إلى تبع مختلق مصنوع كما حقق ذلك بعض الباحثين، لانه كان من حمير ولسانهم غير لسان عدنان.
(*)
قصة سيف بن ذى يزن الحميرى وبشارته بالنبي الامي وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه " هواتف الجان " حدثنا على بن حرب، حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عمرو بن بكر - هو ابن بكار القعنبى - عن أحمد بن القاسم، عن محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن عبد الله بن عباس.
قال: لما ظهر سيف بن ذى يزن - قال ابن المنذر: واسمه النعمان ابن قيس - على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أتته وفود العرب وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من حسن بلائه.
وأتاه فيمن أتاه وفود قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وخويلد بن أسد، في أناس من وجوه قريش.
فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان الذى ذكره أمية بن أبى الصلت: واشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا * في رأس غمدان دارا منك محلالا فدخل عليه الآذن، فأخبره بمكانهم فأذن لهم، فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام
فقال له: إن كنت ممن يتكلم بين يدى الملوك فقد أذنا لك.
فقال له عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا، شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت (1) جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أكرم موطن وأطيب معدن، فأنت - أبيت اللعن - ملك العرب، وربيعها الذى تخصب به البلاد، ورأس العرب الذى له تنقاد، وعمودها الذى عليه العماد، ومعقلها الذى يلجأ إليه العباد.
وسلفك خير سلف،
__________
(1) الاصل: وعذيت.
وما أثبته عن الاكتفا للكلاعي 1 / 179.
(*)
وأنت لنا منهم خير خلف.
فلن يخمل (1) من هم سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذى أبهجك (2) من كشف الكرب الذى قد فدحنا [ فنحن ] (3)، وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
قال: وأيهم أنت أيها المتكلم.
قال: أنا عبد المطلب بن هاشم.
قال: ابن أختنا ؟ قال: نعم.
قال ادن (4).
فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (5) يعطى عطاء جزلا.
قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم.
ثم نهضوا إلى دار الكرامة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه ثم قال: يا عبد المطلب إنى مفض (6) إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم أبح به.
ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك عليه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره.
إنى أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذى اختزناه (7) لانفسنا واحتجبناه (8) دون غيرنا خبرا عظيما، وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة،
للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة.
فقال عبد المطلب: أيها الملك مثلك سر وبر، فما هو، فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر ؟
__________
(1) الاكتفا: فلم يخمل من أنت سلفه.
وفى دلائل النبوة: فلم يخمل ذكر من أنت سلفه.
(2) الاكتفا: أبهجنا.
(3) سقطت من الاصل والمطبوعة.
(4) الاكتفا: ادنه.
(5) ربحلا: كثير العطاء.
(6) الاكتفا والدلائل: إنى مفوض، وهو الاصح.
وفى الاكتفا: من سنى (7) ط: اخترناه.
(8) ط: احتجناه، وهو تحريف.
(*)
قال: إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له الامامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد أبت بخير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياى ما أزداد به سرورا.
قال ابن ذى يزن: هذا حينه الذى يولد فيه أوقد ولد، واسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، ولدناه مرارا والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الارض، يكسر الاوثان ويخمد النيران، يعبد الرحمن ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
فقال عبد المطلب: أيها الملك - عز جدك، وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك [ فهذا نجارى ] (1) فهل الملك سار (2) لى بإفصاح فقد أوضح لى بعض الايضاح.
فقال ابن ذى يزن: والبيت ذى الحجب والعلامات على النصب (3) إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب فخر عبد المطلب ساجدا فقال: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل
أحسست شيئا مما ذكرت لك ؟ فقال: أيها الملك كان لى ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام سميته محمدا، فمات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه.
قال ابن ذى يزن: إن الذى قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود،
__________
(1) ليست في الاكتفا ولا في الدلائل ولا في الوفا.
والنجار: الاصل.
(2) المراجع: سارى.
(3) ط خ: النقب وهو تحريف.
وما أثبته عن المراجع السابقة.
(*)
فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإنى لست آمن أن تدخل لهم (1) النفاسة من أن تكون لكم الرياسة، فيطلبون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، فهم (2) فاعلون أو أبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مجتاحى قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته (3)، فإنى أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره، ولولا أنى أقيه الآفات وأحذر عليه العاهات لاعلنت على حداثة سنه أمره ولاوطأت أسنان العر عقبه، ولكني صارف ذلك إليك عن (4) غير تقصير بمن معك.
قال: ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشرة إماء وبمائة من الابل وحلتين من البرود وبخمسة أرطال من الذهب وعشرة أرطال فضة وكرش مملوء عنبرا.
وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له: إذا حال الحول فائتني، فمات ابن ذى يزن قبل أن يحول الحول.
فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: [ يا معشر قريش ] (5) لا يغبطنى رجل منكم بجزيل
عطاء الملك [ وإن كثر ] (5) فإنه إلى نفاد، ولكن ليغبطني بما يبقى لى ولعقبى من بعدى ذكره وفخره وشرفه.
فإذا قيل له: متى ذلك ؟ قال: سيعلم ولو بعد حين.
قال: وفى ذلك يقول أمية بن عبد شمس (6):
__________
(1) المراجع: أن تدخلهم.
(2) الاكتفا: وهم.
(3) الاكتفا: دار مكه.
(4) الاكتفا: عن.
(5) من الاكتفا.
(6) الابيات في الوفا لابن الجوزى باختلافهم (*)
جلبنا الصنح نحقبه (1) المطايا * على أكوار أجمال ونوق مقلفة مراتعها تعالى * إلى صنعاء من فج عميق (2) تؤم بنا ابن ذى يزن وتفرى * بذات بطونها ذم (3) الطريق وترعى من مخايله بروقا * مواصلة الوميض إلى بروق فلما واصلت صنعاء حلت * بدار الملك والحسب العريق وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من طريق عمرو بن بكير بن بكار القعنبى.
ثم قال أبو نعيم (4): أخبرت عن أبى الحسن على بن إبراهيم بن عبد ربه بن محمد ابن عبد العزيز بن عفير بن عبد العزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذى يزن، حدثنى أبى أبو يزن إبراهيم، حدثنا عمى أحمد بن محمد أبو رجاء به، حدثنا عمى محمد بن عبد العزيز، حدثنى عبد العزيز بن عفير، عن أبيه، عن زرعة بن سيف بن ذى يزن الحميرى قال: لما ظهر جدى سيف بن ذى يزن على الحبشة.
وذكره بطوله.
وقال أبو بكر الخرائطي: حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القلوسى، حدثنا العلاء ابن الفضل بن أبى سوية، أخبرني أبى عن أبيه عبد الملك بن أبى سوية، عن جده أبى سوية، عن أبيه خليفة قال: سألت محمد بن عثمان بن ربيعة بن سواءة بن خثعم بن سعد فقلت: كيف سماك أبوك محمدا ؟ فقال: سألت أبى عما سألتنى عنه، فقال: خرجت رابع
أربعة من بنى تميم أنا منهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، وأسامة بن مالك بن جندب ابن العقيد، ويزيد بن ربيعة بن كنانة بن حربوص بن مازن، ونحن نريد ابن جفنة ملك غسان، فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات فتحدثنا، فسمع كلامنا راهب، فأشرك علينا فقال: إن هذه لغة ما هي بلغة هذه البلاد.
فقلنا: نعم نحن قوم من مضر،
__________
(1) الاصل: تحقبه.
(2) المراتع: جمع مرتع.
ومقلفة: بها القلفة بالكسر وهو ضرب من النبات أخضر له ثمرة صغيرة تحرص عليها الابل.
(3) الوفا: أم الطريق.
(4) ليس في دلائل أبى نعيم المطبوعة.
(*)
قال: من أي المضرين ؟ قلنا: من خندف.
قال: أما إنه سيبعث وشيكا نبى خاتم النبيين، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا.
فقلنا له: ما اسمه ؟ قال: اسمه محمد.
قال: فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل واحد منا ابن فسماه محمدا.
يعنى أن كل واحد منهم طمع في أن يكون هذا النبي المبشر به ولده.
وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عبد الله بن أبى سعد، حدثنا حازم بن عقال ابن الزهر بن حبيب بن المنذر بن أبى الحصين بن السموأل بن عاديا، حدثنى جابر بن جدان ابن جميع بن عثمان بن سماك بن الحصين بن المسوأل بن عاديا قال: لما حضرت الاوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة، اجتمع إليه قومه من غسان فقالوا: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وكنا نأمرك بالتزوج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين، وليس لك ولد غير مالك.
فقال: لن يهلك هالك ترك مثل مالك، إن الذى يخرج النار من الوثيمة (1) قادر أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا، وكل إلى الموت.
ثم أقبل على مالك وقال: أي بنى: المنية ولا الدنية، العقاب ولا العتاب، التجلد
ولا التلدد، القبر خير من الفقر، إنه من قل ذل، ومن كر فر، من كرم الكريم الدفع عن الحريم.
والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سينحسر، ليس يثبت منهما الملك المتوج، ولا اللئيم المعلهج (2)، سلم ليومك حياك ربك، ثم أنشأ يقول: شهدت السبايا يوم آل محرق * وأدرك عمرى (3) صيحة الله في الحجر
__________
(1) الوثيمة: الحجارة.
(2) المعلهج: الرجل الاحمق الهذر اللئيم.
اللسان 3 / 152 (3) كذا في ا والخصائص.
وفى المطبوعة: أمرى.
(*)
فلم أر ذا ملك من الناس واحدا * ولا سوقة إلا إلى الموت والقبر فعل الذى أردى ثمودا وجرهما * سيعقب لى نسلا على آخر الدهر تفر بهم من آل عمرو بن عامر * عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر فإن لم تك الايام أبلين جدتى * وشيبن رأسي والمشيب مع العمر فإن لنا ربا علا فوق عرشه * عليما بما يأتي من الخير والشر ألم يأت قومي أن لله دعوة * يفوز بها أهل السعادة والبر إذا بعث المبعوث من آل غالب * بمكة فيما بين مكة والحجر هنالك فابغوا نصره ببلادكم * بنى عامر إن السعادة في النصر قال: ثم قضى من ساعته.
باب في هواتف الجان وهو ما ألقته الجان على ألسنة الكهان ومسموعا من الاوثان (1) وقد تقدم كلام شق وسطيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رسول زكى يأتي إليه الوحى من قيل العلى ".
وسيأتى في المولد قول سطيح لعبد المسيح: " إذا كثرت التلاوة، وغاضت بحيرة ساوة، وجاء صاحب الهراوة " يعنى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيانه مفصلا (2).
وقال البخاري: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنى ابن وهب، حدثنى عمرو - هو محمد بن زيد - أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشئ قط: " إنى لاظنه " إلا كان كما يظن.
بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظنى أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، على الرجل.
فدعى به.
فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم أستقبل به رجلا مسلما.
__________
(1) كان القدماء رحمهم الله يحتفلون بالغيبيات التى كانت تجد لدى العامة قبولا ورواجا، ولكنها لم تكن تستحق هذا الاحتفال، وليس لها من الناحية العلمية وزن، إذ أن فيها مجالا واسعا للتخيل والاختلاق وأهم من ذلك أن الاسلام وهو دين يعتمد في صحته على حقائق الحياة وشهادة التاريخ لا يحتاج في إثباته وصدق رسوله إلى هتاف جان أن سجع كهان، وخاصة أن الاسلام أبطل الكهانة وقضى عليها، فيكف يستشهد بأقوال الكهان على صدقه أو تنطق الاوثان بصحته ؟ ! (2) ليس في ا.
(*)
قال: فإنى أعزم عليك إلا ما أخبرتني.
قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك ؟ قال: بينما أنا في السوق يوما جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد أنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ؟ قال عمر: صدق، بينا أنا نائم عند آلهتهم جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ
به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول: يا جليح، أمر نجيح رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله.
فوثب القوم، فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا.
ثم نادى: يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله.
فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبى.
تفرد به البخاري.
وهذا الرجل هو سواد بن قارب الازدي، ويقال السدوسى من أهل السراة من جبال البلقاء له صحبة ووفادة.
قال أبو حاتم وابن منده: روى عنه سعيد بن جبير، وأبو جعفر محمد بن على، وقال البخاري: له صحبة.
وهكذا ذكره في أسماء الصحابة أحمد ابن روح البرذعى الحافظ، والدارقطني، وغيرهما وقال الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى: سواد بن قارب بالتخفيف.
وقال عثمان الوقاصى: عن محمد بن كعب القرظى: كان من أشراف أهل اليمن.
ذكره أبو نعيم في الدلائل.
وقد روى حديثه من وجوه أخر مطولة بالبسط من رواية البخاري.
وقال محمد بن إسحاق: حدثنى من لا أتهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن
عفان أنه حدث أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر بن الخطاب.
فلما نظر إليه عمر قال: إن الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد، أو لقد كان كاهنا في الجاهلية.
فسلم عليه الرجل ثم جلس، فقال له عمر: هل أسلمت ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين.
قال: فهل كنت كاهنا في الجاهلية ؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، لقد خلت في واستقبلتني بأمر ما أراك
قلته لاحد من رعيتك منذ وليت ما وليت.
فقال عمر: اللهم غفرا، قد كنا في الجاهلية على شر من هذا، نعبد الاصنام ونعتنق الاوثان، حتى أكرمنا الله برسوله وبالاسلام.
قال: نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية.
قال: فأخبرني ما جاء به صاحبك.
قال: جاءني قبل الاسلام بشهر أو شيعه (1) فقال: ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها.
قال ابن إسحاق: هذا الكلام سجع ليس بشعر.
فقال عمر: عند ذلك يحدث الناس: والله إنى لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش، قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه أن يقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أشد منه، وذلك قبل الاسلام بشهر أو شيعه يقول: يا ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح يقول لا إله إلا الله.
قال ابن هشام: ويقال رجل يصيح، بلسان فصيح، يقول لا إله إلا الله.
__________
(1) أي دونه بقليل، وشيع كل شئ: ما هو له تبع.
(*)
قال: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر: عجبت للجن وإبلاسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنو الجن كأنجاسها وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا يحيى بن حجر بن النعمان الشامي، حدثنا على ابن منصور الانباري، عن محمد بن عبد الرحمن الوقاصى، عن محمد بن كعب القرظى، قال: بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه ذات يوم جالس إذ مر به رجل، فقيل، يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار ؟ قال: ومن هذا ؟ قالوا: هذا سواد بن قارب، الذى أتاه رئيه بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فأرسل إليه عمر فقال له: أنت سواد بن قارب ؟ قال: نعم.
قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك ؟ قال: فغضب وقال: ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: يا سبحان الله ! ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، فأخبرني ما أنبأك رئيك (1) بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: نعم يا أمير المؤمنين بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتانى رئيى فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤى بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته.
ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما صادق الجن ككذابها فارحل لى الصفوة من هاشم * ليس قداماها كأذنابها
__________
(1) فأخبرني بإتيانك رئيك.
(*)
قال: قلت دعني أنام فإنى أمسيت ناعسا.
قال: فلما كانت الليلة الثانية أتانى فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه بعث رسول من لؤى بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتخبارها (1) * وشدها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها وأحجارها قال: قلت دعني أنام، فإنى أمسيت ناعسا.
فلما كانت الليلة الثالثة أتانى فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي،
واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤى بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتحساسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما خير الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى راسها قال: فقمت وقلت: قد امتحن الله قلبى، فرحلت ناقتي، ثم أتيت المدينة - يعنى مكة - فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فدنوت فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله.
قال: هات.
فأنشأت أقول: أتانى نجيى بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد بلوت (2) بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لؤى بن غالب
__________
(1) المطبوعة: وتحيارها.
وهو تحريف.
وما أثبته من ا.
(2) خ ط: قلوت.
وهو تحريف، وما أثبته عن الاكتفا (*)
فشمرت عن ذيلي الازار ووسطت * بى الذعلب الوجناء عبر السباسب فأشهد أن الله لا شئ غيره * وأنك مأمون على كل غائب (1) وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الاكرمين الاطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لى شفيعا يوم لاذو شفاعة * سواك بمغن عن سواد بن قارب قال: ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا، حتى رئى الفرح في وجوههم.
قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب فالتزمه وقال: قد كنت أشتهى أن أسمع هذا الحديث منك، فهل يأتيك رئيك اليوم.
قال: أما منذ قرأت القرآن فلا، ونعم العوض كتاب الله من الجن.
ثم قال عمر: كنا يوما في حى من قريش يقال لهم آل ذريح وقد ذبحوا عجلا لهم والجزار يعالجه، إذ سمعنا صوتا من جوف العجل ولا نرى شيئا، قال: يا آل ذريح، أمر نجيح، صائح يصيح، بلسان فصيح يشهد أن لا إله إلا الله.
وهذا منقطع من هذا الوجه ويشهد له رواية البخاري.
وقد تساعدوا على أن السامع الصوت من العجل هو عمر بن الخطاب والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه الذى جمعه في هواتف الجان: حدثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤدب، حدثنا محمد بن عمران بن محمد ابن عبد الرحمن بن أبى ليلى، حدثنا سعيد بن عبيد الله الوصابى (2)، عن أبيه، عن أبى جعفر محمد بن على قال: دخل سواد بن قارب السدوسى على عمر بن الخطاب رضى الله
__________
(1) الاصل غالب.
وما أثبته عن الدلائل والوفا.
(2) نسبة إلى وصاب بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل.
(*)
عنه فقال: نشدتك بالله يا سواد بن قارب، هل تحسن (1) اليوم من كهانتك شيئا.
فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين، ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به.
قال: سبحان الله يا سواد: ما كنا عليه من شركنا أعظم مما كنت عليه من كهانتك، والله يا سواد لقد بلغني عنك حديث إنه لعجب من العجب.
قال: إى والله يا أمير المؤمنين إنه لعجب من العجب.
قال: فحدثنيه.
قال: كنت كاهنا في الجاهلية، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتانى نجيى فضربني برجله ثم قال: يا سواد اسمع أقل لك، قلت: هات.
قال: عجبت للجن وإيجاسها (2) * ورحلها العيس بأحلاسها
تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنوها مثل أرجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى رأسها قال: فنمت ولم أحفل بقوله شيئا.
فلما كانت الليلة الثانية أتانى فضربني برجله ثم قال لى: قم يا سواد بن قارب اسمع أقل لك.
قلت: هات.
قال: عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما صادق الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم * ليس المقاديم كأذنابها قال: فحرك قوله منى شيئا، ونمت.
فلما كانت الليلة الثالثة أتانى فضربني برجله ثم قال: يا سواد بن قارب أتعقل أم لا تعقل ؟ قلت: وما ذاك ؟ قال: ظهر بمكة نبى يدعو إلى عبادة ربه فالحق به، اسمع أقل لك.
قلت: هات.
قال:
__________
(1) لعلها: هل تحس.
بدليل قوله بعد: هل تحس اليوم منها بشئ.
(2) ط: وأنجاسها.
(*)
عجبت للجن وتنفارها * ورحلها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها وأحجارها قال: فعلمت أن الله قد أراد بى خيرا.
فقمت إلى بردة لى ففتقتها ولبستها ووضعت رجلى في غرز ركاب الناقة، وأقبلت حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض على الاسلام فأسلمت، وأخبرته الخبر فقال: " إذا اجتمع المسلمون فأخبرهم " فلما اجتمع المسلمون قمت فقلت: أتانى نجيى بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لؤى بن غالب
فشمرت عن ذيلي الازار ووسطت * بى الذعلب الوجناء عبر السباسب (1) وأعلم أن الله لا رب غيره * وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الاكرمين الاطايب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب قال: فسر المسلمون بذلك.
فقال عمر: هل تحس اليوم منها بشئ ؟ قال: أما إذ علمني الله القرآن فلا.
وقد رواه محمد بن السائب الكلبى عن أبيه عن عمر بن حفص.
: لما ورد سواد بن قارب على عمر قال: يا سواد بن قارب ما بقى من كهانتك ؟ فغضب وقال: ما أظنك يا أمير المؤمنين استقبلت أحدا من العرب بمثل هذا.
__________
(1) الذعلب: الناقة السريعة، والوجناء: الشابة.
والسباسب: جمع سبسب وهى الفلاة.
هذا، وقد حرفت في الاصل: غير السباسب.
(*)
فلما رأى ما في وجهه من الغضب، قال: أنظر سواد.
للذى كنا عليه قبل اليوم من الشرك أعظم.
ثم قال: يا سواد حدثنى حديثا كنت أشتهى أسمعه منك.
قال: نعم، بينا أنا في إبل لى بالسراة ليلا وأنا نائم، وكان لى نجى من الجن أتانى فضربني برجله فقال لى: قم يا سواد بن قارب فقد ظهر بتهامة نبى يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
فذكر القصة كما تقدم وزاد في آخر الشعر: وكن لى شفيعا يوم لا ذو قرابة * سواك بمغن عن سواد بن قارب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سر في قومك وقل هذا الشعر فيهم ".
ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق سليمان بن عبد الرحمن، عن الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي، عن عباد بن عبد الصمد، عن سعيد بن جبير، قال: أخبرني سواد بن قارب الازدي قال: كنت نائما على جبل من جبال السراة فأتاني آت فضربني
برجله.
وذكر القصة أيضا.
ورواه أيضا من طريق محمد بن البراء، عن أبى بكر بن عياش، عن أبى إسحاق، عن البراء.
قال: قال سواد بن قارب: كنت نازلا بالهند فجاءني رئيى ذات ليلة فذكر القصة.
وقال بعد إنشاد الشعر الاخير: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وفال: " أفلحت يا سواد ".
وقال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن، حدثنا على بن حرب، حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن عبد الله العماني قال: كان منا رجل يقال له مازن بن العضوب (1) يسدن صنما بقرية يقال لها سمايا، من عمان، وكانت تعظمه بنو الصامت وبنو حطامة
__________
(1) الدلائل: العضوية (*)
ومهرة وهم أخوال مازن، أمه زينب بنت عبد الله بن ربيعة بن خويص (1) أحد بنى نمران.
قال مازن: فعترنا يوما عند الصنم عتيرة، وهى الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر، بعث نبى من مضر، بدين الله الاكبر، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حر سقر.
قال: ففزعت لذلك فزعا شديدا.
ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى، سمعت صوتا من الصنم يقول: أقبل إلى أقبل، تسمع ما لا تجهل، هذا نبى مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كى تعدل، عن حر نار تشعل، وقودها الجندل.
قال مازن: فقلت إن هذا لعجب، وإن هذا لخير يراد بى، وقدم علينا رجل من الحجاز فقلت: ما الخبر وراءك ؟ فقال: ظهر رجل يقال له أحمد، يقول لمن أتاه:
أجيبوا داعى الله.
فقلت: هذا نبأ ما سمعت.
فثرت إلى الصنم فكسرته جذاذا وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح الله صدري للاسلام، فأسلمت، وقلت: كسرت يا جر أجذاذا (2) وكان لنا * ربا نطيف به ضلا بتضلال بالهاشمي هدانا من ضلالتنا * ولم يكن دينه منى على بال يا راكبا بلغن عمرا وإخوتها * أنى لمن قال ربى ياجر قالى يعنى بعمرو: الصامت.
وإخوتها: حطامة.
__________
(1) دلائل النبوة: حويص بالحاء.
(2) الاصل باجرا.
وهو تحريف.
وما أ ؟ بته عن الاكتفا للكلاعي.
وفى الدلائل محرفة: باجرا.
والاجذاذ: جمع الجذ بكسر الجيم وهو الجزء المقطوع.
(*)
فقلت: يا رسول الله إنى امرؤ مولع بالطرب وبالهلوك إلى النساء وشرب الخمر، وألحت علينا السنون فأذهبن الاموال وأهزلن السرارى، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينا بالحياء، ويهب لى ولد.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال وبالاثم وبالعهر عفة، وآته بالحياء، وهب له ولدا ".
قال فأذهب الله عنى ما أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، وحفظت شطر القرآن، ووهب لى حيان بن مازن.
وأنشأ يقول: إليك رسول الله خبت مطيتي * تجوب الفيافي من عمان إلى العرج لتشفع لى يا خير من وطئ الحصى * فيغفر لى ربى فأرجع بالفلج (1) إلى معشر خالفت في الله دينهم * فلا رأيهم رأيى ولا شرجهم شرجي (2) وكنت امرءا بالخمر والعهر مولعا * شبابى حتى آذن الجسم بالنهج
فبدلني بالخمر خوفا وخشية * وبالعهر إحصانا فحصن لى فرجى فأصبحت همى في الجهاد ونيتي * فلله ما صومي ولله ما حجى قال: فلما أتيت قومي أنبونى وشتموني، وأمروا شاعرا لهم فهجاني، فقلت إن رددت عليه فإنما أهجو نفسي.
فرحلت عنهم فأتتنى منهم زلفة عظيمة، وكنت القيم بأمورهم، فقالوا: يا ابن عم: ؟ ؟ بنا عليك أمرا وكرهنا ذلك، فإن أبيت ذلك فارجع وقم بأمورنا، وشأنك وما تدين به.
فرجعت معهم وقلت:
__________
(1) الفلج: الفوز والظفر.
(2) الشرج: المثل.
(*)
لبغضكم عندنا مر مذاقته * وبغضنا عندكم يا قومنا لبن لا يفطن الدهر إن بثت معائبكم * وكلكم حين يثنى عيبنا فطن شاعرنا مفحم عنكم وشاعركم * في حدبنا مبلغ في شتمنا لسن ما في القلوب عليكم فاعلموا وغر * وفى قلوبكم البغضاء والاحن قال مازن: فهداهم الله بعد إلى الاسلام جميعا.
وروى الحافظ أبو نعيم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن، فجاء في صورة طائر أبيض فوقع على حائط لهم، فقالت له: لم لا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك، وتخبرنا ونخبرك ؟ فقال لها: إنه قد بعث نبى بمكة حرم الزنا ومنع منا القرار.
وقال الواقدي: حدثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن على بن الحسين، قال: إن أول خبر قدم المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأة
تدعى فاطمة كان لها تابع، فجاءها ذات يوم، فقام على الجدار فقالت: ألا تنزل ؟ فقال: لا إنه قد بعث الرسول الذى حرم الزنا.
وأرسله بعض التابعين أيضا، وسماه بابن لوذان، وذكر أنه كان قد غاب عنها مدة، ثم لما قدم عاتبته فقال: إنى جئت الرسول فسمعته يحرم الزنا، فعليك السلام.
وقال الواقدي: حدثنى محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: قال عثمان بن عفان: خرجنا في عير إلى الشام، قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كنا بأفواه الشام، وبها كاهنة، فتعرضتنا، فقالت: أتانى صاحبي فوقف على بابى، فقلت: ألا تدخل ؟ فقال: لا سبيل إلى ذلك، خرج أحمد وجاء أمر لا يطاق.
ثم انصرفت فرجعت إلى مكة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة يدعو إلى الله عزوجل.
وقال الواقدي: حدثنى محمد بن عبد الله الزهري قال: كان الوحى يسمع، فلما كان الاسلام منعوا.
وكانت امرأة من بنى أسد يقال لها سعيرة لها تابع من الجن، فلما رأى الوحى لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها فضج في صدرها فذهب عقلها، فجعل يقول من صدرها: وضع العناق، ومنع الرفاق، وجاء أمر لا يطاق، وأحمد حرم الزنا.
وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى - بمصر - حدثنا عمارة بن زيد، حدثنا عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، عمن حدثه، عن مرداس بن قيس السدوسى قال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت عنده الكهانة وما كان من تغييرها عند مخرجه، فقلت: يا رسول الله قد كان عندنا في ذلك شئ، أخبرك أن جارية منا يقال لها الخلصة لم يعلم عليها إلا خيرا، إذ جاءتنا فقالت: يا معشر دوس، العجب العجب لما أصابني، هل علمتم إلا خيرا ؟ قلنا: وما ذاك ؟
قالت.
إنى لفى غنمي إذ غشيتني ظلمة ووجدت كحس الرجل مع المرأة، فقد خشيت أن أكون حبلت.
حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلاما أغضف له أذنان كأذني الكلب، فمكث فينا حتى إنه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة وألقى إزاره وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويلة يا ويلة يا عولة يا عولة، يا ويل غنم، يا ويل فهم، من قابس النار، الخيل والله وراء العقبة، فيهن فتيان حسان نجبة.
قال: فركبنا وأخذنا للاداة وقلنا: يا ويلك ما ترى ؟ فقال: [ هل ] من جارية
طامث ؟ فقلنا: ومن لنا بها ؟ فقال شيخ منا: هي والله عندي عفيفة الام فقلنا فعجلها.
فأتى بالجارية وطلع الجبل وقال للجارية: اطرحي ثوبك واخرجي في وجوههم، وقال للقوم: اتبعوا أثرها، وقال لرجل منا يقال له أحمد بن حابس: يا أحمد بن حابس، عليك أول فارس.
فحمل أحمد فطعن أول فارس فصرعه وانهزموا فغنمناهم.
قال: فابتنينا عليهم بيتا وسميناه ذا الخلصة، وكان لا يقول لنا شيئا إلا كان كما يقول.
حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله قال لنا يوما: يا معشر دوس، نزلت بنو الحارث ابن كعب.
فركبنا فقال لنا: اكدسوا الخيل كدسا، واحشوا القوم رمسا، انفوهم غدية، واشربوا الخمر عشية.
قال: فلقيناهم فهزمونا وغلبونا فرجعنا إليه فقلنا: ما حالك وما الذى صنعت بنا ؟ فنظرنا إليه وقد احمرت عيناه، وانتصبت أذناه وانبرم غضبانا حتى كاد أن ينفطر وقام.
فركبنا واغتفرنا هذه له ومكثنا بعد ذلك حينا، ثم دعانا فقال: هل لكم في غزوة تهب لكم عزا وتجعل لكم حرزا ويكون في أيديكم كنزا ؟ فقلنا: ما أحوجنا إلى ذلك.
فقال اركبوا.
فركبنا فقلنا: ما تقول ؟ فقال: بنو الحارث بن مسلمة.
ثم قال: قفوا، فوقفنا ثم قال: عليكم بفهم، ثم قال ليس لكم فيهم دم، عليكم بمضر، هم أرباب خيل ونعم.
ثم قال: لا، رهط دريد بن الصمة قليل العدد وفى الذمة.
ثم قال لا،
ولكن عليكم بكعب بن ربيعة وأسكنوها ضيعة عامر بن صعصعة، فليكن بهم الوقيعة.
قال: فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فرجعنا وقلنا: ويلك ماذا تصنع بنا.
قال: ما أدرى كذبني الذى يصدقني.
اسجنوني في بيتى ثلاثا ثم ائتونى.
ففعلنا به ذلك ثم أتيناه بعد ثالثة ففتحنا عنه فإذا هو كأنه حجرة نار، فقال: يا معشر
دوس، حرست السماء وخرج خير الانبياء.
قلنا: أين ؟ قال: بمكة، وأنا ميت، فادفنوني في رأس جبل فإنى سوف أضطرم نارا، وإن تركتمونى كنت عليكم عارا، فإذا رأيتم اضطرامي وتلهبي فاقذفوني بثلاثة أحجار ثم قولوا مع كل حجر: باسمك اللهم: فإنى أهدا وأطفى.
قال: وإنه مات فاشتعل نارا، ففعلنا به ما أمر، وقد قذفناه بثلاثة أحجار نقول مع كل حجر: باسمك اللهم، فحمد وطفى.
وأقمنا حتى قدم علينا الحاج فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله.
غريب جدا.
وروى الواقدي عن أبيه عن ابن أبى ذئب، عن مسلم بن جندب، عن النضر بن سفيان الهذلى، عن أبيه.
قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام، فلما كنا بين الزرقاء ومعان قد عرسنا (1) من الليل، فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والارض: أيها النيام هبوا، فليس هذا بحين رقاد، قد خرج أحمد، فطردت (2) الجن كل مطرد.
ففزعنا ونحن رفقة حزاورة (؟) كلهم قد سمع بهذا.
فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش في نبى قد خرج فيهم من بنى عبد المطلب اسمه أحمد.
ذكره أبو نعيم.
وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى (4) - بمصر حدثنا عمارة بن زيد،
__________
(1) الوفا: وقد عرسنا.
(2) الوفا: وطردت.
(3) الاصل: حزورة، وما أثبته من الدلائل لابي نعيم.
والحزاورة جمع حزور كجعفر وهو الرجل القوى.
(4) بفتح الباء واللام نسبة إلى بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، اللباب 1 / 144.
(*)
حدثنى عبد الله بن العلاء، حدثنى يحيى بن عروة، عن أبيه، أن نفرا من قريش منهم ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وعثمان بن الحويرث، كانوا عند صنم لهم يجتمعون إليه، قد اتخذوا ذلك اليوم من كل سنة عيدا، كانوا يعظمونه وينحرون له الجزور، ثم يأكلون ويشربون الخمر ويعكفون عليه، فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوبا على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله، فلم يلبث أن انقلب انقلابا عنيفا، فأخذوه فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة.
فلما رأوا ذلك اغتموا له وأعظموا ذلك.
فقال عثمان بن الحويرث: ماله قد أكثر التنكس ؟ ! إن هذا لامر قد حدث.
وذلك في الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجعل عثمان يقول: أيا صنم العيد الذى صف حوله * صناديد وفد من بعيد ومن قرب تنكست مغلوبا فما ذاك قل لنا * أذاك سفيه أم تنكست للعتب فإن كان من ذنب أتينا فإننا * نبوء بإقرار ونلوى عن الذنب وإن كنت مغلوبا ونكست صاغرا * فما أنت في الاوثان بالسيد الرب قال: فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله.
فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم بصوت جهير وهو يقول: تردى لمولود أنارت بنوره * جميع فجاج الارض في الشرق والغرب
وخرت له الاوثان طرا وأرعدت * قلوب ملوك الارض طرا من الرعب ونار جميع الفرس باخت وأظلمت * وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالغيب جنها * فلا مخبر عنهم بحق ولا كذب
فيا لقصى ارجعوا عن ضلالكم * وهبوا إلى الاسلام والمنزل الرحب (1) قال: فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا، فقال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض.
فقالوا: أجل ! فقال لهم ورقة بن نوفل: تعلمون والله ما قومكم على دين، ولقد أخطأوا الحجة وتركوا دين إبراهيم، ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر ؟ ! يا قوم التمسوا لانفسكم الدين.
قال: فخرجوا عند ذلك يضربون في الارض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام.
فأما ورقة بن نوفل فتنصر وقرأ الكتب حتى علم علما.
وأما عثمان بن الحويرث فسار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده.
وأما زيد بن عمرو بن نفيل فأراد الخروج فحبس.
ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الارض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة، فلقى بها راهبا عالما فأخبره بالذى يطلب، فقال له الراهب: إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبى يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية.
فلما قال له ذلك رجع يريد مكة فغارت (2) عليه لخم فقتلوه.
__________
(1) لا يستطاع تقبل هذه الاشعار ولا الرضا بهذه الاخبار المتكلفة التى تغلب عليها النزعة الاسطورية ولقد كان الاقدمون لا يجدون غضاضة في نقل هذه الاخبار وروايتها، بل والسكوت عليها وكانت في
نظرهم تؤيد الدين وتخدمه، أما في عصرنا الذى لا يقبل الخبر إلا بعد التمحيص والنقد فلا تثبت أمثال هذه الروايات أمام النظر العلمي، وكل ما نريده أن يفهم القارئ أنه في حل من رفض هذه الروايات الاسطورية، هذا والجانب الاخير من الرواية وهو ما بعد هذا الشعر صحيح مقبول يثبته التاريخ وقد رواه عدة، منهم الكلاغى في الاكتفا.
(2) كذا والقياس أغارت.
(*)
وأما عبد الله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بها تنصر وفارق الاسلام، فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيا.
تقدم في ترجمة زيد بن عمر بن نفيل له شاهد.
وقد قال الخرائطي: حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح أبو بكر الوراق، حدثنا عمرو ابن عثمان، حدثنى أبى، حدثنا عبد الله بن عبد العزيز، حدثنى محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أنس السلمى، عن العباس بن مرداس أنه كان يعر (1) في لقاح له نصف النهار إذ طلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب عليه ثياب بياض مثل اللبن فقال: يا عباس بن مرداس، ألم تر أن السماء قد كفت أحراسها، وأن الحرب تجرعت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الذى نزل بالبر والتقوى، يوم الاثنين ليلة الثلاثاء، صاحب الناقة القصوى.
قال: فرجعت مرعوبا قد راعني ما رأيت وسمعت، حتى جئت وثنا لنا يدعى الضمار (2) وكنا نعبده ونكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به وقبلته فإذا صائح من جوفه يقول: قل للقبائل من سليم كلها * هلك الضمار وفاز أهل المسجد هلك الضمار وكان يعبد مرة * قبل الصلاة مع النبي محمد إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى
قال: فخرجت مرعوبا حتى أتيت قومي فقصصت عليهم القصة وأخبرتهم الخبر،
__________
(1) أي يعالجها.
(2) الاصل الضماد، وما أثبته من الاكتفا وابن هشام، وفى القاموس: والضمار ككتاب..وصنم عبده العباس بن مرداس ورهطه.
(*)
وخرجت في ثلاثمائة من قومي بنى حارثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة، فدخلنا المسجد، فلما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لى: " يا عباس كيف كان إسلامك " ؟ فقصصت عليه القصة.
قال فسر بذلك وأسلمت أنا وقومي.
ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من حديث أبى بكر بن أبى عاصم عن عمرو ابن عثمان به.
ثم رواه أيضا من طريق الاصمعي، حدثنى الوصافى (1)، عن منصور بن المعتمر، عن قبيصة بن عمرو بن إسحاق الخزاعى، عن العباس بن مرداس السلمى قال: أول إسلامى أن مرداسا أبى، لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال [ له ] ضمار (2) فجعلته في بيت وجعلت آتية كل يوم مرة، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم سمعت صوتا مرسلا في جوف الليل راعني، فوثبت إلى ضمار (2) مستغيثا، وإذا بالصوت من جوفه وهو يقول: قل للقبيلة من سليم كلها * هلك الانيس وعاش أهل المسجد أودى ضمار وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى قال: فكتمته الناس، فلما رجع الناس من الاحزاب بينا أنا في إبلى بطرق العقيق من ذات عرق راقدا، سمعت صوتا وإذا برجل على جناح نعامة وهو يقول: النور الذى
__________
(1) نسبة إلى وصاف وهو اسم جماعة منهم وصاف بن عامر العجلى..ينسب إليه عبيدالله بن الوليد
ابن عبد الرحمن بن قيس الوصافى يروى عن عطية وعطاء، سمع منه يعلى بن عبيد ووكيع وغيرهما، وكان منكر الحديث اللباب 3 / 275.
(2) الاصل: ضماد وهو تحريف.
(*)
وقع ليلة الثلاثاء مع صاحب الناقة العضباء في ديار إخوان بنى العنقاء.
فأجابه هاتف من شماله وهو يقول: بشر الجن وإبلاسها، أن وضعت المطى أحلاسها، وكلات السماء أحراسها قال: فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل، فركبت فرسى واحتثثت السير حتى انتهيت إليه فبايعته، ثم انصرفت إلى ضمار فأحرقته بالنار، ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته شعرا أقول فيه: لعمرك إنى يوم أجعل جاهلا * ضمارا لرب العالمين مشاركا وتركي رسول الله والاوس حوله * أولئك أنصار له ما أولئكا كتارك سهل الارض والحزن يبتغى * ليسلك في وعث الامور المسالكا فآمنت بالله الذى أنا عبده * وخالفت من أمسى يريد المهالكا ووجهت وجهى نحو مكة قاصدا * أبايع نبى الاكرمين المباركا نبى أتانا بعد عيسى بناطق * من الحق فيه الفصل فيه كذلكا أمين على القرآن أول شافع * وأول مبعوث يجيب الملائكا تلافى عرى الاسلام بعد انتقاضها * فأحكمها حتى أقام المناسكا عنيتك يا خير البرية كلها * توسطت في الفرعين والمجد مالكا وأنت المصفى من قريش إذا سمت * على ضمرها تبقى القرون المباركا إذا انتسب الحيان كعب ومالك * وجدناك محضا والنساء العواركا (1)
__________
(1) على ذلك الشعر - مع ما فيه من ركاكة - علامات الصنعة والافتراء منها:
1 - لم يخص الاوس بالذكر مع أنهم بعد الاسلام لم يعد لهم ذكر مستقل بل هم والخزرج أنصار.
2 - وقوله: " ووجهت وجهى نحو مكة.." مع أنه يذكر أنه يأبى ترك رسول الله والاوس حوله وذلك في المدينة، ومع أنه ذكر من قبل أن ذلك كان بعد رجوع الناس من الاحزاب.
= (*)
قال الخرائطي: وحدثنا عبد الله بن محمد البلوى بمصر، حدثنا عمارة بن زيد، حدثنا إسحاق بن بشر وسلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثنى شيخ من الانصار يقال له عبد الله بن محمود من آل محمد بن مسلمة، قال: بلغني أن رجالا من خثعم كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الاسلام أنا كنا قوما نعبد الاوثان، فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل نفر يتقاضون إليه يرجون الفرج من عنده لشئ شجر بينهم، إذ هتف بهم هاتف يقول: يا أيها الناس ذوو الاجسام * من بين أشياخ إلى غلام (1) ما أنتم وطائش الاحلام * ومسند الحكم إلى الاصنام أكلكم في حيرة نيام (2) * أم لا ترون ما الذى أمامى من ساطع يجلو دجى الظلام * قد لاح للناظر من تهام ذاك نبى سيد الانام * قد جاء بعد الكفر بالاسلام أكرمه الرحمن من إمام * ومن رسول صادق الكلام أعدل ذى حكم من الاحكام (3) * يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للارحام * ويزجر الناس عن الآثام
__________
= 3 - وكيف علم العباس سريعا - مع أنه حديث الاسلام - أن رسول الله أول شافع وأول من تنشق عنه الارض مع أن ذلك من التفاصيل الدقيقة التى لم تكن تقررت في ذلك الوقت، وعلى كل فلا يستطيع حديث عهد بالاسلام أن يحيط بها.
4 - كذلك قوله: تلافى عرى الاسلام بعد انتقاضها..إلا أن يفسر الاسلام بالدين عموما، وهذا فهم
خاص لا يتمكن منه العباس في ذلك الوقت.
وما معنى أقام المناسكا..إن هذا الشعر مثل واضح للصنعة والافتراء.
(1) الاكتفا: يا أيها الناس ذوو الاجسام.
ومسند الحكم إلى الاصنام.
(2) الاكتفا: أكلكم أوره كالكهام.
والاوره: الاحمق.
(3) الاكتفا: أعدل في الحكم من الحكام.
(*)
والرجس والاوثان والحرام * من هاشم في ذروة السنام * مستعلنا (1) في البلد الحرام * قال: فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه وأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمنا.
وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله البلوى، حدثنا عمارة، حدثنى عبيد الله بن العلاء، حدثنا محمد بن عكبر، عن سعيد بن جبير، أن رجلا من بنى تميم يقال له رافع بن عمير، وكان أهدى الناس للطريق وأسراهم بليل وأهجمهم على هول، وكانت العرب تسميه لذلك دعموص العرب، لهدايته وجراءته على السير، فذكر عن بدء إسلامه قال: إنى لاسير برمل عالج (2) ذات ليلة إذ غلبنى النوم فنزلت عن راحلتي وأنختها وتوسدت ذراعها ونمت، وقد تعوذت قبل نومى فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن من أن أوذى أو أهاج.
فرأيت في منامي رجلا شابا يرصد ناقتي وبيده حربة يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت لذلك فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت: هذا جلم.
ثم عدت فغفوت فرأيت في منامي مثل رؤياي الاولى، فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا وإذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب، والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذى رأيت في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها وهو يقول:
يا مالك بن مهلهل بن دثار * مهلا فدا لك مئزري وإزارى عن ناقة الانسى لا تعرض لها * واختر بها ما شئت من أثوارى ولقد بدا لى منك ما لم أحتسب * ألا رعيت قرابتي وذمارى
__________
(1) الاكتفا: مستعلن.
(2) العالج: المرتفع.
(*)
تسمو إليه بحربة مسمومة * تبا لفعلك يا أبا الغفار لولا الحياء وأن أهلك جيرة * لعلمت ما كشفت من أخباري قال فأجابه الشاب وهو يقول: أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا * في غير مزرية أبا العيزار ما كان فيهم سيد فيما مضى * إن الخيار هم بنو الاخيار فاقصد لقصدك يا معكبر إنما * كان المجير مهلهل بن دثار قال: فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى: قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جارى الانسى.
فقام الفتى فأخذ منها ثورا وانصرف.
ثم التفت إلى الشيخ فقال: يا هذا إذا نزلت واديا من الاودية فخفت هوله فقل: أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي.
ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها.
قال: فقلت له: ومن محمد هذا ؟ قال: نبى عربي، لا شرقي ولا غربي، بعث يوم الاثنين.
قلت: وأين مسكنه ؟ قال: يثرب ذات النخل.
قال: فركبت راحلتي حين برق لى الصبح وجددت السير حتى تقحمت المدينة، فرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا ودعانى إلى الاسلام فأسلمت (1).
قال سعيد بن جبير وكنا نرى أنه هو الذى أنزل الله فيه (وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا).
وروى الخرائطي من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة، عن داود ابن الحسين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن على، قال: إذا كنت بواد تخاف السبع فقل أعوذ بدانيال والجب، من شر الاسد.
__________
(1) وهذا أيضا مما لا يترتب على ثبوته شئ، وهو من أساطير العرب عن الجن وما أكثرها.
(*)
وروى البلوى عن عمارة بن زيد، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، حدثنى يحيى بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، عن ابن عباس قصة قتال على الجن بالبئر ذات العلم التى بالجحفة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقى لهم الماء فأرادوا منعه وقطعوا الدلو فنزل إليهم، وهى قصة مطولة منكرة جدا والله أعلم.
وقال الخرائطي: حدثنى أبو الحارث محمد بن مصعب الدمشقي وغيره، حدثنا سليمان ابن بنت شرحبيل الدمشقي، حدثنا عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا خالد بن سعيد، عن الشعبى، عن رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب وعنده جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم: خواتيم سورة النحل.
وقال بعضهم: سورة يس.
وقال على: فأين أنتم عن فضيلة آية الكرسي: أما إنها سبعون كلمة في كل كلمة بركة.
قال: وفى القوم عمرو بن معدى كرب لا يحير جوابا، فقال: أين أنتم عن بسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال عمر: حدثنا يا أبا ثور.
قال: بينا أنا في الجاهلية إذ جهدني الجوع فأقحمت فرسى في البرية فما أصبت إلا بيض النعام، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة، وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة ومعه غنيمات له، فقلت له: استأسر ثكلتك أمك.
فرفع رأسه إلى وقال: يا فتى إن أردت قرى فانزل وإن أردت معونة أعناك.
فقلت له: استأسر.
فقال: عرضنا عليك النزل منا تكرما * فلم ترعوى جهلا كفعل الاشائم
وجئت ببهتان وزور ودون ما * تمنيته بالبيض (1) حز الغلاصم قال: ووثب إلى وثبة وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
فكأني مثلت تحته.
__________
(1) يقصد بالبيض هنا: ابنته وحريمه.
(*)
ثم قال: أقتلك أم أخلى عنك ؟ قلت: بل خل عنى.
قال: فخلى عنى.
ثم إن نفسي جاذبتني بالمعاودة.
فقلت استأسر ثكلتك أمك فقال: ببسم الله والرحمن فزنا * هنالك والرحيم به قهرنا وما تغنى جلادة ذى حفاظ * إذا يوما (1) لمعركة برزنا ثم وثب لى وثبة كأنى مثلت تحته.
فقال: أقتلك أم أخلى عنك ؟ قال: قلت بل خل عنى.
فخلى عنى فانطلقت غير بعيد.
ثم قلت في نفسي: يا عمرو أيقهرك هذا الشيخ ! والله للموت خير لك من الحياة، فرجعت إليه فقلت: استأسر ثكلتك أمك.
فوثب إلى وثبة وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم فكأني مثلت تحته، فقال: أقتلك أم أخلى عنك ؟ قلت: بل خل عنى.
فقال: هيهات، يا جارية ائتينى بالمدية.
فأتته بالمدية فجز ناصيتى، وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزت ناصيته استعبدته، فكنت معه أخدمه مدة.
ثم إنه قال: يا عمرو أريد أن تركب معى البرية وليس بى منك وجل، فإنى ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق.
قال: فسرنا حتى أتينا واديا أشبا مهولا مغولا.
فنادى بأعلى صوته ببسم الله الرحمن الرحيم.
فلم يبق طير في وكره إلا طار.
ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشى قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق، فقال لى: يا عمرو إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل: غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم.
قال: فلما رأيتهما قد اتحدا قلت: غلبه صاحبي باللات والعزى فلم يصنع الشيخ شيئا.
فرجع إلى وقال: قد علمت أنك قد خالفت قولى.
قلت: أجل ولست بعائد.
فقال: إذا رأيتنا
قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم.
فقلت: أجل.
فلما رأيتهما قد اتحدا
__________
* (1) الاصل: يوم.
(*)
قلت: غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم، فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه فاشتق بطنه، فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الاسود ثم قال: يا عمرو هذا غشه وغله.
ثم قال: أتدرى من تلك الجارية ؟ قلت: لا.
قال: تلك الفارعة بنت السليل الجرهمى من خيار الجن.
وهؤلاء أهلها بنو عمها يغزونى منهم كل عام رجل ينصرني الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم.
ثم قال: قد رأيت ما كان منى إلى الحبشى.
وقد غلب على الجوع فائتني بشئ آكله، فأقحمت بفرسي البرية فما أصبت إلا بيض النعام، فأتيته به فوجدته نائما، وإذا تحت رأسه شئ كهيئة الخشبة، فاستللته فإذا هو سيف عرضه شبر في سبعة أشبار، فضربت ساقيه ضربة أبنت الساقين مع القدمين، فاستوى على قفا ظهره وهو يقول قاتلك الله ما أغدرك يا غدار.
قال عمر: ثم ماذا صنعت ؟ قلت: فلم أزل أضربه بسيفي حتى قطعته إربا إربا.
قال فوجم لذلك ثم أنشأ يقول: بالغدر نلت أخا الاسلام عن كثب * ما إن سمعت كذا في سالف العرب والعجم تأنف مما جئته كرما * تبا لما جئته في السيد الارب إنى لاعجب أنى نلت قتلته * أم كيف جازاك عند الذنب لم تنب ؟ قرم عفا عنك مرات وقد علقت * بالجسم منك يداه موضع العطب لو كنت آخذ في الاسلام ما فعلوا * في الجاهلية أهل الشرك والصلب إذا لنالتك من عدلى مشطبة (1) * تدعو لذائقها بالويل والحرب قال: ثم ما كان من حال الجارية ؟ قلت: ثم إنى أتيت الجارية.
فلما رأتنى قالت: ما فعل الشيخ ؟ قلت: قتله الحبشى، فقالت: كذبت بل قتلته أنت بغدرك ثم أنشأت تقول:
__________
(1) أي مهلكة.
(*)
يا عين جودى للفارس المغوار * ثم جودى بواكفات غزار لا تملى البكاء إذ خانك الده * ر بواف [ ذى ] حقيقة صبار وتقى وذى وقار وحلم * وعديل الفخار يوم الفخار لهف نفسي على بقائك عمرو * أسلمتك الاعمار للاقدار ولعمري لو لم ترمه بغدر * رمت ليثا كصارم بتار قال: فأحفظنى قولها فاستللت سيفى ودخلت الخيمة لاقتلها فلم أر في الخيمة أحدا.
فاستقت الماشية وجئت إلى أهلى.
وهذا أثر عجيب (1).
والظاهر أن الشيخ كان من الجان وكان ممن أسلم وتعلم القرآن، وفيما تعلمه بسم الله الرحمن الرحيم.
وكان يتعوذ بها.
وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوى، حدثنا عمارة بن زيد، قال: حدثنى عبد الله بن العلاء، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبى بكر، قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل يذكران أنهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا: فلما دخلنا عليه قال لنا: اصدقاني أيها القرشيان هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه إبل كثيرة ؟ قلنا: نعم.
قال: فهل لكما علم به ما فعل ؟ قلنا: تزوج امرأة يقال لها آمنة بنت وهب تركها حاملا وخرج.
قال: فهل تعلمان ولد أم لا ؟ قال ورقة بن نوفل: أخبرك أيها الملك، إنى ليلة قد بت عند وثن لنا كنا نطيف به، ونعبده إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول:
__________
(1) بل هو أسطورة لا سبيل إلى تصديقها.
(*)
ولد النبي فذلت الاملاك * ونأى الضلال وأدبر الاشراك ثم انتكس الصنم على وجهه فقال زيد بن عمرو بن نفيل: عندي كخبره أيها الملك.
قال: هات قال: أنا في مثل هذه الليلة التى ذكر فيها حديثه خرجت من عند أهلى وهم يذكرون حمل آمنة حتى أتيت جبل أبى قبيس أريد الخلو فيه لامر رابنى، إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران، فوقف على أبى قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذل الشيطان وبطلت الاوثان، ولد الامين.
ثم نشر ثوبا معه وأهوى به نحو المشرق والمغوب.
فرأيته قد جلل ما تحت السماء وسطع نور كاد أن يختطف بصرى وهالني ما رأيت.
وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة، فسطع له نور أشرقت له تهامة.
وقال: ذكت الارض وأدت ربيعها.
وأومأ إلى الاصنام التى كانت على الكعبة فسقطت كلها.
قال النجاشي: ويحكما أخبركما عما أصابني، إنى لنائم في الليلة التى ذكرتما في قبة وقت خلوتي، إذ خرج على من الارض عنق ورأس، وهو يقول: حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل، بحجارة من سجيل هلك الاشرم المعتدى المجرم، وولد النبي الامي، المكى الحرمى، من أجابه سعد، ومن أباه عتد.
ثم دخل الارض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام، ورمت القيام فلم أطق القيام، فصرعت القبة بيدى، فسمع بذلك أهلى فجاءوني فقلت: احجبوا عنى الحبشة، فحجبوهم عنى ثم أطلق عن لساني ورجلي.
وسيأتى (1) إن شاء الله تعالى في قصة المولد رؤيا كسرى في سقوط أربع عشرة شرفة من إيوانه، وخمود نيرانه ورؤيا موبذانه، وتفسير سطيح لذلك على يدى عبد المسيح.
وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في ترجمة الحارث بن هانئ بن المدلج بن ابن المقداد بن زمل بن عمرو العذري، عن أبيه عن جده، عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري،
__________
(1) قد مر ذلك.
(*)
قال: كان لبنى عذرة صنم يقال له صمام، وكانوا يعظمونه، وكان في بنى هند بن حرام ابن ضبة بن عبد بن كبير (1) بن عذرة، وكان سادنه رجلا يقال له طارق، وكانوا يعترون عنده.
فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعنا صوتا يقول: يا بنى هند بن حرام، ظهر الحق وأودى صمام، ودفع الشرك الاسلام.
قال: ففزعنا لذلك وهالنا.
فمكثنا أياما ثم سمعنا صوتا وهو يقول: يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، بوحى ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع منى إلى يوم القيامة.
قال زمل: فوقع الصنم لوجهه.
قال: فابتعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من قومي وأنشدته شعرا قلته: إليك رسول الله أعملت نصها * وكلفتها حزنا وغورا من الرمل لانصر خير الناس نصرا مؤزرا * وأعقد حبلا من حبالك في حبلى وأشهد أن الله لا شئ غيره * أدين به ما أثقلت قدمى نعلي قال: فأسلمت وبايعته، وأخبرناه بما سمعنا فقال: " ذاك من كلام الجن ".
ثم قال: " يا معشر العرب، إنى رسول الله إليكم وإلى الانام كافة، أدعوهم إلى عبادة الله وحده، وأنى رسوله وعبده، وأن تحجوا البيت وتصوموا شهرا من أثنى عشر شهرا وهو رمضان، فمن أجابنى فله الجنة نزلا، ومن عصاني كانت النار له منقلبا ".
قال: فأسلمنا وعقد لنا لواء.
وكتب لنا كتابا نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة، إنى بعثته إلى قومه عامدا، فمن أسلم ففى حزب الله ورسوله.
ومن أبى فله أمان شهرين.
شهد على بن أبى طالب ومحمد بن مسلمة الانصاري ".
__________
(1) الاصل: كثير وهو تحريف.
(*)
ثم قال ابن عساكر: غريب جدا (1).
وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الاموى في مغازيه: حدثنى محمد بن سعيد - يعنى عمه - قال: قال محمد بن المنكدر: إنه ذكر لى عن ابن عباس قال: هتف هاتف من من الجن على أبى قبيس فقال: قبح الله رأيكم آل فهر * ما أدق العقول والافهام حين تغضي لمن يعيب عليها * دين آبائها الحماة الكرام حالف الجن جن بصرى عليكم * ورجال النخيل والآطام يوشك الخيل أن تروها (2) تهادى * تقتل القوم في حرام بهام هل كريم منكم له نفس حر * ماجد الوالدين والاعمام ضارب ضربة تكون نكالا * ورواحا من كربة واغتمام قال ابن عباس: فأصبح هذا الشعر حديثا لاهل مكة يتناشدونه بينهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا شيطان يكلم الناس في الاوثان، يقال له مسعر، والله مخزيه " فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول: نحن قتلنا في ثلاث مسعرا * إذ سفه الجن وسن المنكر قنعته سيفا حساما مشهرا * بشتمه نبينا المطهرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا عفريت من الجن اسمه سمج آمن بى سميته عبد الله، أخبرني أنه في طلبه ثلاثة أيام " فقال على: جزاه الله خيرا يا رسول الله.
__________
(1) وما الذى يحمل على رواية الاخبار الواهية ثم التعليق عليها بأنها غريبة جدا ! لقد كان الاولى نبذها وفى الثابت الصحيح غنية عن الغرائب والعجائب.
(2) ط: أن تردها.
وهو تحريف.
(*)
وقد روى الحافظ أبو نعيم في الدلائل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن أبى حرب الصفار، حدثنا عباس بن الفرج الرياشى، حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبى ثابت، عن أبيه، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، عن سعد بن عبادة قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حضرموت في حاجة قبل الهجرة، حتى إذا كنت في بعض الطريق ساعة من الليل فسمعت هاتفا يقول: أبا عمرو تناوبني (1) السهود * وراح النوم وامتنع الهجود لذكر عصابة سلفوا وبادوا * وكل الخلق قصرهم يبيد تولوا واردين إلى المنايا * حياضا ليس منهلها الورود مضوا لسبيلهم وبقيت خلفا * وحيدا ليس يسعفنى وحيد سدى لا أستطيع علاج أمر * إذا ما عالج الطفل الوليد فلايا ما بقيت إلى أناس * وقد باتت بمهلكها ثمود وعاد والقرون بذى شعوب * سواء كلهم إرم حصيد قال: ثم صاح به آخر: يا خرعب، ذهب بك العجب ؟ إن العجب كل العجب بين زهرة ويثرب.
قال: وما ذاك يا شاحب ؟ قال: نبى السلام، بعث بخير الكلام إلى جميع الانام، فاخرج من البلد الحرام إلى نخيل وآطام.
قال: ما هذا النبي المرسل والكتاب المنزل، والامى المفضل ؟ قال رجل من ولد لؤى بن غالب، بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.
__________
(1) خ ط: ناوبنى.
(*)
قال: هيهات فات عن هذا سنى، وذهب عنه زمنى، لقد رأيتنى والنضر بن كنانة نرمى غرضا واحدا، ونشرب حلبا باردا، ولقد خرجت به من دوحة في غداة شبمة (1) وطلع مع الشمس وغرب معها، ويروى ما يسمع ويثبت ما يبصر، ولئن كان هذا من ولده لقد سل السيف وذهب الخوف، ودحض الزنا، وهلك الربا.
قال: فأخبرني ما يكون ؟ قال: ذهبت الضراء والبؤس والمجاعة، والشدة والشجاعة إلا بقية في خزاعة.
وذهبت الضراء والبؤس، والخلق المنفوس إلا بقية من الخزرج والاوس.
وذهبت الخيلاء والفخر، والنميمة والغدر، إلا بقية في بنى بكر.
يعنى ابن هوازن.
وذهب الفعل المندم والعمل المؤثم، إلا بقية في خثعم.
قال: أخبرني ما يكون ؟ قال: إذا غلبت البرة، وكظمت الحرة، فاخرج من بلاد الهجرة، وإذا كف السلام، وقطعت الارحام، فاخرج من البلد الحرام.
قال: أخبرني ما يكون ؟ قال: لولا أذن تسمع، وعين تلمع، لاخبرتك بما تفزع.
ثم قال: لا منام هدأته بنعيم * يا ابن غوط ولا صباح أتانا قال: ثم صرصر صرصرة كأنها صرصرة حبلى، فذهب الفجر، فذهبت لانظر فإذا عظاية (2) وثعبان ميتان.
قال: فما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث.
ثم رواه عن محمد بن جعفر، عن إبراهيم بن على، عن النضر بن سلمة، عن حسان ابن عبادة بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر، عن ابن عباس عن سعد بن عبادة.
قال: لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة خرجت إلى حضرموت لبعض الحاج، قال: فقضيت حاجتى ثم أقبلت حتى إذا كنت ببعض الطريق نمت، ففزعت من الليل بصائح يقول:
__________
(1) شبمة: باردة.
(2) العظاية: دويبة ملساء تمشى مشيا سريعا ثم تقف.
(*)
أبا عمرو تناوبني السهود * وراح النوم وانقطع الهجود وذكر مثله بطوله.
وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن على، حدثنا النضر بن سلمة حدثنا أبو غزية محمد بن موسى، عن العطاف بن خالد الوصابى، عن خالد بن سعيد، عن أبيه قال: سمعت تميما الدارى يقول: كنت بالشام حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجت لبعض حاجتى فأدركني الليل.
فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة.
قال: فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمنادي ينادى لا أراه: عذ بالله، فإن الجن لا تجير أحدا على الله.
فقلت أيم الله [ ما ] تقول ؟ فقال: قد خرج رسول الاميين رسول الله، وصلينا خلفه بالحجون.
فأسلمنا واتبعناه، وذهب كيد الجن ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم.
قال تميم: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، فسألت راهبا وأخبرته الخبر.
فقال الراهب: قد صدقوك، يخرج من الحرم، ومهاجره الحرم، وهو خير الانبياء فلا تسبق إليه.
قال تميم: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت.
وقال حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن يزيد الهذلى، عن عبد الله بن ساعدة الهذلى، عن أبيه قال: كنا عند صنمنا سواع، وقد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد أصابها جرب، فأدنيناها منه لنطلب بركته، فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادى: قد ذهب كيد الجن ورمينا بالشهب، لنبى اسمه أحمد.
قال فقلت غويت والله.
فصدفت وجه غنمي منجدا إلى أهلى فرأيت رجلا، فخبرني بظهور النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكره أبو نعيم هكذا معلقا.
ثم قال: حدثنا عمر بن محمد بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن السندي، حدثنا النضر ابن سلمة، حدثنا محمد بن مسلمة المخزومى، حدثنا يحيى بن سليمان، عن حكيم بن عطاء الظفرى - من بنى سليم من ولد راشد بن عبد ربه - عن أبيه، عن جده، عن راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الذى يقال له سواع بالمعلاة من رهط تدين له هذيل وبنو ظفر بن سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية من سليم إلى سواع.
قال راشد: فألقيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، فإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبى من بنى عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للاصنام، وحرست السماء ورمينا بالشهب، العجب كل العجب.
ثم هتف صنم آخر من جوفه: ترك الضمار وكان يعبد، خرج النبي أحمد، يصلى الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام، والبر والصلات للارحام.
ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف يقول: إن الذى ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى نبى أتى يخبر بما سبق، وبما يكون اليوم حقا أو غد.
قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدى له، ثم يعوجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه: أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجره إلى المدينة وتسامع الناس به،
فخرج راشد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ومعه كلب له، واسم راشد يومئذ
ظالم، واسم كلبه راشد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما اسمك ؟ " قال: ظالم.
قال: " فما اسم كلبك ؟ " قال: راشد، قال " اسمك راشد، واسم كلبك ظالم ! " وضحك النبي صلى الله عليه وسلم.
وبايع النبي صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة معه، ثم طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيعة بوهاط - ووصفها له - فأقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعلاة من وهاط شأو الفرس، ورميته ثلاث مرات بحجر، وأعطاه إداوة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له " فرغها في أعلا القطيعة ولا تمنع الناس فضلها " ففعل.
فجعل الماء معينا يجرى إلى اليوم، فغرس عليها النخل.
ويقال إن وهاط كلها تشرب منه، فسماها الناس ماء الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأهل وهاط يغتسلون بها.
وبلغت رمية راشد الركب الذى يقال له ركب الحجر، وغدا راشد على سواع فكسره.
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا على بن إبراهيم الخزاعى الاهوازي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن مسرع بن ياسر ابن سويد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا أبى، عن أبيه دلهاث، عن أبيه إسماعيل، أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر، أن أباه ياسر حدثه عن عمرو ابن مرة الجهنى، أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية.
فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء في جبل يثرب وأشعر جهينة (1).
فسمعت صوتا في النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الانبياء.
__________
(1) أشعر جهينة: جبل ينحدر على ينبع من أعلاه.
معجم البلدان.
(*)
ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن (1).
فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الاسلام، وكسرت الاصنام،
ووصلت الارحام.
فانتبهت فزعا، فقلت لقومي: والله ليحدثن في هذا الحى من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت.
فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له أحمد قد بعث، فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال: " يا عمرو بن مرة، إنى المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الارحام، وعبادة الله ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر من اثنى عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة.
ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من نار جهنم ".
فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الاقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به، وكان لنا صنم وكان أبى سادنا له، فقمت إليه فكسرته ثم لحقت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الاحجار أول تارك فشمرت عن ساقى إزار مهاجر * إليك أدب الغور بعد الدكادك (2) لاصحب خير الناس نفسا وولدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مرحبا بك يا عمرو بن مرة ".
فقلت: يا رسول بأبى أت وأمى، ابعث بى إلى قومي، لعل الله أن يمن بى عليهم كما من بك على.
__________
(1) أبيض المدائن: قصر كسرى.
(2) الوفا والخصائص: فشمرت عن ساقى الازار مهاجرا * إليك أجوب الدعث بعد الدكادك والدكادك: الارض المستوية.
(*)
فبعثني إليهم وقال: " عليك بالقول السديد، ولا تكن فظا ولا متكبرا
ولا حسودا ".
فأتيت قومي فقلت لهم: يا بنى رفاعة ثم يا بنى جهينة، إنى رسول من رسول الله إليكم، أدعوكم إلى الجنة، وأحذركم النار، وآمركم بحقن الدماء، وصلة الارحام، وعبادة الله، ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من اثنى عشر شهرا.
فمن أجاب فله الجنة.
ومن عصى فله النار، يا معشر جهينة: إن الله، وله الحمد، جعلكم خيار من أنتم منه، وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، لانهم كانوا يجمعون بين الاختين، ويخلف الرجل على امرأة أبيه، والترات في الشهر الحرام.
فأجيبوا هذا النبي المرسل صلى الله عليه وسلم من بنى لؤى بن غالب، تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة، سارعوا سارعوا في ذلك يكون لكم فضيلة عند الله.
فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة، أمر الله عليك عيشك !، أتأمرنا أن أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا بمخالفة دين آبائنا إلى ما يدعو هذا القرشى من أهل تهامة ؟ لا ولا مرحبا ولا كرامة، ثم أنشأ يقول: إن ا ؟ ن مرة قد أتى بمقالة * ليست مقالة من يريد صلاحا إنى لاحسب قوله وفعاله * يوما وإن طال الزمان رياحا أنسفه الاشياخ ممن قد مضى * من رام ذلك لا أصاب فلاحا فقال عمرو بن مرة: الكاذب منى ومنك أمر الله عيشه وأبكم لسانه، وأكمه بصره.
قال عمرو بن مرة: والله ما مات حتى سقط فوه، وكان لا يجد طعم الطعام، وعمى وخرس.
وخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه حتى أتو النبي صلى الله عليه وسلم، فرحب
بهم وحباهم، وكتب لهم كتابا هذه نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من
الله على لسان رسول الله بكتاب صادق، وحق ناطق، مع عمرو بن مرة الجهنى، لجهينة بن زيد: إن لكم بطون الارض وسهولها، وتلاع الاودية وظهورها، ترعون نباته وتشربون صافيه.
على أن تقروا بالخمس، وتصلوا الصلوات الخمس، وفى التبعة والصريمة شاتان إن اجتمعتا، وإن تفرقتا فشاة شاة.
ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة ".
وشهد من حضرنا من المسلمين بكتاب قيس بن شماس رضى الله عنهم.
وذلك حين يقول عمرو بن مرة: ألم تر أن الله أظهر دينه * وبين برهان القران لعامر كتاب من الرحمن نور لجمعنا * وأخلافنا في كل باد وحاضر إلى خير من يمشى على الارض كلها * وأفضلها عند اعتكار الضرائر (1) أطعنا رسول الله لما تقطعت * بطون الاعادي بالظبى والخواطر فنحن قبيل قد بنى المجد حولنا * إذا اجتلبت في الحرب هام الاكابر بنو الجرب نقريها (2) يأيد طويلة * وبيض تلالا في أكف المغاور ترى حوله الانصار تحمى أميرهم (3) * بسمر العوالي والصفاح البواتر إذا الحرب دارت عند كل عظيمة * ودارت رحاها بالليوث الهواصر تبلج منه اللون وازداد وجهه * كمثل ضياء البدر بين الزواهر وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الاموى في مغازيه: حدثنا عبد الله، حدثنا بو عبد الله، حدثنا المجالد بن سعيد، والاجلح، عن الشعبى، حدثنى شيخ من جهينة
__________
(1) ط خ: الصرائر، وما أثبته عن الوفا (2) ط خ: نفريها، وما أثبته عن الوفا.
(3) الوفا: يحمون سربه.
(*)
قال: مرض منا رجل مرضا شديدا فثقل حتى حفرنا له قبره وهيأنا أمره، فأغمى عليه
ثم فتح عينيه وأفاق فقال: أحفرتم لى ؟ قالوا: نعم، قال: فما فعل الفصل - وهو ابن عم له - قلنا: صالح مر آنفا يسأل عنك.
قال: أما إنه يوشك أن يجعل في حفرتي، إنه أتانى آت حين أغمى على فقال: ابك هبل، أما ترى حفرتك تنتثل، وأمك قد كادت تثكل ؟ أرأيتك إن حولناها عنك بالمحول، ثم ملاناها بالجندل، وقذفنا فيها الفصل، الذى مضى فأجزأك، وظن أن لن يفعل، أتشكر لربك وتصل، وتدع دين من أشرك وضل ؟ قال: قلت نعم.
قال: قم قد برئت.
قال: فبرئ الرجل.
ومات الفصل فجعل في حفرته.
قال الجهينى: فرأيت الجهينى بعد ذلك يصلى ويسب الاوثان ويقع فيها.
وقال الاموى: حدثنا عبد الله، قال: بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه في مجلس يتحدثون عن الجن، فقال خريم بن فاتك الاسدي: ألا أحدثك كيف كان إسلامى ؟ قال: بلى.
قال: إنى يوما في طلب ذود لى أنا منها على أثر تنصب وتصعد، حتى إذا كنت بأبرق العزاف (1) أنخت راحلتي وقلت: أعوذ بعظيم هذه البلدة، أعوذ برئيس هذا الوادي، فإذا بهاتف يهتف بى: ويحك، عذ بالله ذى الجلال * والمجد والعلياء والافضال ثم اتل آيات من الانفال * ووحد الله ولا تبالي قال: فذعرت ذعرا شديدا ثم رجعت إلى نفسي فقلت:
__________
(1) أبرق العزاف: ماء لبنى أسد في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة.
وفى الاصل والمطبوعة: أبرق العراق وهو تحريف.
وما أثبته عن الدلائل ومعجم البلدان 1 / 84 أوربا.
(*)
يا أيها الهاتف ما تقول * أرشد عندك أم تضليل ؟ * بين هداك الله ما الحويل (1) *
قال: فقال: هذا رسول الله ذو الخيرات * بيثرب يدعو إلى النجاة يأمر بالبر وبالصلاة * ويزع الناس عن الهنات قال قلت له: والله لا أبرح حتى آتيه وأومن به.
فنصبت رجلى غرز راحلتي وقلت: أرشدني أرشدني هديتا * لا جعت ما عشت ولا عريتا ولا برحت سيدا مقيتا * لو تؤثر الخير الذى أتيتا * على جميع الجن ما بقيتا * فقال: صاحبك الله وأدى رحلكا * وعظم الاجر وعافى نفسكا آمن به أفلج ربى حقكا * وانصره نصرا عزيزا نصركا قال: قلت: من أنت عافاك الله، حتى أخبره إذا قدمت عليه ؟ فقال أنا ملك بن ملك، وأنا نقيبه على جن نصيبين.
وكفيت إبلك حتى أضمها إلى أهلك إن شاء الله.
قال: فخرجت حتى أتيت المدينة يوم الجمعة والناس أرسال إلى المسجد، والنبى صلى الله عليه وسلم على المنبر كأنه البدر يخطب الناس، فقلت أنيخ على باب المسجد حتى يصلى وأدخل عليه فأسلم وأخبره عن إسلامى، فلما أنخت خرج إلى أبو ذر فقال: مرحبا وأهلا وسهلا قد بلغنا إسلامك، فادخل فصل.
ففعلت، ثم جئت إلى رسول الله صلى
__________
(1) الدلائل والوفا: بين هداك الله ما السبيل.
(*)
الله عليه وسلم فأخبرني بإسلامى.
فقلت: الحمد لله.
قال: " أما إن صاحبك قد وفى لك وهو أهل ذلك، وأدى إبلك إلى أهلك ".
وقد رواه الطبراني (1) في ترجمة خريم بن فاتك من معجمه الكبير قائلا: حدثنا
الحسين بن إسحاق اليسيرى، حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدثنا عبد الله بن موسى الاسكندرى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن أبى هريرة قال: قال خريم بن فاتك لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين ألا أخبرك كيف كان بدء إسلامى ؟ قال: بلى.
فذكره، غير أنه قال: فخرج إلى أبو بكر الصديق فقال: ادخل، فقد بلغنا إسلامك، فقلت: لا أحسن الطهور.
فعلمني، فدخلت المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه البدر وهو يقول " ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى صلاة يحفظها ويعقلها إلا دخل الجنة ".
فقال لى عمر: لتأتين على هذا ببينة أو لانكلن بك.
فشهد لى شيخ قريش عثمان بن عفان فأجاز شهادته.
ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبى شيبة، عن محمد بن تيم، عن محمد ابن خليفة، عن محمد بن الحسن، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لخريم بن فاتك: حدثنى بحديث يعجبنى.
فذكر مثل السياق الاول سواء.
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشى الدمشقي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبى عمرو الشيباني، عن عبد الله بن الديلمى، قال: أتى رجل ابن عباس فقال: بلغنا أنك تذكر سطيحا، تزعم أن الله خلقه، لم يخلق من بنى آدم شيئا
__________
(1) هذه الرواية ليست في ا.
(*)
يشبهه ؟ قال: قال: نعم إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم (1) ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة، والكفان.
وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، ولم يكن فيه شئ يتحرك إلا لسانه.
فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فأتى به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش: عبد شمس، وهاشم ابنا عبد مناف بن قصى،
والاحوص بن فهر، وعقيل بن أبى وقاص، فانتموا إلى غير نسبهم وقالوا: نحن أناس من جمح أتيناك، بلغنا قدومك فرأينا أن إتياننا إياك حق لك واجب علينا.
وأهدى إليه عقيل صفيحة هندية، وصعدة ردينية، فوضعت على باب البيت الحرام، لينظروا أهل يراها سطيح أم لا.
فقال: يا عقيل: ناولنى يدك.
فناوله يده فقال: يا عقيل والعالم الخفية، والغافر الخطية، والذمة الوفية، والكعبة المبنية، إنك للجائى بالهدية، الصفيحة الهندية، والصعدة الردينية.
قالوا: صدقت يا سطيح.
فقال: والآتي بالفرح، وقوس قزح، وسائر الفرح، واللطيم المنبطح، والنخل والرطب والبلح، إن الغراب حيث مر سنح، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، وأن نسبهم من قريش ذى البطح، قالوا: صدقت يا سطيح نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا وما يكون بعده، فلعل أن يكون عندك في ذلك علم.
قال: الآن صدقتم، خذوا منى ومن إلهام الله إياى، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، ويبلغون الردم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم.
__________
(1) الوضم: شرائح من جريد النخل.
(*)
قالوا: يا سطيح فمن يكون أولئك ؟ فقال لهم: والبيت ذى الاركان، والامن والسكان، لينشأن من عقبكم ولدان، يكسرون الاوثان، وينكرون عبادة الشيطان، ويوحدون الرحمن، وينشرون دين الديان، يشرفون البنيان، ويستفتون الفتيان.
قالوا: يا سطيح من نسل من يكون أولئك ؟ قال: وأشرف الاشراف، والمفضى للاشراف، والمزعزع الاحقاف، والمضعف
الاضعاف، لينشؤن الالاف من عبد شمس وعبد مناف، نشوءا يكون فيه اختلاف.
فالوا: يا سوأتاه يا سطيح مما تخبرنا من العلم بأمرهم، ومن أي بلد يخرج أولئك ؟ فقال: والباقى الابد، والبالغ الامد، ليخرجن من ذا البلد، فتى يهدى إلى الرشد، يرفض يغوث والفند، يبرأ من عبادة الضد، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه الله محمودا، من الارض مفقودا، وفى السماء مشهودا.
ثم يلى أمره الصديق إذا قضى صدق، في رد الحقوق لا خرق ولا نزق، ثم يلى أمره الحنيف، مجرب غطريف، ويترك قول العنيف، قد ضاف المضيف، وأحكم التحنيف.
ثم يلى أمره داعيا لامره مجربا، فتجتمع له جموعا وعصبا، فيقتلونه نقمة عليه وغضبا، فيؤخذ الشيخ فيذبح إربا، فيقوم به رجال خطبا.
ثم يلى أمره الناصر، يخلط الرأى برأى المناكر، يظهر في الارض العساكر، ثم يلى بعده ابنه يأخذ جمعه ويقل حمده، ويأخذ المال ويأكل وحده، ويكثر المال بعقبه من بعده، ثم يلى من بعده عدة ملوك، لا شك الدم فيهم مسفوك، ثم بعدهم الصعلوك، يطويهم كطى الدرنوك (1).
ثم يلى من بعده عظهور (2) يقضى الحق ويدنى مصر، يفتتح الارض افتتاحا منكرا، ثم يلى قصير القامة، بظهره علامة، يموت موتا وسلامة.
ثم يلى قليلا باكر، يترك الملك بائر، يلى أخوه بسنته سائر، يختص بالاموال والمنابر ثم يلى من بعده أهوج،
__________
(1) الدرنوك: نوع من البسط له خمل.
(2) الموجود في المعاجم: عظير كإردب، وهو القوى الغليظ (*)
صاحب دنيا ونعيم مخلج، يتشاوره معاشره وذووه، ينهضون إليه يخلعونه يأخذ الملك ويقتلونه، ثم يلى أمره من بعده السابع، يترك الملك محلا ضائع، بنوه في ملكه كالمشوه جامع، عند ذلك يطمع في الملك كل عريان، ويلى أمره اللهفان.
يرضى نزارا جمع قحطان، إذا التقيا بدمشق جمعان بين بنيان ولبنان، يصنف اليمن يومئذ صنفان: صنف المشورة، وصنف المخذول.
لا ترى إلا حباء محلول.
وأسيرا مغلول، بين القراب
والخيول.
عند ذلك تخرب المنازل وتسلب الارامل، وتسقط الحوامل، وتظهر الزلازل، وتطلب الخلافة وائل، فتغضب نزار، فتدنى العبيد والاشرار، وتقصى الامثال والاخيار.
وتغلو الاسعار في صفر الاصفار يقتل كل حيا منه، ثم يسيرون إلى خنادق وإنها ذات أشعار وأشجار تصد له الانهار ويهزمهم أول النهار، تظهر الاخيار فلا ينفعهم نوم ولا قرار.
حتى يدخل مصرا من الامصار، فيدركه القضاء والاقدار.
ثم يجئ الرماة تلف مشاة، لقتل الكماة، وأسر الحماة.
وتهلك الغواة، هنالك يدرك في أعلى المياه.
ثم يبور الدين، وتقلب الامور، وتكفر الزبور، وتقطع الجسور، فلا يفلت إلا من كان في جزائر البحور، ثم تبور الحبوب، وتظهر الاعاريب، ليس فيهم معيب، على أهل الفسوق والريب، في زمان عصيب، لو كان للقوم حيا، وما تغنى المنى.
قالوا: ثم ماذا يا سطيح ؟ قال: ثم يظهر رجل من أهل اليمن كالشطن، يذهب الله على رأسه الفتن.
وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته وما تضمن من الفتن والملاحم (1).
وقد تقدم قصة شق وسطيح مع ربيعة بن نصر ملك اليمن، وكيف بشر بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك تقدم قصة سطيح مع ابن أخته عبد المسيح، حين أرسله ملك بنى ساسان، لارتجاس الايوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان.
وذلك ليلة مولد الذى نسخ بشريعته سائر الاديان.
__________
(1) بل هو هذيان ما كان ينبغى أن يسطر في الكتب.
وما أشبهه بتنبؤات الفلكيين ! (*)
باب كيفية بدء الوحى (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أول شئ أنزل عليه من القرآن العظيم) كان ذلك وله صلى الله عليه وسلم من العمر أربعون سنة.
وحكى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب: أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا
وأربعين سنة.
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة (1) في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
ثم حبب إليه الخلاء، فكان (2) يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها.
حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.
فجاءه الملك فقال: اقرأ.
فقال: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني.
فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني.
فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد.
ثم أرسلني فقال: " اقرأ باسم ربك الذى خلق.
خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الاكرم.
الذى علم بالقلم.
علم الانسان ما لم يعلم ".
__________
(1) البخاري: الصالحة.
(2) البخاري: وكان.
(*)
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني زملوني.
فزملوه حتى ذهب عنه الروع.
فقال لخديجة - وأخبرها الخبر -: لقد خشيت على نفسي.
فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا.
إنك لتصل الرحم وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة.
وكان امرءا قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب.
وكان شيخا كبيرا قد عمى.
فقالت له خديجة: يا بن عم ! اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا بن أخى ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.
فقال له ورقة: هذا الناموس الذى كان ينزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعا، ليتنى أكون حيا، إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجى هم ؟ ! " فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحى (1) فترة.
حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال.
فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا.
فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع.
فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا كمثل ذلك.
قال: فإذا أوفى بذورة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك.
هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري.
__________
(1) إلى هنا رواية البخاري في صحيحه في باب بدء الوحى 1 / 3 (*)
قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الانصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحى - فقال في حديثه: " بينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصرى فإذا الملك الذى جاءني بحراء جالس على كرسى بين السماء والارض: فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني، زملوني.
فأنزل الله " يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر " فحمى الوحى وتتابع.
ثم قال البخاري: تابعه عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، يعنى عن الليث، وتابعه هلال ابن رداد (1) عن الزهري.
وقال يونس ومعمر: - بوادره (2).
وهذا الحديث قد رواه الامام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه، وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحى إسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة.
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما، وقد رمزنا في الحواشى على زيادات مسلم ورواياته، ولله الحمد، وانتهى سياقه إلى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا.
فقول أم المؤمنين عائشة " أول ما بدئ به من الوحى الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح " يقوى ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمير الليثى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب.
فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ ؟ فغتنى، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني " وذكر نحو حديث عائشة سواء.
فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازى موسى بن عقبة عن الزهري، أنه رأى ذلك في المنام، ثم جاءه الملك في اليقظة.
وقد قال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني: في كتابه " دلائل النبوة ": حدثنا محمد بن أحمد
__________
(1) الاصل والمطبوعة: داود.
وهو تحريف (2) أي ترجف بوادره بدل رواية: يرجف فؤاده.
(*)
ابن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة، حدثنا جناب بن الحارث، حدثنا عبد الله بن الاجلح، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، قال: إن أول ما يؤتى به الانبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحى بعد (1).
وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه، وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده.
ذكر عمره عليه الصلاة والسلام وقت بعثته وتاريخها قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن أبى عدى، عن داود بن أبى هند، عن عامر
الشعبى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشئ، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشرا بمكة وعشرا بالمدينة.
فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
فهذا إسناد صحيح إلى الشعبى، وهو يقتضى أن إسرافيل قرن معه بعد الاربعين ثلاث سنين، ثم جاءه جبريل.
وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال: وحديث عائشة لا ينافى هذا.
فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا، ثم وكل به إسرافيل في تلك المدة التى كان يخلو فيها بحراء، فكان يلقى إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجا له وتمرينا، إلى أن جاءه جبريل فعلمه بعد ما غطه ثلاث مرات، فحكت عائشة ما جرى له مع
__________
(1) ليس في دلائل النبوة المطبوع.
(*)
جبريل ولم نحك ما جرى له مع إسرافيل اختصارا للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل.
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشرا، وبالمدينة عشرا، ومات وهو ابن ثلاث وستين.
وهكذا روى يحيى بن سعيد، وسعيد بن المسيب.
ثم روى أحمد عن غندر، ويزيد بن هارون، كلاهما عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين.
ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا عمار بن أبى عمار، عن ابن عباس قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة، سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت، وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشر سنين.
قال أبو شامة: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته.
فمن ذلك ما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث، إنى لاعرفه الآن ".
انتهى كلامه.
وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين، من عبادة الاوثان والسجود للاصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه، صلوات الله وسلامه عليه.
وقد ذكر محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان بن العلاء بن حارثة - قال: وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، وكان من نسك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة.
وهكذا روى عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك.
وهذا يدل على أن هذا كان عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة.
ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ
أبو الحجاج المزى رحمهم الله، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرقى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب.
والله أعلم.
وحراء يقصر ويمد، ويصرف ويمنع، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية، والغار في تلك الحنية.
وما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج: فلا ورب الآمنات القطن * ورب ركن من حراء منحنى وقوله في الحديث: " والتحنث: التعبد " تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حيث البنية (1) فيما قاله السهيلي: الدخول في الحنث.
ولكن سمعت ألفاظ قليلة في
__________
(1) الاصل والمطبوعة: من حنث البنية.
وفى ا: من حنث الثنية وكله تحريف.
(*)
اللغة معناها الخروج من ذلك الشئ كتحنث أي خرج من الحنث.
وتحوب وتحرج وتأثم.
وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة.
وتنجس وتقذر.
أوردها أبو شامة.
وقد سئل ابن الاعرابي عن قوله " يتحنث أي يتعبد ".
فقال: لا أعرف هذا، إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام.
قال ابن هشام: والعرب تقول: التحنث والتحنف.
يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف وجذف، كما قال رؤبة: * لو كان أحجارى مع الاجذاف * يريد الاجداث.
قال: وحدثني أبو عبيدة، أن العرب تقول فم في موضع ثم.
قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين: " وفومها " أن المراد ثومها.
وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا ؟ وما ذلك الشرع ؟
فقيل: شرع نوح.
وقيل: شرع إبراهيم.
وهو الاشبه الاقوى.
وقيل موسى.
وقيل عيسى.
وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به.
ولبسط هذه الاقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم.
وقوله " حتى فجأه الحق وهو بغار حراء " أي جاء بغتة على غير موعد، كما قال تعالى: " وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك (1) " الآية.
__________
(1) سورة النمل 86.
(*)
وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهى (اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الانسان من علق.
اقرأ وربك الاكرم.
الذى علم بالقلم.
علم الانسان ما لم يعلم)، وهى أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير وكما سيأتي أيضا، في يوم الاثنين.
كما ثبت في صحيح مسلم عن أبى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سئل عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال: " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل على فيه ".
وقال ابن عباس: ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونبى يوم الاثنين.
وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء أنه عليه الصلاة والسلام أوحى إليه يوم الاثنين، وهذا ما لا خلاف فيه بينهم.
ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الاول، كما تقدم عن ابن عباس وجابر أنه ولد عليه السلام، في الثاني عشر من ربيع الاول يوم الاثنين، وفيه بعث، وفيه عرج به
إلى السماء.
والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد ابن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما.
وقال ابن إسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى: " شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس " فقيل: في عشره.
وروى الواقدي بسنده عن أبى جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل في الرابع والعشرين منه.
قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن قتادة عن أبى المليح، عن واثلة بن الاسقع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والانجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لاربع وعشرين خلت من رمضان: وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه.
ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين.
وأما قول جبريل " اقرأ " فقال: " ما أنا بقارئ " فالصحيح أن قوله " ما أنا بقارئ " نفى، أي لست ممن يحسن القراءة.
وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة.
ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد، لان الباء لا تزاد في الاثبات.
ويؤيد الاول رواية أبى نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خائف يرعد: " ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه، وما أكتب وما أقرأ " فأخذه جبريل فغته غتا شديدا.
ثم تركه فقال له: اقرأ.
فقال محمد صلى الله
عليه وسلم " ما أرى شيئا أقرأه، وما أقرأ، وما أكتب ".
يروى: " فغطنى " كما في الصحيحين " وغتنى " ويروى " قد غتنى " أي: خنقني " حتى بلغ منى الجهد " يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع.
وفعل به ذلك ثلاثا.
قال أبو سليمان الخطابى: وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، وتأخذه الرحضاء أي: البهر والعرق.
وقال غيره: إنما فعل ذلك لامور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا
الصنيع المشق على النفوس.
كما قال تعالى (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) (1) ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحى يحمر وجهه، ويغط كما يغط البكر من الابل، ويتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد.
وقوله: " فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يرجف فؤاده ".
وفى رواية: " بوادره " جمع بادرة.
قال أبو عبيدة: وهى لحمة بين المنكب والعنق.
وقال غيره: هي عروق تضطرب عند الفزع.
وفى بعض الروايات ترجف بآدله، واحدتها بادلة.
وقيل بادل، وهو ما بين العنق والترقوة.
وقيل أصل الثدى.
وقيل: لحم الثديين.
وقيل غير ذلك.
فقال: " زملوني زملوني "، فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة: " مالى ؟ أي شئ عرض لى ؟ ! " وأخبرها ما كان من الامر.
ثم قال: " لقد خشيت على نفسي " وذلك لانه شاهد أمرا لم يعهده قبل ذلك، ولا كان في خلده.
ولهذا قالت خديجة: أبشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا.
قيل: من الخزى، وقيل: من الحزن.
وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه، أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة.
فقالت: " إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث " وقد كان مشهورا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق.
" وتحمل الكل " أي عن غيرك، تعطى صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله.
__________
(1) سورة المزمل 5.
(*)
" وتكسب المعدوم " أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك.
ويسمى الفقير معدوما لان حياته ناقصة، فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم: ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الاحياء وقال أبو الحسن التهامى، فيما نقله عنه القاضى عياض في شرح مسلم: عد ذا الفقر ميتا وكساه * كفنا باليا ومأواه قبرا وقال الخطابى: الصواب " وتكسب المعدم " أي تبذل إليه أو يكون تكسب المعدم بعطيته (1) مالا يعيش به.
واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى أن المراد بالمعدوم ههنا المال المعطى، أي يعطى المال لمن هو عادمه.
ومن قال إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما ليس له علم، فإن مثل هذا لا يمدح به غالبا، وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم.
" وتقري الضيف " أي تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه.
" وتعين على نوائب الحق " ويروى " الخير "، أي إذا وقعت نائبة لاحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش.
وقوله: " ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخا كبيرا قد عمى ".
وقد قدمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله، وأنه كان ممن ؟ ؟ صر في الجاهلية، ففارقهم وارتحل إلى الشام، هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث،
__________
(1) محرفة بالاصل: أو يكون تلبس العدم بعطية.
(*)
وعبيد الله بن جحش، فتنصروا كلهم، لانهم وجدوه أقرب الاديان إذ ذاك إلى الحق.
إلا زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا، فأبت فطرته الدخول فيه أيضا، وبشره الاحبار والرهبان بوجود نبى قد أزف زمانه واقترب أوانه.
فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته وتوحيده.
لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية.
وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسمها في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمنا، بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له، وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات.
ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت به إليه، فوقفت به عليه وقالت: ابن عم، اسمع من ابن أخيك.
فلما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، قال ورقة: سبوح سبوح، هذا الناموس الذى أنزل على موسى.
ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى، لانه كانت شريعته متممة ومكملة
لشريعة موسى عليهما السلام، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء.
كما قال (ولاحل لكم بعض الذى حرم عليكم) (1) وقول ورقة هذا كما قالت الجن: (يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم) (2).
ثم قال ورقة: " يا ليتنى فيها جذعا " أي يا ليتنى أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح.
__________
(1) سورة آل عمران 50 (2) سورة الاحقاف 30 (*)
" يا ليتنى أكون حيا حين يخرجك قومك " يعنى حتى أخرج معك وأنصرك.
فعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجى هم ؟ " قال السهيلي: وإنما قال ذلك، لان فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: " نعم ! إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا " أي نصرك نصرا عزيزا أبدا.
وقوله " ثم لم ينشب ورقة أن توفى " أي توفى بعد هذه القصة بقليل، رحمه الله ورضى عنه، فإن مثل هذا الذى صدر عنه تصديق بما وجد، وإيمان بما حصل من الوحى، ونية صالحة للمستقبل.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، حدثنى أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل فقال: " قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض ".
وهذا إسناد حسن، لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا.
فالله أعلم.
وروى الحافظ أبو يعلى، عن شريح بن يونس، عن إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبى، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال: " قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة (1) وعليه السندس ".
وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال " يبعث يوم القيامة أمة وحده ".
وسئل عن أبى طالب فقال: " أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها ".
وسئل عن خديجة، لانها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن، فقال: " أبصرتها
__________
(1) بطنان: كل شئ وسطه.
(*)
على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب ".
إسناد حسن، ولبعضه شواهد في الصحيح.
والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا ورقة، فإنى رأيت له جنة أو جنتين ".
وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبى سعيد الاشج، عن أبى معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وهذا إسناد جيد.
وروى مرسلا وهو أشبه.
وروى الحافظان: البيهقى وأبو نعيم في كتابيهما.
" دلائل النبوة " من حديث يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو، عن أبيه، عن عمرو بن شرحبيل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: " إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر ".
قالت: معاذ الله، ما كان ليفعل ذلك بك، فو الله إنك لتؤدى الامانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث.
فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكرت له خديجة فقالت:
يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة.
فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده أبو بكر.
فقال: انطلق بنا إلى ورقة.
قال: " ومن أخبرك ؟ " قال: خديجة.
فانطلقا إليه فقصا عليه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد.
فأنطلق هاربا في الارض ".
فقال له: لا تفعل.
إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتنى فأخبرني.
فلما خلا ناداه: يا محمد، قل (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين) حتى بلغ (ولا الضالين) قل: لا إله إلا الله.
فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر.
فأنا أشهد أنك الذى بشر بك ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبى مرسل، وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لاجاهدن معك.
فلما توفى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لانه آمن بى وصدقني " يعنى ورقة.
هذا لفظ البيهقى، وهو مرسل، وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل.
وقد قدمنا من شعره ما يدل على إضماره الايمان وعقده عليه وتأكده عنده، وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة، وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ، فقال ورقة في ذلك أشعارا قدمناها قبل هذا، منها قوله: لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لامر طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمدا سيسود قوما * ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تعوجا فيلقى من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا فياليتى إذا ما كان ذاكم * شهدت وكنت أولهم ولوجا
ولوجا في الذى (1) كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا أرجى بالذى كرهوا جميعا * إلى ذى العرش إذ سفلوا عروجا فإن يبقوا وأبق تكن (2) أمور * يضج الكافرون لها ضجيجا وقال أيضا في قصيدته الاخرى: وأخبار صدق خبرت عن محمد * يخبرها عنه إذا غاب ناصح بأن ابن عبد الله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الاباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما أرسل العبدان: هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الحق واضح ويتبعه حيا لؤى بن غالب * شبابهم والاشيبون الجحاجح فإن أبق حتى يدرك الناس دهره * فإنى به مستبشر الود فارح وإلا فإنى يا خديجة فاعلمي * عن ارضك في الارض العريضة سائح وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق: قال ورقة: فإن يك حقا يا خديجة فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما * من الله وحى يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبة * ويشقى به العانى الغرير المضلل فريقان منهم فرقة في جنانه * وأخرى بأحواز الجحيم تعلل إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت * مقامع في هاماتهم ثم تشعل
فسبحان من تهوى الرياح بأمره * ومن هو في الايام ما شاء يفعل ومن عرشه فوق السموات كلها * وأقضاؤه في خلقه لا تبدل
__________
(1) خ ط: ولو كان الذى.
وما أثبته هو الرواية المتقدمة لابن كثير، وهى الموافقة لابن هشام والصحيحة أيضا.
(2) المطبوعة: يكن أمورا، وهو تحريف.
(*)


 
روابط عرض كتاب السيرة النبوية لابن كثير
ترجمة ابن كثير الحافظ
1.السيرة النبوية لابن كثير ج1 /1.
2.السيرة النبوية لابن كثير ج1 /2.
3.ج1/ 3 السيرة النبوية لابن كثير الحافظ.
4.السيرة النبوية لابن كثير ج1//4
5.السيرة النبوية لاب كثير ج2//1..
6.السيرة النبوية لاب كثير ج2//2..
7.السيرة النبوية لابن كثير ج2//3.
8.السيرة النبوية لابن كثير ج2//4.
9.السيرة النبوية لابن كثير ج3 /1 .
10.السيرة النبوية لابن كثير ج3 /2 .
11.السيرة النبوية لابن كثير ج3 /3 .
12.السيرة النبوية لابن كثير ج3 /4 .
13..السيرة النبوية لابن كثير ج4 ا ج4//1.
14.السيرة النبوية لابن كثير ج4 ا ج4//2.
15.السيرة النبوية لابن كثير 4//3.ذكر خروجه عليه ال...
ص16.بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم...
ص17.بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم...
ص18.بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم...
ص19.السيرة النبوية لابن كثير الجزء السادس -ج6//1
ص20. ج6//2 السيرة النبوية لابن كثير
ص21.ج6//3 السيرة النبوية لابن كثير
ص22.ج6//4 السيرة النبوية لابن هشام الحافظ
الروابط الي الجزء 6
ص23.السيرة النبوية لابن كثير الجزء 7 بتصنيف الشاملة...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق