المصاحف

جواهر القران لأبي حامد الغزالي

 كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي


 مصاحف روابط 9 مصاحف
// ////

المصحف مسموعا للشيخ خليل الحصري

سورة الفاتحة /سورة البقرة /سورة آل عمران /سورة النساء /سورة المائدة /سورة الأنعام /سورة الأعراف /سورة الأنفال /سورة التوبة /سورة يونس /سورة هود /سورة يوسف /سورة الرعد /سورة إبراهيم /سورة الحجر /سورة النحل /سورة الإسراء /سورة الكهف /سورة مريم /سورة طه /سورة الأنبياء /سورة الحج /سورة المؤمنون /سورة النّور /سورة الفرقان /سورة الشعراء /سورة النّمل /سورة القصص /سورة العنكبوت /سورة الرّوم /سورة لقمان /سورة السجدة /سورة الأحزاب /سورة سبأ /سورة فاطر /سورة يس /سورة الصافات /سورة ص /سورة الزمر /سورة غافر /سورة فصّلت /سورة الشورى /سورة الزخرف /سورة الدّخان /سورة الجاثية /سورة الأحقاف /سورة محمد /سورة الفتح /سورة الحجرات /سورة ق /سورة الذاريات /سورة الطور /سورة النجم /سورة القمر /سورة الرحمن /سورة الواقعة /سورة الحديد /سورة المجادلة /سورة الحشر /سورة الممتحنة /سورة الصف /سورة الجمعة /سورة المنافقون /سورة التغابن /سورة الطلاق /سورة التحريم /سورة الملك /سورة القلم /سورة الحاقة /سورة المعارج /سورة نوح /سورة الجن /سورة المزّمّل /سورة المدّثر /سورة القيامة /سورة الإنسان /سورة المرسلات /سورة النبأ /سورة النازعات /سورة عبس /سورة التكوير /سورة الإنفطار /سورة المطفّفين /سورة الإنشقاق /سورة البروج /سورة الطارق /سورة الأعلى /سورة الغاشية /سورة الفجر /سورة البلد /سورة الشمس /سورة الليل /سورة الضحى /سورة الشرح /سورة التين /سورة العلق /سورة القدر /سورة البينة /سورة الزلزلة /سورة العاديات /سورة القارعة /سورة التكاثر /سورة العصر /سورة الهمزة /سورة الفيل /سورة قريش /سورة الماعون /سورة الكوثر /سورة الكافرون /سورة النصر /سورة المسد /سورة الإخلاص /سورة الفلق /سورة النّاس

كل مدونات لاشير لاشيرك

الجمعة، 15 يونيو 2018

2.السيرة النبوية لابن كثير ج1 /2.




ج2/1
قال ابن إسحاق: وقال قصى بن كلاب في ذلك (2): أنا ابن العاصمين بنى لؤى * بمكة منزلي وبها ربيت إلى البطحاء قد علمت معد * ومروتها رضيت بها رضيت فلست لغالب إن لم تأثل * بها أولاد قيذر والنبيت رزاح ناصرى وبه أسامي * فلست أخاف ضيما ما حييت وقد ذكر الاموى عن الاشرم، عن أبى عبيدة، عن محمد بن حفص، أن رزاحا إنما قدم بعدما نفى قصى خزاعة.
والله أعلم.
فصل: ثم لما كبر قصى فوض أمر هذه الوظائف التى كانت إليه، من رئاسات قريش
وشرفها من الرفادة والسقاية والحجابة واللواء والندوة إلى ابنه عبد الدار، وكان أكبر ولده.
وإنما خصه بها كلها لان بقية إخوته عبد مناف وعبد شمس وعبد كانوا قد شرفوا
__________
(1) نخبزهم: نسوقهم سوقا شديدا.
وصلاب النسور: الخيل (2) هذا مما كان يصنع من الشعر ويدس في السيرة، وقصى ما كان يعلم نسبته السريانية، وليت ابن اسحق عافانا من هذه الاشعار المهلهلة النسج التى يدرك الذوق أنها مختلقة مصنوعة.
(*)
في زمن أبيهم وبلغوا في قوتهم شرفا كبيرا، فأحب قصى أن يلحق بهم عبد الدار في السؤدد فخصه بذلك، فكان إخوته لا ينازعونه في ذلك.
فلما انقرضوا تشاجر أبناؤهم في ذلك وقالوا إنما خص قصى عبد الدار بذلك ليلحقه بإخوته، فنحن نستحق ما كان آباؤنا يستحقونه.
وقال بنو عبد الدار: هذا أمر جعله لنا قصى، فنحن أحق به.
واختلفوا اختلافا كثيرا، وانقسمت بطون قريش فرقتين، ففرقة بايعت عبد الدار وحالفتهم، وفرقة بايعت بنى عبد مناف وحالفوهم على ذلك، ووضعوا أيديهم عند الحلف في جفنة فيها طيب، ثم لما قاموا مسحوا أيديهم بأركان الكعبة فسموا حلف المطيبين.
وكان منهم من قبائل قريش بنو أسد بن عبد العزى بن قصى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر، وكان مع بنى عبد الدار بنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدى.
واعتزلت بنو عامر ابن لؤى ومحارب بن فهر الجميع، فلم يكونوا مع واحد منهما.
ثم اصطلحوا واتفقوا على أن تكون الرفادة والسقاية لبنى عبد مناف، وأن تستقر الحجابة واللواء والندوة في بنى عبد الدار، فانبرم الامر على ذلك واستمر.
وحكى الاموى عن الاشرم، عن أبى عبيدة قال: وزعم قوم من خزاعة أن قصيا لما تزوح حى بنت حليل وثقل حليل عن ولاية البيت جعلها إلى ابنته حبى واستناب عنها أبا غبشان سليم بن عمرو بن لؤى ابن ملكان بن قصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، فاشترى قصى ولاية البيت منه بزق خمر وقعود، فكان يقال: " أخسر من صفقة أبى غبشان ".
ولما رأت خزاعة ذلك اشتدوا على قصى، فاستنصر أخاه فقدم بمن معه، وكان ما كان.
ثم فوض قصى هذه الجهات التى كانت إليه من السدانة والحجابة واللواء
والندوة والرفادة والسقاية إلى ابنه عبد الدار كما سيأتي تفصيله وإيضاحه، وأقر الاجازة من مزدلفة في بنى عدوان، وأقر النسئ في فقيم، وأقر الاجازة وهو النفر في صوفة، كما تقدم بيان ذلك كله مما كان بأيديهم قبل ذلك.
قال ابن إسحاق: فولد قصى أربعة نفر وامرأتين: عبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى وعبدا، وتخمر، وبرة، وأمهم كلهم حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو الخزاعى، وهو آخر من ولى البيت من خزاعة، ومن يده أخذ البيت قصى بن كلاب.
قال ابن هشام (1): فولد عبد مناف بن قصى أربعة نفر: هاشما وعبد شمس والمطلب، وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال.
ونوفل بن عبد مناف، وأمه واقدة بنت عمرو المازنية.
قال ابن هشام: وولد لعبد مناف أيضا: أبو عمرو وتماضر وقلابة وحية وريطة وأم الاخثم وأم سفيان.
قال ابن هشام: وولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة: عبد المطلب، وأسدا، وأبا صيفي ونضلة والشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وحية.
فأم عبد المطلب ورقية سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار
من المدينة.
وذكر أمهات الباقين.
قال: وولد عبد المطلب عشرة نفر وست نسوة، وهم: العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، لا عمران (2)، والزبير، والحارث وكان بكر أبيه وبه كان يكنى، وجحل، ومنهم من يقول حجل (2)، وكان يلقب بالغيداق لكثرة خيره (2)،
__________
(1) في ابن هشام: قال ابن إسحق.
(2) هذه الجمل تعليقات من ابن كثير أدخلها في كلام ابن إسحق.
(*)
والمقوم، وضرار، وأبو لهب واسمه عبد العزى، وصفية، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة، وأميمة وأروى، وبرة، وذكر أمهاتهم.
إلى أن قال: وأم عبد الله وأبى طالب والزبير وجميع النساء إلا صفية، فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
قال: فولد عبد الله محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم.
وأمه آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤى.
ثم ذكر أمهاتها فأغرق.
إلى أن قال: فهو أشرف ولد آدم حسبا وأفضلهم نسبا، من قبل أبيه وأمه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
وقد تقدم حديث الاوزاعي عن شداد أبى عمار، عن واثلة بن الاسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفانى من بنى هاشم ".
رواه مسلم.
وسيأتى بيان مولده الكريم وما ورد فيه من الاخبار والآثار، وسنورد عند سرد النسب الشريف فوائد أخر ليست هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
ذكر جمل من الاحداث الواقعة في زمن الجاهلية قد تقدم ما كان من أخذ جرهم ولاية البيت من بنى إسماعيل، طمعوا فيهم لانهم أبناء بناتهم، وما كان من توثب خزاعة على جرهم وانتزاعهم ولاية البيت منهم، ثم ما كان من رجوع ذلك إلى قصى وبنيه واستمرار ذلك في أيديهم إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فأقر تلك الوظائف على ما كانت عليه.
باب ذكر جماعة مشهورين كانوا في الجاهلية خبر خالد بن سنان العبسى الذى كان في زمن الفترة وقد زعم بعضهم أنه كان نبيا.
والله أعلم قال الحافظ ابو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التسترى، حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور الرازي، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا قيس بن الربيع، عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاءت بنت خالد بن سنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبسط لها ثوبه وقال " بنت نبى ضيعه قومه ".
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يحيى بن المعلى بن منصور، عن محمد بن الصلت، عن قيس، عن سالم، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: ذكر خالد بن سنان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ذاك نبى ضيعه قومه ".
ثم قال.
ولا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وكان قيس بن الربيع ثقة في نفسه إلا أنه كان ردئ الحفظ، وكان له ابن يدخل في أحاديثه ما ليس منها.
والله أعلم.
قال البزار: وقد رواه الثوري عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير مرسلا.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا المعلى بن مهدى الموصلي، قال حدثنا أبو عوانة، عن أبى يونس، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلا من عبس يقال له خالد بن سنان قال
لقومه: " إنى أطفئ عنكم نار الحرتين " فقال له رجل من قومه: والله يا خالد ما قلت لنا قط إلا حقا، فما شأنك وشأن نار الحرتين تزعم أنك تطفئها ! فخرج خالد ومعه أناس من قومه، فيهم عمارة بن زياد، فأتوها فإذا هي تخرج من شق جبل، فخط لهم خالد خطة فأجلسهم فيها فقال: إن أبطأت عليكم فلا تدعوني باسمى.
فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضا، فاستقبلها خالد، فجعل يضربها بعصاه وهو يقول: بدا بدا بدا كل هدى زعم ابن راعية المعزى أنى لا أخرج منها وثيابى بيدى.
حتى دخل معها الشق فأبطأ عليهم، فقال لهم عمارة بن زياد: والله إن صاحبكم لو كان حيا لقد خرج إليكم بعد.
قالوا فادعوه باسمه.
قال: فقالوا: إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه.
فدعوه باسمه فخرج وهو آخذ برأسه، فقال ألم أنهكم أن تدعوني باسمى، فقد والله قتلتموني فادفنوني فإذا مرت بكم الحمر فيها حمار أبتر فانبشوني فإنكم تجدونى حيا.
فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر فقلنا انبشوه فإنه أمرنا أن ننبشه.
فقال لهم عمارة: لا تنبشوه لا والله لا تحدث مضر أنا ننبش موتانا.
وقد كان قال لهم خالد: إن في عكن امرأته لوحين، فإن أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما فإنكم ستجدون ما تسألون عنه.
قال ولا يمسهما حائض.
فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما إليهم وهى حائض فذهب ما كان فيهما من علم (1).
قال أبو يونس: قال سماك بن حرب: سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك نبى أضاعه قومه.
قال أبو يونس: قال سماك بن حرب: إن ابن خالد بن سنان أتى النبي
__________
(1) هذه أسطورة ضخمة ليس إلى تصديقها سبيل..(*)
صلى الله عليه وسلم فقال: مرحبا بابن أخى.
فهذا السياق موقوف على ابن عباس، وليس فيه أنه كان نبيا، والمرسلات التى فيها أنه نبى لا يحتج بها هاهنا.
والاشبه أنه كان رجلا صالحا له أحوال وكرامات، فإنه إن كان في زمن الفترة فقد ثبت في صحيح
البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن أولى الناس بعيسى بن مريم أنا، لانه ليس بينى وبينه نبى ".
وإن كان قبلها فلا يمكن أن يكون نبيا لان الله تعالى قال: (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) (1).
وقد قال غير واحد من العلماء: إن الله تعالى لم يبعث بعد إسماعيل نبيا في العرب، إلا محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء الذى دعا به إبراهيم الخليل، بانى الكعبة المكرمة التى جعلها الله قبلة لاهل الارض شرعا، وبشرت به الانبياء لقومهم حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم عليه السلام.
وبهذا المسلك بعينه يرد ما ذكره السهيلي وغيره من إرسال نبى من العرب يقال له شعيب بن ذى مهذم بن شعيب بن صفوان صاحب مدين، وبعث إلى العرب أيضا حنظلة بن صفوان فكذبوهما فسلط الله على العرب بختنصر، فنال منهم من القتل والسبي نحو ما نال من بنى إسرائيل، وذلك في زمن معد بن عدنان.
والظاهر أن هؤلاء كانوا قوما صالحين يدعون إلى الخير والله أعلم.
وقد تقدم ذكر عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف في أخبار خزاعة بعد جرهم.
__________
(1) سورة السجدة 3.
(*)
ذكر حاتم الطائى أحد أجواد الجاهلية وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدى بن أحزم بن أبى أحزم، واسمه هرومة بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث، بن طئ أبو سفانة الطاطئ، والد عدى، بن حاتم الصحابي، كان جوادا ممدحا في الجاهلية، وكذلك كان ابنه في الاسلام.
وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة وأخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها، ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمعة والذكر.
قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا عبيد بن واقد القيسي، حدثنا أبو نصر هو الناجى، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: ذكر: حاتم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ذاك أراد أمرا فأدركه ".
حديث غريب.
قال الدار قطني تفرد به عبيد بن واقد، عن أبى نصر الناجى، ويقال إن اسمه حماد.
قال ابن عساكر: وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين أبى نصر الناجى وبين أبى نصر حماد ولم يسم الناجى، ووقع في بعض روايات الحافظ ابن عساكر: عن أبى نصر شيبة الناجى والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن مرى بن قطرى، عن عدى بن حاتم، قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبى كان يصل الرحم ويفعل ويفعل، فهل له في ذلك ؟ يعنى من أجر قال: " إن أباك طلب شيئا فأصابه " وهكذا رواه أبو يعلى، عن القواريرى، عن غندر، عن شعبة،
عن سماك به.
وقال: " إن أباك أراد أمرا فأدركه " يعنى الذكر.
وهكذا رواه أبو القاسم البغوي، عن على بن الجعد، عن شعبة به سواء.
وقد ثبت في الصحيح في الثلاثة الذين تسعر بهم جهنم، منهم الرجل الذى ينفق ليقال إنه كريم، فيكون جزاؤه أن يقال ذلك في الدنيا، وكذا في العالم والمجاهد.
وفي الحديث الآخر في الصحيح أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة فقالوا له: كان يقرى الضيف ويعتق ويتصدق، فهل ينفعه ذلك ؟ فقال: " إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين " هذا وقد كان من الاجواد المشهورين أيضا المطعمين في السنين الممحلة والاوقات المرملة.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنى أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف العماني، حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفى، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا عاصم بن حميد، عن أبى حمزة الثمالى، عن عبد الرحمن بن جندب، عن كميل بن زياد النخعي، قال قال على بن أبى طالب: " يا سبحان الله ! ما أزهد كثيرا من الناس في خير ! عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغى له أن يسارع في مكارم الاخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح.
فقام إليه رجل وقال: فداك أبى وأمى يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم ! وما هو خير منه، لما أتى بسبايا طيئ وقعت جارية حمراء لعسا زلفاء عيطاء (1) شماء الانف، معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلجة الساقين (2)، لفاء الفخدين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين.
__________
(1) اللعساء: الجارية في لونها أدنى سواد مشربة من الحمرة.
والزلفاء: الملساء والعيطاء: طويلة العنق.
(2) الدرماء: التى لا تستبين كعوبها.
والخدلجة: الممتلئة (*)
قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعلها في فيئى، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلى عنى ولا تشمت بى أحياء العرب، فإنى ابنة سيد قومي، وإن أبى كان يحمى الذمار، ويفك العانى، ويشبع الجائع، ويكسو العارى، ويقرى الضيف، ويطعم الطعام ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، وأنا ابنة حاتم طيئ.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الاخلاق، والله تعالى يحب مكارم الاخلاق ".
فقام أبو بردة بن نيار (1) فقال يا رسول الله: والله يحب مكارم الاخلاق.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذى نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق ".
وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنى عمر بن بكر، عن أبى عبد الرحمن الطائى - هو القاسم بن عدى - عن عثمان، عن عركى بن حليس الطائى، عن أبيه، عن جده، وكان أخا عدى بن حاتم لامه قال: قيل للنوار امرأة حاتم: حدثينا عن حاتم.
قالت: كل أمره كان عجبا ! أصابتنا سنة حصت (2) كل شئ، فاقشعرت لها الارض واغبرت لها السماء، وضنت المراضع على أولادها، وراحت الابل حدبا حدابير ما تبض بقطرة (3)، و ؟ لقت (4) المال.
وإنا لفى ليلة صنبر (5) بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى الا صبية من الجوع،
__________
(1) واسمه هاني بن نيار.
الكنى والاسماء للدولابي 17.
وفى المطبوعة ينار.
وهو خطأ.
(2) الحص: حلق الشعر - والمعنى: أهلكت كل شئ (3) الحدب: التى بدت حراقيفها.
والحدابير: النوق الضامرة.
(4) الشعر والشعراء: جلفت.
(5) صنبر: باردة.
(*)
عبد الله وعدى، وسفانة، فو الله إن وجدنا شيئا نعللهم به، فقام إلى أحد الصبيان فحمله، وقمت إلى الصبية فعللتها، فو الله إن سكتا إلا بعد هدأة من الليل، ثم عدنا إلى الصبى الآخر فعللناه حتى سكت وما كاد.
ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فأضجعنا الصبيان عليها، ونمت أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا، ثم أقبل على يعللنى لانام، وعرفت ما يريد فتناومت، فقال مالك أنمت ؟ فسكت فقال: ما أرها إلا قد نامت.
وما بى نوم.
فلما ادلهم الليل وتهورت النجوم وهدأت الاصوات وسكنت الرجل، إذا جانب
البيت قد رفع، فقال من هذا ؟ فولى.
حتى قلت إذا قد أسحرنا أو كدنا عاد فقال من هذا ؟ قالت: جارتك فلانة يا أبا عدى، ما وجدت على أحد معولا غيرك، أتيتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع.
قال أعجليهم على.
قالت النوار: فوثبت فقلت ماذا صنعت ؟ اضطجع والله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم، فكيف بهذه وبولدها ؟ فقال: اسكتي، فو الله لاشبعنك إن شاء الله.
قالت: فأقبلت تحمل اثنين وتمشى جنبتيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها (1)، فقام إلى فرسه فوجأ بحربته في لبته، ثم قدح زنده وأورى ناره، ثم جاء بمدية فكشط عن جلده، ثم دفع المدية إلى المرأة ثم قال دونك.
ثم قال: ابعثى صبيانك.
فبعثهم.
ثم قال: سوءة، أتأكلون شيئا دون أهل الصرم ! فجعل يطوف فيهم حتى هبوا وأقبلوا عليه والتفع في ثوبه، ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا، والله ما ذاق مزعة، وإنه لاحوجهم إليه، فأصبحنا وما على الارض منه إلا عظم أو حافر ! وقال الدارقطني: حدثنى القاضى أبو عبد الله المحاملى، حدثنا عبد الله بن أبى سعد،
__________
(1) الرئال: جمع رأل، ولد الظبية.
(*)
وحدثنا عثيم بن ثوابة بن حاتم الطائى، عن أبيه، عن جده قال: قالت امرأة حاتم لحاتم: يا أبا سفانة أشتهى أن آكل أنا وأنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد.
فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ، وأمر بالطعام فهيئ وهى مرخاة ستورها عليه وعليها، فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال: فلا تطبخي قدري وسترك دونها * على إذن ما تطبخين حرام ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي * بجزل إذا أوقدت لا بضرام قال: ثم كشف الستور وقدم الطعام ودعا الناس، فأكل وأكلوا.
فقالت:
ما أتممت لى ما قلت.
فأجابها: فإنى لا تطاوعني نفسي، ونفسي أكرم على من أن يثنى على هذا وقد سبق لى السخاء.
ثم أنشأ يقول: أمارس (1) نفس البخل حتى أعزها * وأترك نفس الجود ما أستثيرها ولا تشتكينى جارتي غير أنها * إذا غاب عنها بعلها لا أزورها سيبلغها خيرى ويرجع بعلها * إليها ولم تقصر عليها ستورها ومن شعر حاتم: إذا ما بت أشرب فوق رى * لسكر في الشراب فلا رويت إذا ما بت أختل عرس جارى * ليخفيني الظلام فلا خفيت أأفضح جارتي وأخون جارى ؟ ! * فلا والله أفعل ما حييت ومن شعره أيضا: ما ضر جارا لى أجاوره * أن لا يكون لبابه ستر أغضى إذا ما جارتي برزت * حتى يوارى جارتي الخدر (2)
__________
(1) أمارس: أعالج.
وأعزها: أغلبها (2) ينسب هذان البيتان باختلاف لمسكين الدارمي في أبيات أخرى وهو الصحيح انظر الشعر والشعراء 1 / 530 (*)
ومن شعر حاتم أيضا: وما من شيمتي شتم ابن عمى * وما أنا مخلف من يرتجينى وكلمة حاسد من غير جرم * سمعت وقلت مرى فانقذيني وعابوها على فلم تعبنى * ولم يعرق لها يوما جبيني وذى وجهين يلقانى طليقا * ولبس إذا تغيب يأتسينى ظفرت بعيبه فكففت عنه * محافظة على حسبى وديني ومن شعره:
سلى البائس المقرور يا أم مالك * إذا ما أتانى بين نارى ومجزري أأبسط وجهى إنه أول القرى * وأبذل معروفى له دون منكري وقال أيضا: وإنك إن أعطيت بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وقال القاضى أبو الفرج المعافى بن زكرياء الجريرى: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبى، حدثنا أبو العباس المبرد، أخبرني الثوري، عن أبى عبيدة، قال لما بلغ حاتم طيئ قول المتلمس: قليل المال تصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير على الفساد وحفظ المال خير من فناه * وعسف في البلاد بغير زاد قال: ماله قطع الله لسانه حمل الناس على البخل ؟ ! فهلا قال: فلا الجود يفنى المال قبل فنائه * ولا البخل في مال الشحيح يزيد فلا تلتمس مالا بعيش مقتر * لكل غد رزق يعود جديد
ألم تر أن المال غاد ورائح * وأن الذى يعطيك غير بعيد (1) قال القاضى أبو الفرج: وقد أحسن في قوله: " وأن الذى يعطيك غير بعيد " ولو كان مسلما لرجى له الخير في معاده، وقد قال الله في كتابه: (واسألوا الله من فضله (2).
وقال تعالى: (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) (3).
وعن الوضاح بن معبد الطائى قال: وفد حاتم الطائى على النعمان بن المنذر، فأكرمه وأدناه، ثم زوده عند انصرافه جملين ذهبا وورقا غير ما أعطاه من طرائف بلده، فرحل فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيئ، فقالت: يا حاتم أتيت من عند الملك وأتينا من عند أهالينا بالفقر ! فقال حاتم: هلم فخذوا ما بين يدى فتوزعوه.
فوثبوا إلى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه، فخرجت إلى حاتم طريفة جاريته، فقالت له: اتق الله وأبق على نفسك، فما يدع هؤلاء دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا.
فأنشأ يقول: قالت طريفة: ما تبقى دراهمنا * وما بنا سرف فيها ولا خرق إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا * ممن سوانا ولسنا نحن نرتزق ما يألف الدرهم الكارى خرقتنا * إلا يمر عليها ثم ينطلق إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا * ظلت إلى سبل المعروف تستبق وقال أبو بكر بن عياش: قيل لحاتم: هل في العرب أجود منك ؟ فقال: كل العرب أجود منى.
ثم أنشأ يحدث قال: نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة، وكانت له مائة من الغنم، فذبح لى شاة منها وأتانى بها، فلما قرب إلى دماغها قلت: ما أطيب هذا
__________
(1) في البيت إقواء (2) سورة النساء 32 (3) سورة البقرة 186 (*)
الدماغ ! قال: فذهب فلم يزل يأتيني منه حتى قلت قد اكتفيت.
فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المائة شاة وبقى لا شئ له ! فقيل: فما صنعت به ؟ فقال: ومتى أبلغ شكره ولو صنعت به كل شئ ! قال: على كل حال أعطيته مائة ناقة من خيار إبلى.
وقال محمد بن جعفر الخرائطي في كتاب " مكارم الاخلاق ": حدثنا العباس بن الفضل الربعي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنى حماد الراوية ومشيخة من مشيخة طيئ، قالوا: كانت عنترة (1) بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم طيئ لا تمسك شيئا سخاء وجودا، وكان إخوتها يمنعونها فتأبى، وكانت امرأة موسرة، فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها لعلها تكف عما تصنع، ثم أخرجوها بعد سنة، وقد ظنوا أنها قد تركت ذلك الخلق، فدفعوا إليها صرمة من مالها وقالوا استمتعي بها.
فأتتها
امرأة من هوازن وكانت تغشاها فسألتها، فقالت: دونك هذه الصرمة، فقد والله مسنى من الجوع ما آليت أن لا أمنع سائلا، ثم أنشأت تقول: لعمري لقدما عضني الجوع عضة * فآليت ألا أمنع الدهر جائعا فقولا لهذا اللائمى اليوم أعفنى * وإن أنت لم تفعل فعض الاصابعا فماذا عساكم أن تقولوا لاختكم * سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا وماذا ترون اليوم إلا طبيعة * فكيف بتركي يا بن أمي الطبائعا وقال الهيثم بن عدى: عن ملحان بن عركى بن عدى بن حاتم، عن أبيه، عن جده، قال: شهدت حاتما يكيد بنفسه (2)، فقال لى: أي بنى، إنى أعهد من نفسي ثلاث خصال: والله ما خاتلت جارة لريبة قط، ولا اؤتمنت على أمانة إلا أديتها، ولا أتى أحد من قبلى بسوء.
__________
(1) مكارم الاخلاق: غنية (2) يكيد بنفسه: يجود (*)
وقال أبو بكر الخرائطي: حدثنا على بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى العدوى، حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى، عن أبى مسكين - يعنى جعفر بن المحرر بن الوليد - عن المحرر مولى أبى هريرة، قال: مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيئ، فنزلوا قريبا منه، فقام إليه بعضهم يقال له أبو الخيبرى فجعل يركض قبره برجله ويقول: يا أبا جعد اقرنا.
فقال له بعض أصحابه: ما تخاطب من رمة وقد بليت ؟ ! وأجنهم الليل فناموا، فقام صاحب القول فزعا يقول: يا قوم عليكم بمطيكم فإن حاتما أتانى في النوم وأنشدني شعرا وقد حفظته، يقول: أبا الخيبرى وانت امرؤ * ظلوم العشيرة شتامها أتيت بصحبك تبغى القرى * لدى حفرة قد صدت هامها أتبغى لى الذنب عند المبي * ت وحولك طيئ وأنعامها
وإنا لنشبع أضيافنا * وتأتى المطى فنعتامها (1) قال: وإذا ناقة صاحب القول تكوس (2) عقيرا، فنحروها وقاموا يشتوون ويأكلون.
وقالوا: والله لقد أضافنا حاتم حيا وميتا ! قال: وأصبح القوم وأردفوا صاحبهم وصاروا، فإذا رجل ينوه بهم راكبا جملا ويقود آخر، فقال: أيكم أبو الخيبرى ؟ قال: أنا.
قال: إن حاتما أتانى في النوم فأخبرني أنه قرى أصحابك ناقتك وأمرني أن أحملك، وهذا بعير فخذه.
ودفعه إليه.
__________
(1) نعتامها: نأخذها (2) كاس البعير: مشى على ثلاث قوائم وهو معرقب، كما في القاموس.
وقال الزمخشري: كوسه الله في النار: قلبه على رأسه..وكاس العقير كوسا لانه يسقط على رأسه.
الاساس.
(*)
ذكر شئ من أخبار عبد الله بن جدعان هو عبد الله بن جدعان، بن عمرو، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة، سيد بنى تيم، وهو ابن عم والد أبى بكر الصديق رضى الله عنه.
وكان من الكرماء الاجواد في الجاهلية المطعمين للمسنتين.
وكان في بدء أمره فقيرا مملقا، وكان شريرا يكثر من الجنايات، حتى أبغضه قومه وعشيرته وأهله وقبيلته، وأبغضه حتى أبوه.
فخرج ذات يوم في شعاب مكة حائرا بائرا فرأى شقا في جبل، فظن أن يكون به شئ يؤذى، فقصده لعله يموت فيستريح مما هو فيه.
فلما اقترب منه إذا ثعبان يخرج إليه ويثب عليه، فجعل يحيد عنه ويثب فلا يغنى شيئا، فلما دنا منه إذا هو من ذهب وله عينان هما ياقوتتان، فكسره وأخذه ودخل الغار فإذا فيه قبور لرجال من ملوك جرهم، ومنهم الحارث بن مضاض الذى طالت غيبته فلا يدرى أين ذهب، ووجد عند رؤوسهم لوحا من ذهب فيه تاريخ وفاتهم ومدد ولايتهم،
وإذا عندهم من الجواهر والآلئ والذهب والفضة شئ كثير، فأخذ منه حاجته، ثم خرج وعلم باب الغار، ثم انصرف إلى قومه فأعطاهم حتى أحبوه وسادهم، وجعل يطعم الناس، وكلما قل ما في يده ذهب إلى ذلك الغار فأخذ حاجته ثم رجع.
فممن ذكر هذا عبد الملك بن هشام في كتاب " التيجان (1) " وذكره أحمد بن عمار في كتاب " رى العاطش وأنس الواحش " وكانت له جفنة يأكل منها الراكب على بعيره، ووقع فيها صغير فغرق.
__________
(1) كتاب التيجان لمعرفة ملوك الزمان.
وهو يتضمن بعض قصص أهل الكتاب، وأخبار اليمن.
(*)
وذكر ابن قتيبة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقد كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمى (1) " أي وقت الظهيرة.
وفى حديث مقتل أبى جهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه: " تطلبوه بين القتلى وتعرفوه بشجة في ركبته، فإنى تزاحمت أنا وهو على مأدبة لابن جدعان فدفعته فسقط على ركبته فانهشمت فأثرها باق في ركبته " فوجدوه كذلك.
وذكروا أنه كان يطعم التمر والسويق ويسقى اللبن، حتى سمع قول أمية بن أبى الصلت: ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم * فرأيت أكرمهم بنى الديان البريلبك بالشهاد طعامهم * لا ما يعللنا بنو جدعان فأرسل ابن جدعان إلى الشام ألفى بعير [ جاءت ] تحمل البر والشهد والسمن، وجعل مناديا ينادى كل ليلة على ظهر الكعبة: أن هلموا إلى جفنة ابن جدعان.
فقال أمية في ذلك: له داع بمكة مشمعل (2) * وآخر فوق كعبتها ينادى إلى ردح من الشيزى ملاء (3) * لباب البر يلبك بالشهاد
ومع هذا كله فقد ثبت في الصحيح لمسلم أن عائشة قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقرى الضيف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة ؟ فقال: " لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين ".
__________
(1) الصكة: شدة الهاجرة، وتضاف إلى عمى، رجل من العمالقة أغار على قوم في الظهيرة فاجتاحهم (2) مشمعل: مبادر مجتهد.
(3) الردح: جمع ردحة وهى الجفنة العظيمة.
والشيزى خشب أسود للقصاع.
(*)
ذكر امرئ القيس بن حجر الكندى صاحب إحدى المعلقات وهى أفخرهن وأشهرهن التى أولها: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * قال الامام أحمد: حدثنا هشيم (1)، حدثنا أبو الجهم الواسطي، عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار (2) ".
وقد روى هذا الحديث عن هشيم جماعة كثيرون، منهم بشر بن الحكم، والحسن بن عرفة، وعبد الله بن هارون أمير المؤمنين المأمون أخو الامين، ويحيى بن معين، وأخرجه ابن عدى من طريق عبد الرزاق عن الزهري به، وهذا منقطع وردئ من وجه آخر عن أبى هريرة، ولا يصح من غير هذا الوجه.
وقال الحافظ ابن عساكر: هو امرؤ القيس بن حجر، بن الحارث، بن عمرو، بن حجر آكل المرار، بن عمرو، بن معاوية، بن الحارث، بن يعرب، بن ثور، بن مرتع بن معاوية بن كندة.
أبو يزيد ويقال أبو وهب.
ويقال أبو الحارث الكندى.
كان بأعمال دمشق، وقد ذكر مواضع منها في شعره فمن ذلك قوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمأل
__________
(1) المطبوعة: هشام، وما أثبته عن المسند (2) المسند حديث رقم 7127 وانظر فيه تخريج الحديث (*)
ثم روى من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبى، حدثنى فروة بن سعيد بن عفيف بن معدى كرب، عن أبيه، عن جده قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل وفد من اليمن، فقالوا يا رسول الله لقد أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس.
قال: وكيف ذاك ؟ قالوا: أقبلنا نريدك، حتى إذا كنا ببعض الطريق أخطأنا الطريق فمكثنا ثلاثا لا نقدر على الماء، فتفرقنا إلى أصول طلح وسمر ليموت كل رجل منا في ظل شجرة، فبينا نحن بآخر رمق إذا راكب يوضع على بعير، فلما رآه بعضنا قال والراكب يسمع: ولما رأت أن الشريعة همها * وأن البياض من فرائصها دامى (1) تيممت العين التى عند ضارج * يفئ عليها الظل عرمضها طامى (2) فقال الراكب: ومن يقول هذا الشعر ؟ وقد رأى ما بنا من الجهد قال: قلنا: امرؤ القيس بن حجر.
قال والله ما كذب، هذا ضارج عندكم.
فنظرنا فإذا بيننا وبين الماء نحو من خمسين ذراعا، فحبونا إليه على الركب، فإذا هو كما قال امرؤ القيس عليه العرمض يفئ عليه الظل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك رجل مذكور في الدنيا منسى في الآخرة، شريف في الدنيا خامل في الآخرة، بيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار " (3).
وذكر الكلبى: أن امرأ القيس أقبل براياته يريد قتال بنى أسد حين قتلوا أباه، فمر بتبالة وبها ذو الخلصة، وهو صنم، وكانت العرب تستقسم عنده، فاستقسم
__________
(1) الشريعة: مشرعة الماء.
والفرائص: جمع فريصة.
وهما فريصتان ترتعدان عند الخوف.
(2) ضارج: موضع ببلاد عبس.
والعرمض: الطحلب.
يريد أن الحمر لما أرادت شريعة الماء خافت على أنفسها من الرماة وأن تدمى فرائصها من سهامهم عدلت إلى ضارج لعدم الرماة على العين التى فيه، انظر اللسان 3 / 139 (3) وردت هذه القصة في الشعر والشعراء 1 / 58، 59، 74، 75.
وهى كذلك في اللسان وعيون الاخبار 1 / 143، 144، والاغانى 7 / 123 (*)
فخرج القدح الناهي، ثم الثانية، ثم الثالثة كذلك، فكسر القداح وضرب بها وجه ذى الخلصة وقال: عضضت بأير أبيك، لو كان أبوك المقتول لما عوقتني ! ثم أغار على بنى أسد فقتلهم قتلا ذريعا.
قال ابن الكلبى: فلم يستقسم عند ذى الخلصة حتى جاء الاسلام.
وذكر بعضهم أنه امتدح قيصر ملك الروم يستنجده في بعض الحروب ويسترفده، فلم يجد ما يؤمله عنده فهجاه بعد ذلك، فيقال إنه سقاه سما فقتله، فألجأه الموت إلى جنب قبر امرأة عند جبل يقال له عسيب فكتب هنالك.
أجارتنا إن المزار قريب * وإنى مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان ههنا * وكل غريب للغريب نسيب وذكروا أن المعلقات السبع كانت معلقة بالكعبة، وذلك أن العرب كانوا إذا عمل أحدهم قصيدة عرضها على قريش، فإن أجازوها علقوها على الكعبة تعظيما لشأنها، فاجتمع من ذلك هذه المعلقات السبع.
فالاولى لامرئ القيس بن حجر الكندى كما تقدم، وأولها: قفا نبك من ذكرى حببب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل والثانية للنابغة الذبيانى، واسمه زياد بن معاوية، ويقال زياد بن عمرو بن معاوية ابن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن
بغيض وأولها: يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الامد والثالثة لزهير بن أبى سلمى ربيعة بن رياح المزني وأولها: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم * بحومانة الدراج فالمتثلم
والرابعة لطرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل وأولها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد * تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد والخامسة لعنترة بن شداد بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب ابن قطيعة ابن عبس العبسى وأولها: هل غادر الشعراء من متردم * أم هل عرفت الدار بعد توهم والسادسة لعلقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بنى تميم وأولها: طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب والسابعة - ومنهم من لا يثبتها في المعلقات، وهو قول الاصمعي وغيره - وهى للبيد ابن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر وأولها: عفت الديار محلها فمقامها * بمنى تأبد غولها فرجامها فأما القصيدة التى لا يعرف قائلها، فيما ذكره أبو عبيدة والاصمعى والمبرد وغيرهم، فهى قوله: هل بالطلول لسائل رد * أم هل لها بتكلم عهد وهى مطولة، وفيها معان حسنة كثيرة.
ذكر شئ من أخبار أمية بن أبى الصلت الثقفى، كان من شعراء الجاهلية وقد أدرك زمن الاسلام قال الحافظ ابن عساكر: هو أمية بن أبى الصلت، عبد الله بن أبى ربيعة بن عوف ابن عقدة بن عزة بن عوف بن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن، أبو عثمان، ويقال أبو الحكم الثقفى.
شاعر جاهلي قدم دمشق قبل الاسلام، وقيل إنه كان مستقيما (1)، وإنه كان في أول أمره على الايمان، ثم زاغ عنه، وإنه هو الذى أراده الله تعالى بقوله " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ".
قال الزبير بن بكار: فولدت رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف أمية الشاعر، ابن أبى الصلت، واسم أبى الصلت ربيعة بن وهب بن علاج بن أبى سلمة بن ثقيف.
وقال غيره: كان أبوه من الشعراء المشهورين بالطائف، وكان أمية أشعرهم.
وقال عبد الرزاق: قال الثوري: أخبرني حبيب بن أبى ثابت أن عبد الله بن عمرو قال في قوله تعالى " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين " هو أمية بن أبى الصلت.
وكذا رواه أبو بكر بن مردويه، عن أبى بكر الشافعي، عن معاذ بن المثنى، عن مسدد، عن أبى عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن عاصم بن مسعود قال: إنى لفى حلقة فيها عبد الله بن عمرو فقرأ رجل من القوم الآية التى في الاعراف " واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها " فقال: هل تدرون من هو ؟ فقال بعضهم:
__________
(1) الذى في ابن عساكر، وقيل إنه كان نبيا.
(*)
هو صيفي بن الراهب.
وقال آخر: بل هو بلعم رجل من بنى إسرائيل.
فقال: لا قال فمن ؟ قال هو أمية بن أبى الصلت.
وهكذا قال أبو صالح والكلبي وحكاه قتادة عن بعضهم وقال الطبراني: حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن شبيب الربعي، حدثنا محمد بن مسلمة بن هشام المخزومى، حدثنا إسماعيل ابن الطريح بن إسماعيل الثقفى، حدثنى أبى، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن معاوية بن أبى سفيان، عن أبيه، قال: خرجت أنا وأمية بن أبى الصلت الثقفى تجارا إلى الشام، فكلما نزلنا منزلا أخذ أمية سفرا له يقرؤه علينا، فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاءوه وأكرموه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيوتهم.
ثم رجع في وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما، وقال لى: هل لك يا أبا سفيان في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب تسأله ؟ قلت: لا إرب لى فيه، والله لئن حدثنى بما أحب لا أثق به، ولئن حدثنى بما أكره لاجدن منه.
قال: فذهب وخالفه شيخ من النصارى فدخل على، فقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ ؟ قلت: لست على دينه.
قال: وإن، فإنك تسمع منه عجبا وتراه.
ثم قال لى: أثقفى أنت ؟ قلت: لا ولكن قرشي.
قال: فما يمنعك من الشيخ، فو الله إنه ليحبكم ويوصى بكم.
قال فخرج من عندنا، ومكث أمية عندهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ثم أنجدل على فراشه، فو الله ما نام ولا قام.
حتى أصبح كئيبا حزينا ساقطا غبوقه على صبوحه، ما يكلمنا ولا نكلمه.
ثم قال: ألا ترحل ؟ قلت: وهل بك من رحيل ؟ قال نعم.
فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين، ثم قال في الليلة الثالثة: ألا تحدث يا أبا سفيان ؟ قلت
وهل بك من حديث ؟ والله ما رأيت مثل الذى رجعت به من عند صاحبك.
قال: أما إن ذلك لشئ لست فيه، إنما ذلك لشئ وجلت منه من منقلبي.
قلت: وهل لك من منقلب ؟ قال: إى والله، لاموتن ثم لاحيين.
قال: قلت: هل أنت قابل أمانى (1) ؟ قال: على ماذا ؟ قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب.
قال: فضحك ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان، لنبعثن ثم لنحاسبن وليدخلن فريق الجنة وفريق النار.
قلت: فنفى أيهما أنت أخبرك صاحبك ؟ قال لا علم لصاحبي بذلك، لا في ولا في نفسه.
قال: فكنا في ذلك ليلتين، يعجب منى وأضحك منه، حتى قدمنا غوطة دمشق، فبعنا متاعنا وأقمنا بها شهرين.
فارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاءوه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيعتهم، فما جاء إلا بعد منتصف النهار، فلبس ثوبيه وذهب إليهم، حتى جاء بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه، فو الله ما نام ولا قام.
وأصبح حزينا كئيبا لا يكلمنا ولا نكلمه، ثم قال: ألا ترحل ؟ قلت: بلى إن شئت.
__________
(1) المطبوعة: أمانتى، وهو خطأ.
(*)
فرحلنا كذلك من بنه وحزنه ليالى، ثم قال لى: يا أبا سفيان، هل لك في المسير لنتقدم أصحابنا ؟ قلت: هل لك فيه ؟ قال نعم.
فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة، ثم قال: هيا صخر.
فقلت.
ما تشاء ؟
قال حدثنى عن عتبة بن ربيعة، أيجتنب المظالم والمحارم ؟ قلت: إى والله.
قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها ؟ قلت: إى والله.
قال: وكريم الطرفين وسط في العشيرة ؟ قلت: نعم.
قال: فهل تعلم قرشيا أشرف منه ؟ قلت: لا والله، لا أعلم.
قال: أمحوج هو ؟ قلت: لا بل هو ذو مال كثير.
قال: وكم أتى عليه من السن ؟ فقلت: قد زاد على المائة.
قال: فالشرف والسن والمال أزرين (1) به.
قلت: ولم ذاك يزرى به، لا والله بل يزيده خيرا.
قال: هو ذاك، هل لك في المبيت ؟ قلت: لى فيه.
قال فاضطجعنا حتى مر الثقل.
قال: فسرنا حتى نزلنا في المنزل وبتنا به، ثم ارتحلنا منه.
__________
(1) في الاكتفا للكلاعي، والوفا لابن الجوزى، ودلائل النبوة: فالشرف والسن أزريا به.
(*)
فلما كان الليل قال لى: يا أبا سفيان.
قلت: ما تشاء ؟ قال هل لك في مثل البارحة.
قلت: هل لك فيه ؟ قال: نعم.
فسرنا على ناقتين بختيتين، حتى إذا برزنا قال: هيا صخر، هيه عن
عتبة بن ربيعة.
قال قلت: هيها فيه.
قال: أيجتنب المحارم والمظالم ويصل الرحم ويأمر بصلتها ؟ قلت: إى والله إنه ليفعل.
قال وذو مال ؟ قلت: وذو مال.
قال: أتعلم قرشيا أسود منه ؟ قلت: لا والله ما أعلم.
قال: كم أتى له من السن ؟ قلت قد زاد على المائة.
قال: فإن السن والشرف والمال أزرين به.
قلت: كلا والله ما أزرى به ذلك، وأنت قائل شيئا فقله.
قال: لا، تذكر حديثى يأتي منه ما هو آت.
ثم قال: فإن الذى رأيت أصابني أنى جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، ثم قلت أخبرني عن هذا النبي الذى ينظر.
قال: هو رجل من العرب.
قلت: قد علمت أنه من العرب، فمن أي العرب هو ؟ قال: من أهل بيت تحجه العرب.
قلت وفينا بيت تحجه العرب.
قال: هو من إخوانكم من قريش.
فأصابني والله شئ ما أصابني
مثله قط، وخرج من يدى فوز الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون إياه.
قلت: فإذ كان ما كان فصفه لى.
قال: رجل شاب حين دخل في الكهولة، بدء أمره [ أنه ] يجتنب المظالم والمحارم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة، أكثر
جنده من الملائكة.
قلت: وما آية ذلك ؟ قال: قد رجفت الشام منذ هلك عيسى بن مريم عليه السلام ثمانين رجفة، كلها فيها مصيبة، وبقيت رجفة عامة فيها مصائب.
قال أبو سفيان: فقلت هذا والله الباطل، لئن بعث الله رسولا لا يأخذه إلا مسنا شريفا.
قال أمية: والذى حلفت به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان، يقول إن قول النصراني حق.
هل لك في المبيت ؟ قلت: نعم لى فيه.
قال فبتنا حتى جاءنا الثقل، ثم خرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة مرحلتان [ أو ] ليلتان أدركنا راكب من خلفنا، فسألناه فإذا هو يقول أصابت أهل الشام بعدكم رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمة.
قال أبو سفيان: فأقبل على أمية فقال: كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان ؟ قلت أرى واظن والله أن ما حدثك به صاحبك حق.
قال أبو سفيان: فقدمنا مكة، فقضيت ما كان معى، ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرا فكنت بها خمسة أشهر، ثم قدمت مكة.
فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون على ويسألون عن بضائعهم، حتى جاءني محمد بن عبد الله وهند عندي تلاعب صبيانها، فسلم على ورحب بى، وسألني عن سفري ومقامى ولم يسألنى عن بضاعته، ثم قام.
فقلت لهند: والله إن هذا ليعجبنى،
ما من من أحد من قريش له معى بضاعة إلا وقد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته.
فقالت لى هند: أو ما علمت شأنه.
فقلت وأنا فزع: ما شأنه ؟
قالت يزعم أنه رسول الله.
فوقذتنى، وتذكرت قول النصراني، فرجفت حتى قالت لى هند: مالك ؟ فانتبهت فقلت: إن هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا.
قالت: بلى والله إنه ليقول ذلك ويدعو إليه، وإن له لصحابة على دينه.
قلت: هذا هو الباطل.
قال: وخرجت، فبينا أنا أطوف بالبيت إذ بى قد لقيته، فقلت له: إن بضاعتك قد بلغت كذا وكذا وكان فيها خير، فأرسل من يأخذها ولست آخذ منك فيها ما آخذ من قومي.
فأبى على وقال: إذن لا آخذها.
قلت: فأرسل فخذها وأنا آخذ منك مثل ما آخذ من قومي.
فأرسل إلى بضاعته فأخذها وأخذت منه ما كنت آخذ من غيره.
قال أبو سفيان: فلم أنشب أن خرجت إلى اليمن.
ثم قدمت الطائف فنزلت على أمية بن أبى الصلت، فقال لى: يا أبا سفيان.
[ قلت ]: ما تشاء [ قال ]: هل تذكر قول النصراني ؟ فقلت أذكره وقد كان.
فقال: ومن ؟ قلت: محمد بن عبد الله.
قال: ابن عبد المطلب ؟ قلت: ابن عبد المطلب.
ثم قصصت عليه خبر هند.
قال: فالله يعلم.
وأخذ يتصبب عرقا.
ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله، إن صفته لهى، ولئن ظهر وأنا حى لاطلبن من الله عزوجل في نصره عذرا.
قال: ومضيت إلى اليمن فلم أنشب أن جاءني هنالك استهلاله، وأقبلت حتى نزلت على أمية بن أبى الصلت بالطائف فقلت: يا أبا عثمان قد كان من أمر الرجل ما قد بلغك وسمعته.
فقال: قد كان لعمري.
قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان ؟ فقال: والله ما كنت لاومن برسول من غير ثقيف أبدا ! قال أبو سفيان: وأقبلت إلى مكة، فو الله ما أنا ببعيد حتى جئت مكة فوجدت أصحابه يضربون ويحقرون.
قال أبو سفيان: فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة ؟ فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة.
وقد رواه الحافظ البيهقى في كتاب " الدلائل " من حديث إسماعيل بن طريح به، ولكن سياق الطبراني الذى أوردناه أتم وأطول.
والله أعلم.
وقال الطبراني: حدثنا بكر بن أحمد بن نفيل، حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا مجاشع بن عمرو الاسدي، حدثنا ليث بن سعد، عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن معاوية بن أبى سفيان، عن أبى سفيان بن حرب، أن أمية بن أبى الصلت كان بغزة أو بإيلياء، فلما قفلنا قال لى أمية: يا أبا سفيان هل لك أن تتقدم على الرفقة فنتحدث ؟ قلت: نعم.
قال: ففعلنا.
فقال لى: يا أبا سفيان إيه عن عتبة بن ربيعة ؟ قلت: كريم الطرفين.
[ قال ]: ويجتنب المحارم والمظالم ؟ قلت: نعم.
قال: وشريف مسن ؟ قلت: وشريف مسن.
قال: الشرف والسن أزريابه.
فقلت له: كذبت، ما ازداد سنا إلا ازداد شرفا.
قال: يا أبا سفيان إنها كلمة ما سمعت أحدا يقولها لى منذ تبصرت، فلا تعجل على
حتى أخبرك.
قال قلت: هات.
قال: إنى كنت أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه، فكنت أظن بل كنت لا أشك أنى أنا هو، فلما دارست أهل العلم إذا هو من بنى عبد مناف، فنظرت في بنى عبد مناف فلم أجد أحدا يصلح لهذا الامر غير عتبة بن ربيعة، فلما أخبرتني بسنه عرفت أنه ليس به، حين جاوز الاربعين ولم يوح إليه.
قال أبو سفيان: فضرب الدهر ضربه، فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة، فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبي الذى كنت تنعته قال: أما إنه حق فاتبعه.
قلت: ما يمنعك من اتباعه ؟ قال: ما يمنعنى إلا الاستحياء من نساء ثقيف، إنى كنت أحدثهن أنى هو، ثم يريننى تابعا لغلام من بنى عبد مناف ! ! ثم قال أمية: كأنى بك يا أبا سفيان قد خالفته ثم قد ربطت كما يربط الجدى حتى يؤتى بك إليه فيحكم فيك بما يريد.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الكلبى، قال: بينا أمية راقد ومعه ابنتان له إذ فزعت إحداهما فصاحت عليه، فقال لها: ما شأنك ؟ قالت رأيت نسرين كشطا سقف البيت فنزل أحدهما إليك فشق بطنك، والآخر واقف على ظهر البيت، فناداه فقال: أوعى ؟ قال: نعم.
قال: أزكا ؟ قال: لا.
فقال: ذاك خير أريد بأبيكما فلم يفعله.
وقد روى من وجه آخر بسياق آخر، فقال إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد
ابن المسيب، قال: قدمت الفارعة أخت أمية بن أبى الصلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة (1)، وكانت ذات لب وعقل وجمال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بها معجبا.
فقال لها ذات يوم: يا فارعة، هل تحفظين من شعر أخيك شيئا ؟ فقالت: نعم، وأعجب من ذلك ما قد رأيت.
قالت: كان أخى في سفر، فلما انصرف بدأنى فدخل على فرقد على سريري وأنا أحلق أديما في يدى، إذ أقبل طائران أبيضان أو كالطيرين أبيضين، فوقع على الكوة أحدهما ودخل الآخر فوقع عليه، فشق الواقع عليه ما بين قصه (2) إلى عانته ثم أدخل يده في جوفه فأخرج قلبه فوضعه في كفه ثم شمه، فقال له الطائر الآخر: أوعى ؟ قال: وعى.
قال: أزكا ؟ قال: أبى.
ثم رد القلب إلى مكانه فالتأم الجرح أسرع من طرفة عين.
ثم ذهبا.
فلما رأيت ذلك دنوت منه فحركته، فقلت هل تجد شيئا ؟ قال: لا إلا توهينا في جسدي.
وقد كنت ارتعبت مما رأيت، فقال: مالى أراك مرتاعة ؟ قالت: فأخبرته
__________
(1) الارجح أنه بعد فتح الطائف، كما في أسد الغابة والاصابة والاستيعاب.
لان أمية كان يقيم بالطائف.
(2) القص: الصدر (*)
الخبر.
فقال: خير أريد بى ثم صرف عنى.
ثم أنشأ يقول: باتت همومى تسرى طوارقها * أكف عينى والدمع سابقها مما أتانى من اليقين ولم * أوت براة يقص ناطقها أممن تلظى عليه واقدة الن * - ار محيط بهم سرادقها أم أسكن الجنة التى وعد ال * - أبرار مصفوفة نمارقها لا يستوى المنزلان ثم ولا ال * - أعمال لا تستوى طرائقها هما فريقان فرقة تدخل الجن * ة حفت بهم حدائقها
وفرقة منهم قد أدخلت الن * ار فساءتهم مرافقها تعاهدت هذه القلوب إذا * همت بخير عاقت عوائقها وصدها للشقاء عن طلب ال * - جنة دنيا الله ما حقها عبد دعا نفسه فعاتبها * يعلم أن البصير رامقها ما رغب النفس في الحياة ؟ وإن * تحيا قليلا فالموت لاحقها يوشك من فر من منيته * يوما على غرة يوافقها إن لم تمت غبطة تمت هرما * للموت كأس والمرء ذائقها قال: ثم انصرف إلى رحله، فلم يلبث إلا يسيرا حتى ظعن في جنازته (1)، فأتاني الخبر فانصرفت إليه فوجدته منعوشا قد سجى عليه، فدنوت منه فشهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف ورفع صوته وقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيفدينى ولا ذو أهل فتحميني.
ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة، فقلت قد هلك الرجل.
__________
(1) كذا في تاريخ ابن عساكر 3 / 125.
وكان الاصل: طعن في حيارته.
وهو تحريف.
(*)
فشق بصره نحو السقف فرفع صوته.
فقال: لبيكا لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فانتصر.
ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف فقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، بالنعم محفود وبالذنب محصود.
ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما.
إن تغفر اللهم تغفر جما * وأى عبد لك لا ألما ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة فقال: كل عيش وإن تطاول دهرا * صائر مرة إلى أن يزولا
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى * في قلال الجبال أرعى الوعولا قالت: ثم مات.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الذى آتاه الله آياته فانسلخ منها " الآية.
وقد تكلم الخطابى على غريب هذا الحديث.
وروى الحافظ ابن عساكر عن الزهري أنه قال: قال أمية بن أبى الصلت: ألا رسول لنا منا يخبرنا * ما بعد غايتنا من رأس مجرانا قال: ثم خرج أمية بن أبى الصلت إلى البحرين، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام أمية بالبحرين ثمانى سنين، ثم قدم الطائف فقال لهم: ما يقول محمد بن عبد الله ؟ قالوا: يزعم أنه نبى، هو الذى كنت تتمنى.
قال: فخرج حتى قدم عليه مكة فلقيه، فقال: يا ابن عبد المطلب ما هذا الذى تقول ؟ قال: أقول إنى رسول الله وأن لا إله إلا هو.
قال: إنى أريد أن أكلمك
فعدني غدا.
قال فموعدك غدا.
قال فتحب أن آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابي، وتأتيني وحدك أو في جماعة من أصحابك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ذلك شئت.
قال: فإنى آتيك في جماعة، فأت في جماعة.
قال: فلما كان الغد غدا أمية في جماعة من قريش.
قال: وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم معه نفر من أصحابه، حتى جلسوا في ظل الكعبة.
قال: فبدأ أمية فخطب ثم سجع ثم أنشد الشعر، حتى إذا فرغ الشعر قال: أجبني يا ابن عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم.
يس والقرآن الحكيم) حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه.
قال: فتبعته قريش يقولون: ما تقول يا أمية ؟ قال: أشهد أنه على الحق.
فقالوا: هل تتبعه ؟ قال: حتى أنظر في أمره.
قال: ثم خرج أمية إلى الشام وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما قتل أهل بدر قدم أمية من الشام حتى نزل بدرا، ثم ترحل يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائل: يا أبا الصلت ما تريد ؟ قال: أريد محمدا.
قال: وما تصنع ؟ قال: أو من به وألقى إليه مقاليد هذا الامر.
قال: أتدرى من في القليب ؟ قال: لا.
قال: فيه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك - وأمه ربيعة بنت عبد شمس - قال: فجدع أذنى ناقته وقطع ذنبها، ثم وقف على القليب يقول: ما ذا ببدر فالعقن * - قل من مرازبة جحاجح القصيدة إلى آخرها، كما سيأتي ذكرها بتمامها في قصة بدر إن شاء الله.
ثم رجع إلى مكة والطائف وترك الاسلام.
ثم ذكر قصة الطيرين وقصة وفاته كما تقدم، وأنشد شعره عند الوفاة: كل عيش وإن تطاول دهرا * صائر مرة إلى أن يزولا ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى * في قلال الجبال أرعى الوعولا
فاجعل الموت نصب عينيك واحذر * غولة الدهر إن للدهر غولا نائلا ظفرها القساور والصد * عان والطفل في المنار الشكيلا وبغاث النياف واليعفر النا * فر والعوهج البرام الضئيلا فقوله: القساور جمع قسورة وهو الاسد.
والصدعان: ثيران الوحش واحدها صدع.
والطفل الشكيل: من الشكلة وهى حمرة في العين (1)، والبغاث: الرخم.
والنياف: الجبال: واليعفر: الظبى.
والعوهج: ولد النعامة.
يعنى أن الموت لا ينجو منه الوحوش في البراري ولا الرخم الساكنة في رءوس الجبال، ولا يترك صغيرا لصغره ولا كبيرا لكبره.
وقد تكلم الخطابى وغيره على غريب هذه الاحاديث.
وقد ذكر السهيلي في كتابه " التعريف والاعلام " أن أمية بن أبى الصلت أول من قال " باسمك اللهم " وذكر عند ذلك قصة غريبة.
وهو أنهم خرجوا في جماعة من قريش في سفر، فيهم حرب بن أمية والد أبى سفيان.
قال: فمروا في مسيرهم بحية فقتلوها، فلما أمسوا جاءتهم امرأة من الجان فعاتبتهم في قتل تلك الحية، ومعها قضيب فضربت به الارض ضربة نفرت الابل عن آخرها، فذهبت وشردت كل مذهب، وقاموا فلم يزالوا في طلبها حتى ردوها، فلما اجتمعوا جاءتهم أيضا فضربت الارض بقضيبها فنفرت الابل فذهبوا في طلبها، فلما أعياهم ذلك قالوا: والله هل عندك لما نحن فيه من مخرج ؟ فقال: لا والله، ولكن سأنظر في ذلك.
قال: فساروا في تلك المحلة لعلهم يجدون أحدا يسألونه عما قد حل بهم من العناء، إذا نار تلوح على بعد، فجاءوها فإذا شيخ على باب خيمة يوقد نارا، وإذا هو من الجان في غاية الضآلة والدمامة، فسلموا عليه فسألهم عما هم فيه، فقال: إذا جاءتكم فقل باسمك اللهم.
فإنها تهرب، فلما اجتمعوا وجاءتهم الثالثة أو الرابعة قال في وجهها أمية: باسمك اللهم
__________
(1) الاصل: والطفل الشكل من حمرة العين.
وما أثبته من ابن عساكر.
(*)
فشردت ولم يقر لها قرار، لكن عدت الجن على حرب بن أمية فقتلوه بتلك الحية، فقبره أصحابه هنالك حيث لا جار ولا دار، ففى ذلك يقول الجان: وقبر حرب بمكان قفر * وليس قرب قبر حرب قبر وذكر بعضهم: أنه كان يتفرس في بعض الاحيان في لغات الحيوانات، فكان يمر في السفر على الطير فيقول لاصحابه: إن هذا يقول كذا وكذا.
فيقولون لا نعلم صدق ما يقول.
حتى مروا على قطيع غنم قد انقطعت منه شاة ومعها ولدها، فالتفتت إليه فثغت كأنها تستحثه.
فقال: أتدرون ما تقول له ؟ قالوا: لا.
قال: إنها تقول: أسرع بنا لا يجئ الذئب فيأكلك، كما أكل الذئب أخاك عام أول.
فأسرعوا حتى
سألوا الراعى: هل أكل له الذئب عام أول حملا بتلك البقعة ؟ فقال: نعم.
قال: ومر يوما على بعير عليه امرأة راكبة وهو يرفع رأسه إليها ويرغو، فقال: إنه يقول لها: إنك رحلتيني وفى الحداجة (1) مخيط.
فأنزلوا تلك المرأة وحلوا ذلك الرحل فإذا فيه مخيط كما قال.
وذكر ابن السكيت: أن أمية بن أبى الصلت بينما هو يشرب يوما إذ نعب غراب، فقال: له بفيك التراب مرتين.
فقيل له: ما يقول ؟ فقال إنه يقول: إنك تشرب هذا الكأس الذى في يدك ثم تموت.
ثم نعب الغراب فقال: إنه يقول: وآية ذلك أنى أنزل على هذه المزبلة فآكل منها فيعلق عظم في حلقى فأموت.
ثم نزل الغراب على تلك المزبلة فأكل شيئا فعلق في حلقه عظم فمات.
فقال أمية: أما هذا فقد ضدق في نفسه، ولكن سأنظر هل صدق في أم لا.
ثم شرب ذلك الكأس الذى في يده ثم اتكأ فمات.
__________
(1) الحداجة: مركب للنساء كالمحفة.
(*)
وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مهدى، عن الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: * ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم ".
وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا زكرياء بن إسحاق، حدثنا إبراهيم ابن ميسرة، أنه سمع عمرو بن الشريد يقول: قال الشريد: كنت ردفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى: " أمعك من شعر أمية بن أبى الصلت شئ " ؟ قلت نعم قال:
فأنشدني.
فأنشدته بيتا، فلم يزل يقول لى كلما أنشدته بيتا: إيه.
حتى أنشدته مائة بيت.
قال: ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم وسكت.
وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، عن أبى تمپم بن ميسرة به.
ومن غير وجه عن عمرو بن الشريد، عن أبيه الشريد بن سويد الثقفى، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفى بعض الروايات فقال رسول الله: " إن كاد يسلم ".
وقال يحيى بن محمد بن صاعد: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى، حدثنا أبو أسامة، حدثنا حاتم بن أبى صفرة، عن سماك بن حرب، عن عمرو بن نافع، عن الشريد الهمداني، وأخواله ثقيف، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فبينا أنا أمشى ذات يوم إذا وقع ناقة خلفي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الشريد ؟ فقلت: نعم.
قال: ألا أحملك ؟ قلت: بلى.
وما بى من إعياء ولكني أردت البركة في ركوبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأناخ فحملني فقال: أمعك من شعر أمية بن أبى الصلت ؟ قلت: نعم.
قال هات.
فأنشدته.
قال أظنه قال مائة بيت.
فقال: " عند الله علم أمية بن أبى الصلت ".
ثم قال ابن صاعد: هذا حديث غريب.
فأما الذى يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أمية: " آمن شعره وكفر قلبه " فلا أعرفه.
والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبى شيبة - حدثنا عبدة ابن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أمية في شئ من شعره قال: رجل (1) وثور تحت رجل يمينه * والنسر للاخرى وليث مرصد والشمس تبدو كل آخر ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها * إلا معذبة وإلا تجلد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق (2).
وفى رواية أبى بكر الهذلى، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: إن الشمس لا تطلع حتى ينخسها سبعون ألف ملك يقولون (3) لها: اطلعي اطلعي.
فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله.
فإذا همت بالطلوع أتاها شيطان يريد أن يثبطها فتطلع بين قرنيه وتحرقه، فإذا تضيفت للغروب عزمت لله عزوجل، فيأتيها شيطان يريد أن يثبطها عن السجود فتغرب بين قرنيه وتحرقه.
أورده ابن عساكر مطولا.
ومن شعره في حملة العرش: فمن حامل إحدى قوائم عرشه * ولولا إله الخلق كلوا وأبلدوا قيام على الاقدام عانون تحته * فرائصهم من شدة الخوف ترعد
__________
(1) في المطبوعة: زحل وهو كذلك في الاصابة ومجمع الزوائد وما أثبته عن نسخة ! ومسند أحمد.
والمراد أن هناك ملائكة في صورة الرجال وآخرين في صورة الثيران كما ذكر الجاحظ في الحيوان 6 / 221 - 222 (2) المسند حديث رقم 2314 (3) الاصل والمطبوعة: يقول.
(*)
رواه ابن عساكر.
وروى عن الاصمعي أنه كان ينشد من شعر أمية: مجدوا الله فهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الاعلى الذى سبق الن * - اس وسوى فوق السماء سريرا شرجعا (1) [ ما ] يناله بصر العي * - ن ترى دونه الملائك صورا ثم يقول الاصمعي: الملائك جمع ملك، والصور جمع أصور وهو المائل العنق، وهؤلاء حملة العرش.
ومن شعر أمية بن أبى الصلت يمدح عبد الله بن جدعان التيمى: أأذكر حاجتى أم قد كفانى * حياؤك إن شيمتك الحياء
وعملك بالحقوق وأنت فرع * لك الحسب المهذب والسناء كريم لا يغيره صباح * عن الخلق الجميل ولا مساء يبارى الريح مكرمة وجودا * إذا ما الكلب أحجره الشتاء وأرضك أرض مكرمة بنتها * بنو تيم وأنت لها سماء إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء وله فيه مدائح أخر.
وقد كان عبد الله بن جدعان هذا من الكرماء الاجواد الممدحين المشهورين، وكان له جفنة يأكل الراكب منها وهو على بعيره من عرض حافتها وكثرة طعامها، وكان يملاها لباب البر يلبك بالشهد والسمن، وكان يعتق الرقاب ويعين على النوائب، وقد سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم أينفعه ذلك ؟ فقال: إنه لم يقل يوما من الدهر: (رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين).
__________
(1) الشرجع: الطويل.
(*)
ومن شعر أمية البديع: لا ينكثون الارض عند سؤالهم * كتطلب العلات بالعيدان بل يسفرون وجوههم فترى لها * عند السؤال كأحسن الالوان وإذا المقل أقام وسط رحالهم * ردوه رب صواهل وقيان وإذا دعوتهم لكل ملمة * سدوا شعاع الشمس بالفرسان آخر ترجمة أمية بن أبى الصلت.
بحير الراهب الذى توسم في رسول الله صلى الله عليه وسلم النبوة وهو مع عمه أبى طالب، حين قدم الشام في تجار من أهل مكة، وعمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، فرأى الغمامة تظله من
بينهم، فصنع لهم طعاما ضيافة، واستدعاهم.
كما سيأتي بيان ذلك في السيرة.
وقد روى الترمذي في ذلك حديثا بسطنا الكلام عليه هنالك، وقد أورد له الحافظ ابن عساكر شواهد وسائغات في ترجمة بحيرا، ولم يورد ما رواه الترمذي وهذا عجب.
وذكر ابن عساكر أن بحيرا كان يسكن قرية يقال لها الكفر بينها وبين بصرى ستة أميال، وهى التى يقال لها " دير بحيرا " قال ويقال: إنه كان يسكن قرية يقال لها منفعة بالبلقاء وراء زيرا.
والله أعلم.
ذكر قس بن ساعدة الايادي قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب " هواتف الجان ": حدثنا داود القنطرى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى أبو عبد الله المشرقي، عن أبى الحارث الوراق، عن ثور بن يزيد، عن مورق العجلى، عن عبادة بن الصامت.
قال: لما قدم وفد إياد على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر وفد إياد، ما فعل قس بن ساعدة الايادي ؟ قالوا: هلك يا رسول الله.
قال: لقد شهدته يوما بسوق عكاظ على جمل أحمر يتكلم بكلام معجب مونق لا أجدني أحفظه.
فقام إليه أعرابي من أقاصى القوم فقال: أنا أحفظه يا رسول الله.
قال: فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
قال: فكان بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: يا معشر الناس اجتمعوا، فكل من فات فات، وكل شئ آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحر عجاج، نجوم تزهر، وجبال مرساة (1)، وأنهار مجراة (2)، إن في السماء لخبرا، وإن في الارض لعبرا، مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالاقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا.
أقسم قس بالله قسما لا ريب فيه، إن لله دينا هو أرضى من دينكم هذا.
ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الاولي * - ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يمضى الاصاغر والاكابر لا من مضى يأتي إلي * - ك ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر
__________
(1) الاصل والمطبوعة: مرسية وهو خطأ (2) الاصل والمطبوعة: مجرية وهو خطأ.
(*)
وهذا إسناد غريب من هذا الوجه، وقد رواه الطبراني من وجه آخر فقال في كتابه " المعجم الكبير ": حدثنا محمد بن السرى بن مهران بن الناقد البغدادي، حدثنا محمد بن حسان السهمى، حدثنا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبى، عن ابن عباس.
قال: قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يعرف القس بن ساعدة الايادي ؟ قالوا: كلنا يعرفه يا رسول الله.
قال: فما فعل ؟ قالوا هلك.
قال: " فما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام وهو على جمل أحمر، وهو يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس اجتمعوا واستمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت.
إن في السماء لخبرا، وإن في الارض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور.
وأقسم قس قسما حقا لئن كان في الامر رضى ليكون بعده سخط، إن لله لدينا هو أحب إليه من دينكم الذى أنتم عليه.
مالى أرى الناس يذهبون ولا يرجعون ؟ ! أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفيكم من بروى شعره ؟ فأنشده بعضهم: في الذاهبين الاولي * - ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يسعى الاصاغر والاكابر لا يرجع الماضي إلى ولا * من الباقين غابر
أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر وهكذا أورده الحافظ البيهقى في كتابه " دلائل النبوة " من طريق محمد بن حسان السهمى به.
وهكذا رويناه في الجزء الذى جمعه الاستاذ أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه في أخبار قس، قال: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم
الديرعاقولى (1)، عن سعيد بن شبيب، عن محمد بن الحجاج أبو (2) إبراهيم الواسطي نزيل بغداد، ويعرف بصاحب الهريسة، وقد كذبه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي والدارقطني، واتهمه غير واحد منهم ابن عدى بوضع الحديث.
وقد رواه البزار وأبو نعيم من حديث محمد بن الحجاج هذا، ورواه ابن درستويه وأبو نعيم من طريق الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، وهذه الطريق أمثل من التى قبلها.
وفيه أن أبا بكر هو الذى أورد القصة بكمالها نظمها ونثرها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث أحمد بن موسى بن إسحاق الخطمى (3) حدثنا على بن الحسين بن محمد المخزومى، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا وهب بن جرير، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس، قال: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: " ما فعل حليف لكم يقال له قس بن ساعدة الايادي " وذكر القصة مطولة.
وأخبرنا الشيخ المسند الرحلة أحمد بن أبى طالب الحجار، إجازة إن لم يكن سماعا، قال: أجاز لنا جعفر بن على الهمداني، قال أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السلفي سماعا.
وقرأت على شيخنا الحافظ أبى عبد الله الذهبي، أخبرنا أبو على الحسن بن على بن أبى بكر الخلال سماعا، قال أنبأنا جعفر بن على سماعا، قال أنبأنا السلفي سماعا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، أنبأنا أبو الفضل محمد بن أحمد
__________
(1) هو أبويحيى عبد الكريم بن الهيثم بن زياد بن عمران القطان: نسب إلى دير العاقول هو قرية من أعمال بغداد، روى عنه البغوي والترمذي وغيرهما، وكان ثقة، توفى في شعبان سنة 278.
(2) خ ط: عن ابراهيم الواسطي وهو خطأ شنيع.
وكان محمد بن الحجاج هذا يصنع الهريسة، ووضع حديثا في شأنها.
ميزان الاعتدال 3 / 40، وفى خ ط: الفريسة وهو تحريف.
(3) ينسب إلى بطن من الانصار، وهم بنو خطمة بن جشم بن مالك بن الاوس بن حارثة.
وفي الاصل والمطبوعة الحطمى وهو تحريف.
(*)
ابن عيسى السعدى، أنبأنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن على المقرئ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أحمد السعدى قاضى فارس، حدثنا أبو داود سليمان بن سيف بن يحيى بن درهم الطائى من أهل حران، حدثنا أبو عمرو سعيد بن يربع، عن محمد بن إسحاق، حدثنى بعض أصحابنا من أهل العلم عن الحسن بن أبى الحسن البصري أنه قال: كان الجارود بن المعلى بن حنش بن معلى العبدى نصرانيا حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها، عالما بسير الفرس وأقاويلها، بصيرا بالفلسفة والطب، ظاهر الدهاء والادب، كامل الجمال ذا ثروة ومال، وإنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وافدا في رجال من عبد القيس ذوى آراء وأسنان وفصاحة وبيان وحجج وبرهان، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وقف بين يديه وأشار إليه وأنشأ يقول: يا نبى الهدى أتتك رجال * قطعت فدفدا وآلا فآلا (1) وطوت نحوك الصحاصح تهوى (2) * لا تعد الكلال فيك كلالا كل بهماء قصر الطرف عنها * أرقلتها قلاصنا إرقالا (3) وطوتها العتقا يجمع فيها، بكماة كأنجم تتلألأ تبتغى دفع بأس يوم عظيم * هائل أوجع القلوب وهالا
ومزادا لمحشر الخلق طرا * وفراقا لمن تمادى ضلالا نحو نور من الاله وبرها * ن وبر ونعمة أن تنالا خصك الله يا ابن آمنة الخ * ير بها إذ أتت سجالا سجالا فاجعل الحظ منك يا حجة الل * ه جزيلا لا حظ خلف أحالا
__________
(1) الفدفد: الفلاة.
والآل: السراب.
(2) الصحاصح: جمع صحصح وهو ما استوى من الارض (3) الارقال: الاسراع.
(*)
قال: فأدناه النبي صلى الله عليه وسلم وقرب مجلسه وقال له: يا جارود لقد تأخر الموعد (1) بك وبقومك.
فقال الجارود: فداك أبى وأمى، أما من تأخر عنك فقد فاته حظه وتلك أعظم حوبة وأغلظ عقوبة، وما كنت فيمن رآك أو سمع بك فعداك واتبع سواك وإنى الآن على دين قد علمت به، قد جئتك وها أنا تاركه لدينك، أفذلك مما يمحص الذنوب والمآثم والحوب، ويرضى الرب عن المربوب ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ضامن لك ذلك، وأخلص الآن لله بالوحدانية ودع عنك دين النصرانية.
فقال الجارود: فداك أبى وأمى مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك محمد عبده ورسوله.
قال: فأسلم وأسلم معه أناس من قومه.
فسر النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، وأظهر من إكرامهم ما سروا به وابتهجوا به.
ثم أقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الايادي ؟
فقال الجارود: فداك أبى وأمى كلنا نعرفه، وإنى من بينهم لعالم بخبره واقف على أمره.
كان قس يا رسول الله سبطا من أسباط العرب، عمر ستمائة سنة تقفر منها خمسة
__________
(1) الاصل والمطبوعة: الموعود.
وهو خطأ.
(*)
أعمار في البراري والقفار، يضج بالتسبيح على مثال المسيح، لا يقره قرار ولا تكنه دار ولا يستمتع به جار، كان يلبس الامساح ويفوق السياح، ولا يفتر من رهبانيته، يتحسى في سياحته بيض النعام ويأنس بالهوام، ويستمتع بالظلام، يبصر فيعتبر، ويفكر فيختبر.
فصار لذلك واحدا تضرب بحكمته الامثال، وتكشف به الاهوال، أدرك رأس الحواريين سمعان.
وهو أول رجل تأله من العرب ووحد، وأقر وتعبد، وأيقن بالبعث والحساب، وحذر سوء المآب، وأمر بالعمل قبل الفوت، ووعظ بالموت، وسلم بالقضا، على السخط والرضا، وزار القبور، وذكر النشور، وندب بالاشعار، وفكر في الاقدار، وأنبأ عن السماء والنماء، وذكر النجوم وكشف الماء، ووصف البحار، وعرف الآثار، وخطب راكبا، ووعظ دائبا، وحذر من الكرب ومن شدة الغضب، ورسل الرسائل، وذكر كل هائل، وأرغم في خطبه، وبين في كتبه، وخوف الدهر، وحذر الازر، وعظم الامر، وجنب الكفر، وشوق إلى الحنيفية، ودعا إلى اللاهوتية.
وهو القائل في يوم عكاظ: شرق وغرب، ويتم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وإناث وذكور، وبرار وبحور، وحب ونبات، وآباء وأمهات، وجمع وأشتات، وآيات في إثرها آيات، ونور وظلام، ويسر وإعدام، ورب وأصنام، لقد ضل الانام، نشو مولود، ووأد مفقود، وتربية محصود، وفقير وغنى، ومحسن ومسئ،
تبا لارباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقدن الآمل أمله، كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وأمات وأحيا، وخلق الذكر والانثى، رب الآخرة والاولى.
أما بعد: فيا معشر إياد، أين ثمود وعاد ؟ وأين الآباء والاجداد ؟ وأين العليل والعواد ؟ كل له معاد، يقسم قس برب العباد، وساطح المهاد، لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، إذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، وأشرقت الارض، ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ، فويل لمن صدف عن الحق الاشهر، والنور الازهر، والعرض الاكبر، في يوم الفصل، وميزان العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير.
وبعد النصير، وظهر التقصير، ففريق في الجنة وفريق في السعير ".
وهو القائل: ذكر القلب من جواه ادكار * وليال خلالهن نهار وسجال هو اطل من غمام * ثرن ماء وفى جواهن نار ضوءها يطمس العيون وأرعا * د شداد في الخافقين تطار وقصور مشيدة حوت الخي * ر وأخرى خلت فهن قفار وجبال شوامخ راسيات * وبحار مياهن غزار ونجوم تلوح في ظلم اللي * ل نراها في كل يوم تدار ثم شمس يحثها قمر اللي * ل وكل متابع موار وصغير وأشمط وكبير * كلهم في الصعيد يوما مزار وكثير مما يقصر عنه * حدسه الخاطر (1) الذى لا يحار فالذي قد ذكرت دل على الل * ه نفوسا لها هدى واعتبار قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهما نسيت فلست أنساه بسوق عكاظ، واقفا
على جمل أحمر يخطب الناس: اجتمعوا فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر
__________
(1) في اللآلئ المصنوعة: الناظر.
(*)
ونبات، وأحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وضوء وضلام، وليل وأيام، وبر وآثام، إن في السماء خبرا، وإن في الارض عبرا، يحار فيهن البصرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور، وبحار لا تغور، ومنايا دوان، ودهر خوان، كحد النسطاس، ووزن القسطاس، أقسم قس قسما، لا كاذبا فيه ولا آثما، لئن كان في هذا الامر رضى، ليكونن سخط.
ثم قال: أيها الناس إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم هذا الذى أنتم عليه، وهذا زمانه وأوانه.
ثم قال: مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا.
والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى بعض أصحابه فقال: أيكم يروى شعره لنا ؟ فقال أبو بكر الصديق: فداك أبى وأمى أنا شاهد له في ذلك اليوم حيث يقول: في الذاهبين الاولي * ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يمضى الاصاغر والاكابر لا يرجع الماضي إل * ي ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر قال: فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخ من عبد القيس عظيم الهامة، طويل القامة، بعيد ما بين المنكبين فقال: فداك أبى وأمى، وأنا رأيت من قس عجبا.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذى رأيت يا أخا بنى عبد القيس ؟
فقال: خرجت في شيبتي أربع بعيرا لى ند عنى أقفو أثره في تنائف قفاف، ذات ضغابيس، وعرصات جثجاث بين صدور جذعان، وغمير حوذان، ومهمه ظلمان، ورصيع أيهقان، فبينا أنا في تلك الفلوات أجول بسبسبها، وأرنق فدفدها، إذا أنا بهضبة
في نشزاتها أراك كباث مخضوضلة وأغصانها متهدلة، كأن بريرها حب الفلفل وبواسق أقحوان، وإذا بعين خرارة وروضة مدهامة (1)، وشجرة عارمة، وإذا أنا بقس بن ساعدة في أصل تلك الشجرة وبيده قضيب، فدنوت منه وقلت له: أنعم صباحا.
فقال: وأنت فنعم صباحك.
وقد وردت العين سباع كثيرة، فكان كلما ذهب سبع منها يشرب من العين قبل صاحبه ضربه قس بالقضيب الذى بيده.
وقال: اصبر حتى يشرب الذى قبلك.
فذعرت من ذلك ذعرا شديدا، ونظر إلى فقال: لا تخف.
وإذا بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القبران ؟ قال: قبرا أخوين كانا يعبدان الله عزوجل بهذا الموضع.
فأنا مقيم بين قبريهما أ عبد الله بين قبريهما أ عبد الله حتى ألحق بهما.
فقلت له: أفلا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وتباينهم على شرهم ؟ فقال لى: ثكلتك أمك ! أو ما علمت أن ولد إسماعيل تركوا دين أبيهم واتبعوا الاضداد وعظموا الانداد ؟ ! ثم أقبل على القبرين وأنشأ يقول: خليلي هبا طالما قد رقدتما * أجدكما لا تقضيان كراكما أرى النوم بين الجلد والعظم منكما * كأن الذى يسقى العقار سقاكما أمن طول نوم لا تجيبان داعيا * كأن الذى يسقى العقار سقاكما ألم تعلما أنى بنجران مفردا * ومالى فيه من حبيب سواكما مقيم على قبريكما لست بارحا * إياب الليالى أو يجيب صداكما أبكيكما طول الحياة وما الذى * يرد على ذى لوعة أن بكاكما فلو جعلت نفس لنفس امرئ فدى * لجدت بنفسى أن تكون فداكما
__________
(1) التنائف: جمع تنوفة وهى المفازة.
والقفاف: جمع قف، وهو حجارة غاص بعضها ببعض لا تخالطها سهولة.
والضغابيس: أغصان التمام والشوك التى تؤكل.
والجثجاث: نبت.
والجذعان: صغار الجبال.
والحوذان: نبت.
والظلمان: جمع ظليم وهو ذكر النعام.
والايهقان: عشب يطول وله وردة حمراء وورقه عريض ويؤكل أو الجرجير البرى.
والكباث: النضيج من ثمار الاراك.
والمخضوضلة: المبتلة.
والبرير: الاول من ثمر الاراك.
والمدهامة: الخضراء تضرب إلى السواد نعمة وريا.
(*)
كانكما والموت أقرب غاية * بروحى في قبريكما قد أتاكما قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله قسا، أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده.
وهذا الحديث غريب جدا من هذا الوجه وهو مرسل، إلا أن يكون الحسن سمعه من الجارود.
والله أعلم.
وقد رواه البيهقى، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر من وجه آخر من حديث محمد ابن عيسى بن محمد بن سعيد القرشى الاخباري: حدثنا أبى، حدثنا على بن سليمان بن على، عن على بن عبد الله، وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما.
قال: قدم الجارود بن عبد الله فذكر مثله أو نحوه مطولا بزيادات كثيرة في نظمه ونثره، وفيه ما ذكره عن الذى ضل بعيره فذهب في طلبه قال: فبت في واد لا آمن فيه حتفى، ولا أركن إلى غير سيفى، أرقب الكواكب، وأرمق الغيهب، حتى إذا الليل عسعس، وكاد الصبح أن يتنفس، هتف بى هاتف يقول: يا أيها الراقد في الليل الاجم * قد بعث الله نبيا في الحرم من هاشم أهل الوفاء والكرم * يجلو دجيات الدياجى والبهم قال: فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا ولا سمعت له فحصا، قال فأنشأت أقول: يا أيها الهاتف في داجى الظلم * أهلا وسهلا بك من طيف ألم
بين هداك الله في لحن الكلم * ماذا الذى تدعو إليه يغتنم ؟ قال: فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول: ظهر النور، وبطل الزور، وبعث الله محمدا بالمور، صاحب النجيب الاحمر، والتاج والمغفر، والوجه الازهر، والحاجب الاقمر،
والطرف الاحور، صاحب قول شهادة أن لا إله إلا الله، وذلك محمد المبعوث إلى الاسود والابيض أهل المدر والوبر.
ثم أنشأ يقول: الحمد لله الذى * لم يخلق الخلق عبث لم يخلنا يوما سدى * من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمدا * خير نبى قد بعث صلى عليه الله ما * حج له ركب وحث وفيه من إنشاء قس بن ساعدة: يا ناعى الموت والملحود في جدت * عليهم من بقايا ثوبهم (1) خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * فهم إذا انتبهوا من نومهم أرقوا حتى يعودوا بحال غير حالهم * خلقا جديدا كما من قبله خلقوا منهم عراة ومنهم في ثيابهم * منها الجديد ومنها المنهج (2) الخلق ثم رواه البيهقى عن أبى محمد (3) بن عبد الله بن يوسف بن أحمد الاصبهاني حدثنا أبو بكر أحمد بن سعيد بن فرضخ الاخميمى بمكة (4)، حدثنا القاسم بن عبد الله بن مهدى، حدثنا أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومى، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبى حمزة الثمالى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
فذكر القصة وذكر الانشاد قال فوجدوا عند رأسه صحيفة فيها: يا ناعى الموت والاموات في جدث * عليهم من بقايا ثوبهم (1) خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * كما ينبه من نوماته الصعق
__________
(1) المطبوعة: نومهم، وهو خطأ.
(2) المنهج: الثوب الذى أسرع فيه البلى.
(3) المطبوعة: محمد، وهو خطأ.
(4) ذكر الدارقطني أن أحمد بن سعيد بن فرضخ روى عن القاسم بن عبد الله بن مهدى أحاديث موضوعة كلها كذب لا تحل روايتها، والحمل فيها على ابن فرضخ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ المتهم بها فإنه كان يركب الاسانيد ويضع عليها الاحاديث.
انظر اللآلئ المصنوعة 1 / 186.
(*)
منهم عراة وموتى في ثيابهم * منها الجديد ومنها الازرق الخلق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذى بعثنى بالحق لقد آمن قس بالبعث ".
وأصله مشهور، وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة.
وقد تكلم أبو محمد بن درستويه على غريب ما وقع في هذا الحديث، وأكثره ظاهر إن شاء الله تعالى، وما كان فيه غرابة شديدة نبهنا عليه في الحواشى.
وقال البيهقى: أنبأنا أبو سعد (1) سعيد بن محمد بن أحمد الشعيثى، حدثنا أبو عمرو ابن أبى طاهر المحمد أباذى لفظا، حدثنا أبو لبابة محمد بن المهدى الابيوردى (2) حدثنا أبى، حدثنا سعيد بن هبيرة، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال: قدم وفد إياد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل قس بن ساعدة ؟ قالوا هلك.
قال: أما إنى سمعت منه كلاما ما أرى أنى أحفظه.
فقال بعض القوم نحن نحفظه يا رسول الله.
قال: هاتوا.
فقال قائلهم: إنه وقف (3) بسوق عكاظ فقال: يا أيها الناس استمعوا، واسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة (4) وأنهار مجراة (4) إن في السماء لخبرا، وإن في الارض لعبرا، أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا بالاقامة فأقاموا، أم تركو فناموا ؟ ! أقسم قس قسما بالله لا آثم فيه، إن لله دينا هو أرضى مما أنتم عليه ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الاول * ين من القرون لنا بصائر
لما رأيت مصارعا * للقوم ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يمضى الاكابر والاصاغر
__________
(1) ط خ: أبو سعد بن محمد، وهو خطأ والتصويب من اللآلئ..(2) ط خ: الاموردى، وهو خطأ.
(3) ط خ: إنى واقف، وهو خطأ.
(4) ط خ: مرسية.
مجرية، وهو خطأ.
(*)
أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر ثم ساقه البيهقى من طرق أخر قد نبهنا عليها فيما تقدم.
ثم قال بعد ذلك كله: وقد روى هذا الحديث عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس بزيادة ونقصان.
وروى من وجه آخر عن الحسن البصري منقطعا.
وروى مختصرا من حديث سعد بن أبى وقاص وأبى هريرة.
قلت: وعبادة بن الصامت كما تقدم، وعبد الله بن مسعود كما رواه أبو نعيم في كتاب " الدلائل " عن عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي، عن أبى الوليد طريف ابن عبيد الله مولى على أبى طالب بالموصل عن يحيى بن عبد الحميد الحمانى، عن أبى معاوية عن الاعمش عن أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود فذكره.
وروى أبو نعيم أيضا حديث عبادة المتقدم وسعد بن أبى وقاص.
ثم قال البيهقى: وإذا روى الحديث من أوجه أخر وإن كان بعضها ضعيفا دل على أن للحديث أصلا (1) والله أعلم.
ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رضى الله عنه هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح ابن عدى بن كعب بن لؤى القرشى العدوى.
وكان الخطاب والد عمر بن الخطاب عمه وأخاه لامه، وذلك لان عمرو بن نفيل كان كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه، وكان لها من نفيل أخوه الخطاب.
قاله الزبير
ابن بكار ومحمد بن إسحاق.
__________
(1) حديث قس ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة واستعرض طرقه كلها 1 / 183 - 192، وذكر علل الطرق جميعا، ونقل عن ابن حجر قوله: " قد أفرد بعض الرواة طرق حديث قس بن ساعدة وهو في الطوالات للطبراني وغيرها، وطرقه كلها ضعيفة ".
(*)
وكان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الاوثان وفراق دينهم، وكان لا يأكل إلا ما ذبح على اسم الله وحده.
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثنى هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذى نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيرى.
ثم يقول: اللهم إنى لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم.
ثم يسجد على راحلته.
وكذا رواه أبو أسامة عن هشام به.
وزاد: وكان يصلى إلى الكعبة ويقول: إلهى إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم.
وكان يحيى الموءودة، ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، ادفعها إلى أكفلها، فإذا ترعرعت فخذها وإن شئت فادفعها.
أخرجه النسائي من طريق أبى أسامة، وعلقه البخاري فقال: وقال الليث: كتب إلى هشام بن عروة عن أبيه به.
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو ابن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحويرث بن أسد ابن عبد العزى، وعبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة (1) بن كبير ابن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة.
وأمه أميمة بنت عبد المطلب.
وأخته زينب بنت جحش التى تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مولاه زيد بن حارثة.
كما سيأتي
بيانه.
حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض.
فقال
__________
(1) المطبوعة: برة، وهو تحريف.
(*)
قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شئ، لقد أخطأوا دين إبراهيم وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع ؟ ! فابتغوا لانفسكم (1).
فخرجوا يطلبون ويسيرون في الارض يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم.
فأما ورقة بن نوفل فتنصر واستحكم في النصرانية وابتغى الكتب من أهلها حتى علم علما كثيرا من أهل الكتاب.
ولم يكن فيهم أعدل أمرا وأعدل ثباتا من زيد بن عمرو بن نفيل، اعتزل الاوثان وفارق الاديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين الحنيفية دين إبراهيم، يوحد الله ويخلع من دونه ولا يأكل ذبائح قومه فأذاهم بالفراق لما هم فيه.
قال: وكان الخطاب قد آذاه أذى كثيرا حتى خرج منه إلى أعلى مكة، ووكل به الخطاب شبابا من قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال: لا تتركوه يدخل [ مكة ] فكان لا يدخلها إلا سرا منهم فإذا علموا به أخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم أو يتابعه أحد إلى ما هو عليه.
وقال موسى بن عقبة: سمعت من أرضى يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الارض، لم تذبحوها على غير اسم الله ؟ ! إنكارا لذلك وإعظاما له.
وقال يونس عن ابن إسحاق: وقد كان زيد بن عمرو بن نفيل قد عزم على الخروج من مكة ليضرب (2) في الارض يطلب الحنيفية دين إبراهيم، وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض للخروج وأراده آذنت الخطاب بن نفيل.
فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الاول دين إبراهيم
__________
(1) ابن هشام: ؟ ا قوم التمسوا لانفسكم.
(2) خ ط: فضرب.
(*)
ويسأل عنه، ولم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها، حتى أتى راهبا ببيعة من أرض البلقاء كان ينتهى إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال له الراهب: إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس من علمه وذهب من كان يعرفه، ولكنه قد أظل خروج نبى وهذا زمانه.
وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منها، فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة، حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه، فقال ورقة يرثيه: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الارض سبعين واديا وقال محمد بن عثمان بن أبى شيبة: حدثنا أحمد بن طارق الوابشى، حدثنا عمرو بن عطية، عن أبيه، عن ابن عمر، عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يتأله في الجاهلية، فانطلق حتى أتى رجلا من اليهود فقال له أحب أن تدخلني معك في دينك.
فقال له اليهودي: لا أدخلك في دينى حتى تبوء بنصيبك من غضب الله.
فقال: من غضب الله أفر.
فانطلق حتى أتى نصرانيا، فقال له: أحب أن تدخلني معك في دينك.
فقال: لست أدخلك في دينى حتى تبوء بنصيبك من الضلالة.
فقال: من الضلالة أفر.
قال له النصراني: فإنى أدلك على دين إن تبعته اهتديت.
قال: أي دين ؟ قال: دين إبراهيم.
قال: فقال اللهم إنى أشهدك أنى على دين إبراهيم عليه أحيا وعليه أموت.
قال: فذكر شأنه للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: هو أمة وحده يوم القيامة.
وقد روى موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر نحو هذا.
وقال محمد بن سعد: حدثنا على بن محمد بن عبد الله بن سيف القرشى، عن إسماعيل، عن مجالد عن الشعبى، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: شاممت اليهودية والنصرانية فكرهتهما، فكنت بالشام وما والاها، حتى أتيت راهبا في صومعة فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الاوثان واليهودية والنصرانية.
فقال له: أراك تريد دين إبراهيم يا أخا أهل مكة، إنك لتطلب دينا ما يوجد اليوم أحد يدين به، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، كان يصلى ويسجد إلى هذا البيت الذى ببلادك، فالحق ببلدك فإن الله يبعث من قومك في بلدك من يأتي بدين إبراهيم الحنيفية وهو أكرم الخلق على الله.
وقال يونس عن ابن إسحاق حدثنى بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل: أن زيدا كان إذا دخل الكعبة قال: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم [ مستقبل القبلة ] (1) وهو قائم، إذ قال إلهى أنفى لك عان راغم، مهما تجشمنى فإنى جاشم، البر أبغى لا الخال (2)، ليس مهجر كمن قال (3).
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل العدوى، عن أبيه عن جده، أن زيد بن عمرو وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو: من أين أقبلت يا صاحب البعير ؟ فقال: من بنية إبراهيم.
فقال: وما تلتمس ؟ قال: ألتمس الدين.
قال: ارجع فإنه يوشك أن يظهر في أرضك.
__________
(1) من ابن هشام (2) الخال: الخيلاء والكبر.
وفى المطبوعة: أتحال، وهو تحريف.
(3) المهجر: من يسير في الهاجرة وهى شدة الحر.
ومن قال: من نام في القائلة.
وفى ابن هشام:
ليس مهجر.
(*)
قال: فأما ورقة فتنصر، وأما أنا فعزمت على النصرانية فلم يوافقني فرجع وهو يقول: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، البر أبغى لا الخال، فهل مهجر كمن قال ؟ ! آمنت بما آمن به إبراهم وهو يقول: أنفى لك عان راغم، مهما تجشمنى فإنى جاشم، ثم يخر فيسجد.
قال وجاء ابنه يعنى سعيد بن زيد أحد العشرة رضى الله عنه فقال: يا رسول الله إن أبى كما رأيت وكما بلغك، فاستغفر له، قال: " نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده (1) ".
قال: وأتى زيد بن عمرو بن زيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة، وهما يأكلان من سفرة لهما، فدعواه لطعامهما فقال زيد بن عمرو: يا ابن أخى أنا لا آكل مما ذبح على النصب (2).
وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمرو، حدثنى أبو بكر بن أبى سبرة، عن موسى ابن ميسرة، عن ابن أبى مليكة، عن حجر بن أبى إهاب.
قال: رأيت زيد بن عمرو وأنا عند صنم بوانة بعدما رجع من الشام، وهو يراقب الشمس فإذا زالت استقبل الكعبة فصلى ركعة سجدتين ثم يقول: هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل، لا أعبد حجرا ولا أصلى له ولا آكل ما ذبح له ولا أستقسم الازلام، وإنما أصلى لهذا البيت حتى أموت.
وكان يحج
__________
(1) خ ط: واحدة (2) هنا يأتي اعتراض: كيف وفق الله زيدا إلى ترك أكل ما ذبح على النصب وما لم يذكر اسم الله عليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية ؟ وقد أجاب السهيلي بوجهين: الاول أنه ليس في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل منها وإنما في الحديث أن زيدا قال حين قدمت السفرة: لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
والثانى: أن زيدا إنما فعل ذلك برأى رآه لا بشرع متقدم، وإنما تقدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة
لا بتحريم ما ذبح لغير الله، وإنما نزل تحريم ذلك في الاسلام، وبعض الاصوليين يقولون الاشياء قبل ورود الشرع على الاباحة.
انظر الروض الانف 1 / 147 (*)
فيقف بعرفة، وكان يلبى فيقول: لبيك لا شريك لك ولا ندلك ثم يدفع من عرفة ماشيا وهو يقول: لبيك متعبدا مرقوقا.
وقال الواقدي: حدثنى على بن عيسى الحكمى، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بنى عبد المطلب، ولا أرانى أدركه، وأنا أو من به وأصدقه وأشهد أنه نبى، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه منى السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك.
قلت: هلم.
قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإنى طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكان من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك.
وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبى غيره.
قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول زيد بن عمرو وإقرائه منه السلام، فرد عليه السلام وترحم عليه وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا.
وقال البخاري في صحيحه: ذكر زيد بن عمرو بن نفيل: حدثنى محمد بن أبى بكر، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثنى سالم، عن عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لقى زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (1) قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحى، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فأبى أن
يأكل منها.
ثم قال زيد: إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل
__________
(1) بلدح: واد قبل مكة من جهة المغرب قال ابن قيس الرقيات: فمنى فالجمار من عبد شمس * مقفرات فبلدح فحراء (*)
إلا ما ذكر اسم الله عليه.
وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الارض، ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له.
قال موسى بن عقبة: وحدثني سالم بن عبد الله، ولا أعلمه إلا تحدث به عن ابن عمر، أن زيد بن عمرو ابن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقى عالما من اليهود فسأله عن دينهم، فقال: إنى لعلى أن أدين دينكم (1) فأخبرني.
فقال: إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله: قال زيد: وما أفر إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمل من غضب الله شيئا ولا أستطيعه (2)، فهل تدلني على غيره ؟ قال: ما أعلمه، إلا أن تكون حنيفا.
قال زيد: وما الحنيف ؟ قال دين إبراهيم عليه السلام، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله.
فخرج زيد، فلقى عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك [ من لعنة الله.
قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، ولا أستطيع، فهل تدلني ] (3) على غيره ؟ قال: ما أعلمه، إلا أن تكون حنيفا.
قال: وما الحنيف ؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله.
فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إنى أشهدك أنى على دين إبراهيم.
قال: وقال الليث: كتب إلى هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبى بكر
رضى الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول:
__________
(1) أي عازم عليه ومتهيئ له.
(2) الذى في البخاري 2 / 178 طبعة الاميرية: " وأنا أستطيعه ".
(3) سقط من المطبوعة.
(*)
يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيرى.
وكان يحيى الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها.
فيأخذها فإذا ترعرعت قال لابيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها.
انتهى ما ذكره البخاري (1).
وهذا الحديث الاخير قد أسنده الحافظ ابن عساكر، من طريق أبى بكر بن أبى داود عن عيسى بن حماد، عن الليث، عن هشام، عن أبيه عن أسماء فذكر نحوه.
وقال عبد الرحمن بن أبى الزناد: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالت: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش إياكم والزنا فإنه يورث الفقر.
وقد ساق ابن عساكر هاهنا أحاديث غريبة جدا، وفى بعضها نكارة شديدة.
ثم أورد من طرق متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يبعث يوم القيامة أمة وحده.
فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن أبى شيبة، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا يحيى بن سعيد الاموى، عن مجالد عن الشعبى، عن جابر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول: إلهى إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يحشر ذاك أمة وحده بينى وبين عيسى بن مريم ".
إسناده جيد حسن.
وقال الواقدي: حدثنى موسى بن شيبة، عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن
مالك، قال سمعت سعيد بن المسيب يذكر زيد بن عمرو بن نفيل فقال: توفى وقريش
__________
(1) صحيح البخاري 2 / 178 - 179.
(*)
تبنى الكعبة، قبل أن ينزل الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين ولقد نزل به (1) وإنه ليقول أنا على دين إبراهيم.
فأسلم ابنه سعيد بن زيد واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتى عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم.
قال: فكان المسلمون بعد ذلك اليوم لا يذكره ذاكر منهم إلا ترحم عليه واستغفر له، ثم يقول سعيد بن المسيب: رحمه الله وغفر له.
وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثنى زكريا بن يحيى السعدى، عن أبيه قال: مات زيد بن عمرو بن نفيل بمكة ودفن بأصل حراء.
وقد تقدم أنه مات بأرض البلقاء من الشام لما عدا عليه قوم من بنى لخم فقتلوه بمكان يقال له ميفعة.
والله أعلم.
وقال الباغندى: عن أبى سعيد الاشج، عن أبى معاوية، عن هشام عن أبيه، عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين " وهذا إسناد جيد، وليس هو في شئ من الكتب.
ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله: إلى الله أهدى مدحتي وثنائيا * وقولا رضيا لا ينى الدهر باقيا إلى الملك الاعلى الذى ليس فوقه * إله ولا رب يكون مدانيا وقد قيل إنها لامية بن أبى الصلت.
والله أعلم.
ومن شعره في التوحيد ما حكاه محمد بن إسحاق والزبير بن بكار وغيرهما: وأسلمت وجهى لمن أسلمت * له الارض تحمل صخرا ثقالا
__________
(1) أي الموت.
(*)
دحاها فلما استوت شدها * سواء وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهى لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهى لمن أسلمت * له الريح تصرف ؟ حالا فحالا وقال محمد بن إسحاق: حدثنى هشام بن عروة قال: روى أبى أن زيد بن عمرو قال: أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الامور عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بنى عمرو أزور ولا غنما أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي يسير عجبت وفى الليالى معجبات * وفى الايام يعرفها البصير بأن الله قد أفنى رجالا * كثيرا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم * فيربل منهم الطفل الصغير وبينا المرء يعثر ثاب يوما * كما يتروح الغصن النضير ولكن أ عبد الرحمن ربى * ليغفر ذنبي الرب الغفور فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوها لا تبوروا ترى الابرار دارهم جنان * وللكفار حامية سعير وخزى في الحياة وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به الصدور هذا تمام ما ذكره محمد بن إسحاق من هذه القصيدة.
وقد رواه أبو القاسم البغوي عن مصعب بن عبد الله، عن الضحاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد
قال: قال هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبى بكر قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل: عزلت الجن والجنان عنى * كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بنى طسم أدير ولا غنما أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي صغير أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الامور ألم تعلم بأن الله أفنى * رجالا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم * فيربو منهم الطفل الصغير وبينا المرء يعثر ثاب يوما * كما يتروح الغصن النضير قالت: فقال ورقة بن نوفل: رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا لدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك جنان الجبال كما هيا أقول إذا أهبطت أرضا مخوفة * جنانيك لا تظهر على الاعاديا حنانيك إن الجن أنت (1) رجاؤهم * وأنت إلهى ربنا ورجائيا لتدركن المرء رحمة ربه * وإن كان تحت الارض سبعين واديا (2) أدين لرب يستجيب ولا أرى * أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا أقول إذا صليت في كل بيعة * تباركت قد أكثرت باسمك داعيا تقدم أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام هو وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش، فتنصروا إلا زيدا فإنه لم يدخل في شئ من الاديان،
__________
(1) ط: كانت (2) رواية ابن هشام: وقد تدرك الانسان رحمة ربه * وإن كان تحت الارض سبعين واديا
وهى أولى، وقد ذكرها المؤلف قبل.
ونصب سبعين على تقدير فعل مثل: بعد تحت الارض سبعين واديا.
(*)
بل بقى على فطرته من عبادة الله وحده لا شريك له، متبعا ما أمكنه من دين إبراهيم.
على ما ذكرناه.
وأما ورقة بن نوفل فسيأتي خبره في أول المبعث وأما عثمان بن الحويرث فأقام بالشام حتى مات فيها عند قيصر.
وله خبر عجيب ذكره الاموى، ومختصره: أنه لما قدم على قيصر فشكا إليه ما لقى من قومه، كتب له إلى ابن جفنة ملك عرب الشام ليجهز معه جيشا لحرب قريش، فعزم على ذلك، فكتبت إليه الاعراب تنهاه عن ذلك لما رأوا من عظمة مكة وكيف فعل الله بأصحاب الفيل، فكساه ابن جفنة قميصا مصبوغا مسموما فمات من سمه، فرثاه زيد بن عمرو بن نفيل بشعر ذكره الاموى، تركناه اختصارا.
وكانت وفاته قبل المبعث بثلاث سنين أو نحوها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ذكر شئ مما وقع من الحوادث في زمن الفترة فمن ذلك بنيان الكعبة وقد قيل: إن أول من بناه آدم.
وجاء في ذلك حديث مرفوع عن عبد الله بن عمرو وفى سنده ابن لهيعة وهو ضعيف.
وأقوى الاقوال أن أول من بناه الخليل عليه السلام.
كما تقدم.
وكذلك رواه سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن على بن أبى طالب.
قال: ثم تهدم فبنته العمالقة، ثم تهدم فبنته جرهم، ثم ثهدم فبنته قريش.
قلت: سيأتي بناء قريش له، وذلك قبل المبعث بخمس سنين، وقيل بخمس عشرة سنة.
وقال الزهري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الحلم.
وسيأتى ذلك كله
في موضعه إن شاء الله وبه الثقة.
ذكر كعب بن لؤى روى أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة، عن محمد بن طلحة التيمى، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبى سلمة قال: كان كعب بن لؤى يجمع قومه يوم الجمعة، وكانت قريش تسميه العروبة، فيخطبهم فيقول: أما بعد فاسمعوا وتعلموا، وافهموا واعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح والارض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، والاولون كالآخرين، والانثى والذكر، والزوج (1) وما يهيج إلى بلى، فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم.
فهل رأيتم من هالك رجع ؟
__________
(؟) خ ط: والروح.
وهو خطأ.
والذى في دلائل النبوة لابي نعيم: والانثى والذكر والزوج إلى بلى صائرون.
(*)
أو ميت نشر ؟ الدار أمامكم، والظن غير ما تقولون، حرمكم زينوه وعظموه وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبى كريم ثم يقول: نهار وليل كل يوم بحادث * سواء علينا ليلها ونهارها يؤوبان بالاحداث حين تأوبا * وبالنعم الضافى علينا ستورها على غفلة يأتي النبي محمد * فيخبر أخبارا صدوق خبيرها ثم يقول: والله لو كنت فيها ذا سمع وبصر، ويد ورجل، لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولارقلت فيها إرقال الفحل (1).
ثم يقول: يا ليتنى شاهدا فحواء (2) دعوته * حين العشيرة تبغى الحق خذلانا قال: وكان بين موت كعب بن لؤى ومبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة عام وستون سنة.
ذكر تجديد حفر زمزم
على يدى عبد المطلب بن هاشم التى كان قد درس رسمها بعد طم جرهم لها إلى زمانه.
قال محمد بن إسحاق: ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم في الحجر [ إذ أتى فأمر بحفر زمزم ] (3) وكان أول ما ابتدى به عبد المطلب من حفرها، كما حدثنى يزيد بن أبى حبيب المصرى عن مرثد بن عبد الله اليزنى (4)، عن عبد الله بن ذرير (5) الفافقى أنه سمع
__________
(1) العجل.
وهو خطأ.
(2) نجواء.
وهو خطأ.
(3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة.
(4) المطبوعة: المزني، وهو تحريف: (5) المطبوعة: رزين، وهو تحريف.
(*)
على بن أبى طالب رضى الله عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها قال: قال عبد المطلب: إنى لنائم في الحجر إذ أتانى آت فقال لى: احفر طيبة.
قال: قلت وما طيبة ؟ قال: ثم ذهب عنى.
قال: فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة.
قال: قلت وما برة ؟ قال: ثم ذهب عنى.
فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة.
قال قلت: وما المضنونة ؟ قال ثم ذهب عنى.
فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم.
قال: قلت وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذم (1)، تسقى الحجيج الاعظم، وهى بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الاعصم، عند قرية النمل (2).
قال: فلما بين له (3) شأنها ودل على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطى (4) كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا:
يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها.
قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الامر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم.
قالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها.
قال: فاجعلوا بينى وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه.
قالوا: كاهنة بنى سعد بن هذيم (5) قال: نعم.
وكانت بأشراف الشام.
__________
(1) بئر ذمة وذميم وذميمة: قليلة الماء.
فهو من أذممت البئر، أي وجدتها ذمة، كما تقول: أجبنت الرجل إذا وجدته جبانا.
وفى المطبوعة: تزم، وهو تحريف.
(2) ذكر السهيلي عللا لهذه العلامات من أحوال زمزم.
(3) المطبوعة: لى، وهو خطأ.
(4) الطى: ما طوى به البئر من الحجارة.
وفى المطبوعة: الطمى وهو تحريف.
(5) الطبري: سعد هذيم.
وهو الصواب.
(*)
فركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفر.
فخرجوا والارض إذ ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبد المطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم فأبوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم.
فقال عبد المطلب: إنى أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه.
فقالوا: نعم ما أمرت به.
فحفر كل رجل لنفسه حفرة ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا.
ثم إن عبد المطلب قال لاصحابه: والله إن إلقاءنا (1) بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الارض ولا نبتغى لانفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا.
فأرتحلوا، حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستسقوا حتى ملاوا أسقيتهم
ثم دعا قبائل قريش وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الاحوال فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله.
فجاءوا فشربوا واستقوا كلهم، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذى سقاك هذا الماء بهذه الفلاوة هو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا.
فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم.
قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغني عن على بن أبى طالب في زمزم.
قال ابن إسحاق: وقد سمعت من يحدث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم:
__________
(1) ط خ: قال لاصحابه: ألقينا بأيدينا الخ.
وهو تحريف - وما أثبته عن ابن هشام.
(*)
ثم ادع باالماء الروى غير الكدر * يسقى حجيج الله في كل مبر (1) ليس يخاف منه شئ ما عمر قال: فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلموا أنى قد أمرت أن أحفر زمزم.
قالوا: فهل بين لك أين هي ؟ قال: لا.
قالوا: فارجع إلى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك.
فرجع ونام فأتى فقيل له: احفر زمزم، وإنك إن حفرتها لن تندم، وهى تراث من أبيك الاعظم، لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقى الحجيج الاعظم، مثل نعام جافل (2) لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم (3).
تكون ميراثا وعقدا محكم.
ليست كبعض (4) ما قد تعلم، وهى بين الفرث والدم.
قال ابن إسحاق: فزعموا أن عبد المطلب حين قيل له ذلك قال: وأين هي ؟ قيل له عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا.
فالله أعلم أي ذلك كان.
قال: فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره.
زاد الاموى: ومولاه أصرم.
فوجد قرية النمل، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين إساف ونائلن اللذين كانت قريش تنحر عندهما، فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش وقالت: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما.
فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عنى حتى أحفر، فو الله لامضين لما أمرت به.
فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطى فكبر
__________
(1) مبر: مفعل من البر، أي مناسك الحج ومواضع الطاعة.
(2) الجافل: من جفلت الغنم إذا انقلعت بجملتها.
ولم يقسم: لم يتوزع ولم يتفرق.
(3) المطبوعة: بمنعم.
وهو خطأ.
(4) المطبوعة: لبعض، وهو خطأ.
(*)
وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب اللذين كانت جرهم قد دفنتهما، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا.
فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق.
قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بينى وبينكم، نضرب عليها بالقداح.
قالوا: وكيف نصنع ؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولى قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شئ كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شئ له.
قالوا: أنصفت.
فجعل للكعبة قدحين أصفرين وله أسودين ولهم أبيضين، ثم أعطوا القداح للذى يضرب عند هبل - وهبل أكبر أصنامهم ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد: اعل هبل.
يعنى هذا الصنم - وقام عبد المطلب يدعو الله.
وذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن عبد المطلب جعل يقول: اللهم أنت الملك المحمود * ربى أنت المبدئ المعيد وممسك الراسية الجلمود * من عندك الطارف والتليد إن شئت ألهمت كما تريد * لموضع الحلية والحديد
فبين اليوم لما تريد * إنى نذرت العاهد المعهود اجعله رب لى فلا أعود قال وضرب صاحب القداح، فخرج الاصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الاسودان على الاسياف والادراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش.
فضرب عبد المطلب الاسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة (1) فيما يزعمون.
ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج وذكر ابن إسحاق وغيره أن مكة كان
__________
(1) المطبوعة: حلية للكعبة، وهو تحريف.
(*)
فيها بئار كثيرة قبل ظهور زمزم في زمن عبد المطلب، ثم عددها ابن إسحاق وسماها وذكر أماكنها من مكة وحافريها، إلى أن قال: فعفت زمزم على البئار كلها وانصرف الناس كلهم إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولانها بئر إسماعيل بن إبراهيم، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب.
وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث إسلام أبى ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زمزم: " إنها لطعام طعم.
وشفاء سقم ".
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن عبد الله بن المؤمل، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ماء زمزم لما شرب منه ".
وقد رواه ابن ماجة من حديث عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا فيه ولفظه: " ماء زمزم لما شرب له ".
ورواه سويد بن سعيد، عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن أبى الموالى، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: " ماء زمزم لما شرب له " ولكن سويد بن سعيد ضعيف.
والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم.
وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا " ماء زمزم لما شرب له " وفيه نظر.
والله أعلم.
وهكذا روى ابن ماجه أيضا والحاكم عن ابن عباس أنه قال لرجل: إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثا وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من ماء زمزم ".
وقد ذكر عن عبد المطلب أنه قال: اللهم إنى لا أحلها لمغتسل، وهى لشارب حل وبل.
وقد ذكره بعض الفقهاء عن العباس بن عبد المطلب، والصحيح أنه عن عبد المطلب نفسه، فإنه هو الذى جدد حفر زمزم كما قدمنا والله أعلم.
وقد قال الاموى في مغازيه: حدثنا أبو عبيد، أخبرني يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن حرملة، سمعت سعيد بن المسيب يحدث أن عبد المطلب بن هاشم حين احتفر زمزم.
قال: لا أحلها لمغتسل وهى لشارب حل وبل.
وذلك أنه جعل لها حوضتين حوضا للشرب، وحوضا للوضوء.
فعند ذلك قال: لا أحلها لمغتسل، لينزه المسجد عن أن يغتسل فيه.
قال أبو عبيد: قال الاصمعي: قوله " وبل " إتباع.
قال أبو عبيد: والاتباع لا بكون بواو العطف، وإنما هو كما قال معتمر بن سليمان أن " بل " بلغة حمير: مباح.
ثم قال أبو عبيد: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبى النجود، أنه سمع زرا أنه سمع العباس يقول: لا أحلها لمغتسل، وهى لشارب حل وبل.
وحدثنا عبد الرحمن ابن مهدى، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن علقمة، أنه سمع ابن عباس يقول ذلك.
وهذا صحيح إليهما، وكأنهما يقولان ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ والاعلام بما اشترطه
عبد المطلب عند حفره لها، فلا ينافى ما تقدم.
والله أعلم.
وقد كانت السقاية إلى عبد المطلب أيام حياته، ثم صارت إلى ابنه أبى طالب مدة، ثم اتفق أنه أملق في بعض السنين فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف إلى الموسم الآخر، وصرفها أبو طالب في الحجيج في عامه فيما يتعلق بالسقاية، فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبى طالب شئ، فقال لاخيه العباس: أسلفني أربعة عشر ألفا أيضا إلى العام المقبل أعطيك جميع مالك، فقال له العباس: بشرط إن لم تعطنى تترك السقاية لى أكفكها.
فقال: نعم.
فلما جاء العالم الآخر لم يكن مع أبى طالب ما يعطى العباس، فترك له السقاية فصارت إليه، ثم بعده صارت إلى عبد الله ولده ثم إلى على بن عبد الله بن عباس، ثم إلى داود بن على، ثم إلى سليمان بن على، ثم إلى عيسى بن على، ثم أخذها المنصور واستناب عليها مولاه أبا رزين.
ذكره الاموى.
ذكر نذر عبد المطلب ذبح أحد ولده قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب، فيما يزعمون، نذر حين لقى من قريش ما لقى عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم لله عند الكعبة.
فلما تكامل بنوه عشرة.
وعرف أنهم سيمنعونه، وهم: الحارث، والزبير، وحجل، وضرار، والمقوم، وأبو لهب، والعباس، وحمزة، وأبو طالب، وعبد الله، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله عزوجل بذلك.
فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع ؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتونى.
ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التى يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة، وهى الازلام التى يتحاكمون
إليها إذا أعضل عليهم أمر من عقل أو نسب أو أمر من الامور، جاءوه فاستقسموا بها فما أمرتهم به أو نهتهم عنه امتثلوه.
والمقصود أن عبد المطلب لما جاء يستقسم بالقداح عند هبل خرج القدح على ابنه عبد الله وكان أصغر ولده وأحبهم إليه، فأخذ عبد المطلب بيد ابنه عبد الله وأخذ الشفرة ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا: ما تريد
يا عبد المطلب ؟ قال أذبحه، فقالت له: قريش وبنوه إخوة عبد الله: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يجئ بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا ؟ ! وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن العباس هو الذى اجتذب عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال إنه شج وجهه شجا لم يزل في وجهه إلى أن مات.
ثم أشارت قريش على عبد المطلب أن يذهب إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع، فيسألها عن ذلك، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه فاذبحه، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته.
فانطلقوا حتى أتوا المدينة فوجدوا العرافة وهى سجاح، فيما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق، بخيبر، فركبوا حتى جاءوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، فقالت لهم: ارجعوا عنى اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله.
فرجعوا من عندها، فلما خرجوا قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها فقالت لهم قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم ؟ قالوا: عشر من الابل.
وكانت كذلك.
قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الابل.
ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الابل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت
على الابل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا على ذلك الامر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الابل، ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا فلم يزالوا يزيدون عشرا ويخرج القدح على عبد الله حتى بلغت الابل مائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الابل،
فقالت عند ذلك قريش لعبد المطلب، وهو قائم عند هبل يدعو الله: قد انتهى رضى ربك يا عبد المطلب.
فعندها زعموا أنه قال: لا حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات.
فضربوا ثلاثا ويقع القدح فيها على الابل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع.
قال ابن هشام ويقال: ولا سبع.
وقد روى أنه لما بلغت الابل مائة خرج القدح على عبد الله أيضا، فزادوا مائة أخرى حتى بلغت مائتين، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا مائة أخرى فصارت الابل ثلاثمائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الابل فنحرها عند ذلك عبد المطلب.
والصحيح الاول.
والله أعلم.
وقد روى ابن جرير عن يونس بن عبد الاعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، أن ابن عباس سألته امرأة أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة، فأمرها بذبح مائة من الابل وذكر لها هذه القصة عن عبد المطلب.
وسألت عبد الله بن عمر فلم يفتها بشئ بل توقف.
فبلغ ذلك مروان بن الحكم، وهو أمير على المدينة، فقال: إنهما لم يصيبا الفتيا.
ثم أمر المرأة أن تعمل ما استطاعت من خير، ونهاها عن ذبح ولدها ولم يأمرها بذبح الابل، وأخذ الناس بقول مروان بذلك.
والله أعلم.
ذكر تزويج عبد المطلب ابنه عبد الله
من آمنة بنت وهب الزهرية قال ابن إسحاق: ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله، فمر به، فيما يزعمون، على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى، وهى أم قتال أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى وهى عند الكعبة، فنظرت إلى وجهه فقالت: أين تذهب
يا عبد الله ؟ قال: مع أبى.
قالت: لك مثل الابل التى نحرت عنك وقع على الآن.
قال: أنا مع أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.
فخرج به عبد المطلب حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، وهو يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهى يومئذ سيدة نساء قومها.
فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه، فوقع عليها، فحملت منه برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين على اليوم ما كنت عرضت بالامس ؟ قالت له: فارقك النور الذى كان معك بالامس فليس لى بك حاجة (1) وكانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب، أنه كائن في هذه الامة نبى، فطمعت أن يكون منها، فجعله الله تعالى في أشرف عنصر وأكرم محتد وأطيب أصل، كما قال تعالى " الله أعلم حيث يجعل رسالته " وسنذكر المولد مفصلا.
ومما قالت أم قتال بنت نوفل من الشعر، تتأسف على ما فاتها من الامر الذى رامته، وذلك فيما رواه البيهقى من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق رحمه الله: عليك بآل زهرة حيث كانوا * وآمنة التى حملت غلاما ترى المهدى حين نزا عليها * ونورا قد تقدمه أماما
__________
(1) الواضح من الرواية أنها طلبت من عبد الله الفاحشة فأبى، وفى اليوم التالى عرض هو عليها فأبت،
وعللت إباءها بأن النور الذى كان في وجهه قد زال، وفى هذا اتهام لعبدالله، وفلسفة للفاحشة بأنها كانت رغبة في النور..! وليس نور النبوة إفراز عضو ولا إشراقة وجه، والرواية ظاهرة الاختلاق، وهى ذم في صورة مدح ! هذا وقد جاء بعد أنها طلبت منه الزواج.
(*)
[ إلى أن قالت ]: فكل الخلق يرجوه جميعا * يسود الناس مهتديا إماما براه الله من نور صفاه * فأذهب نوره عنا الظلاما وذلك صنع ربك إذ حباه * إذا ما سار يوما أو أقاما فيهدى أهل مكة بعد كفر * ويفرض بعد ذلكم الصبياما (1) وقال أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي: حدثنا على بن حرب، حدثنا محمد ابن عمارة القرشى، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس قال: لما انطلق عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من أهل تبالة متهودة قد قرأت الكتب، يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت يا فتى هل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الابل ؟ فقال عبد الله: أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه فكيف بالامر الذى تبغينه ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثا.
ثم إن نفسه دعته إلى ما دعته إليه الكاهنة فأتاها فقالت: ما صنعت بعدى ؟ فأخبرها.
فقالت: والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في، وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد.
ثم أنشأت فاطمة تقول: إنى رأيت مخيلة لمعت * فتلالات بحناتم (2) القطر
__________
(1) هذا أيضا ظاهر الاختلاق، وعليه ركاكة الصنع وتفاهة الوضع، ولا أدرى لم خص الصيام من بين شعائر الاسلام ! !.
(2) الحناتم: السحائب السود.
(*)
فلمأتها (1) نورا يضئ له * ما حوله كإضاءة البدر ورجوتها فخرا أبوء به * ما كل قادح زنده يورى لله ما زهرية سلبت * ثوبيك ما استلبت وما تدرى وقالت فاطمة أيضا: بنى هاشم قد غادرت من أخيكم * أمينة إذ للباه يعتركان كما غادر المصباح عند خموده * فتائل قد ميثت (2) له بدهان وما كل ما يحوى الفتى من تلاده * بحزم ولا ما فاته لتواني فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * سيكفيكه جدان يعتلجان سيكفيكه إما يد مقفعلة (3) * وإما يد مبسوطة ببنان ولما حوت منه أمينة ما حوت * حوت منه فخرا ما لذلك ثان وروى الامام أبو نعيم الحافظ في كتاب " دلائل النبوة " من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن جعفر، عن ابن عون، عن المسور بن مخرمة، عن ابن عباس قال: إن عبد الملب قدم اليمن في رحلة الشتاء، فنزل على حبر من اليهود.
قال: فقال لى رجل من أهل الديور - يعنى أهل الكتاب -: يا عبد المطلب أتأذن لى أن أنظر إلى بعضك ؟ قال: نعم إذا لم يكن عورة.
قال: ففتح إحدى منخرى فنظر فيه ثم نظر في الآخر، فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكا وفى الاخرى نبوة، وإنا نجد ذلك في بنى زهرة فكيف ذلك ؟ قلت: لا أدرى.
قال:
__________
(1) رواية أبى نعيم: فلما بها نور.
وتروى: فلمائها نور.
ومعنى لمأتها: لمحتها (2) ميثت: خلطت.
ورواية أبى نعيم: مئنت بدهان.
(3) مقفعلة: متشنجة متقبضة (*)
هل لك من شاعة ؟ قلت وما الشاعة ؟ قال: زوجة.
قلت: أما اليوم فلا.
قال: فإذا رجعت فتزوج فيهم.
فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت حمزة وصفية، ثم تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب فولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش حين تزوج عبد الله بآمنة: فلج، أي فاز وغلب، عبد الله على أبيه عبد المطلب.
كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه وشمائله وفضائله ودلائله الدالة عليه
باب ذكر نسبه الشريف وطيب أصله المنيف قال الله تعالى: " الله أعلم حيث يجعل رسالته ".
ولما سأل هرقل ملك الروم لابي سفيان تلك الاسئلة عن صفاته عليه الصلاة والسلام، قال: كيف نسبه فيكم ؟ قال: هو فينا ذو نسب.
قال: كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها.
يعنى في أكرمها أحسابا وأكثرها قبيلة.
صلوات الله عليهم أجمعين.
فهو سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة.
أبو القاسم، وأبو إبراهيم، محمد، وأحمد، والماحي الذى يمحى به الكفر، والعاقب الذى ما بعده نبى، والحاشر الذى يحشر الناس على قدميه (1)، والمقفى، ونبى الرحمة، ونبى التوبة، ونبى الملحمة، وخاتم
النبيين، والفاتح، وطه، ويس، وعبد الله.
قال البيهقى: وزاد بعض العلماء فقال: سماه الله في القرآن رسولا، نبيا، أميا (2)، شاهدا، مبشرا، نذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
ورؤوفا رحيما، ومذكرا، وجعله رحمة ونعمة وهاديا.
وسنورد الاحاديث المروية في أسمائه عليه الصلاة والسلام في باب نعقده بعد فراغ السيرة، فإنه قد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، اعتنى بجمعها الحافظان الكبيران أبو بكر البيهقى، وأبو القاسم بن عساكر، وأفرد الناس في ذلك
__________
(1) يحشر الناس على قدميه: على أثره.
أو على عهده وزمانه.
(2) ط: أمينا وهو خطأ.
(*)
مؤلفات، حتى رام بعضهم أن يجمع له عليه الصلاة والسلام ألف اسم، وأما الفقيه الكبير أبو بكر بن العربي المالكى شازح الترمذي بكتابه الذى سماه " عارضة الاحوذي " فإنه ذكر من ذلك أربعة وستين اسما والله أعلم.
وهو ابن عبد الله، وكان أصغر ولد أبيه عبد المطلب، وهو الذبيح الثاني المفدى بمائة من الابل كما تقدم.
قال الزهري: وكان أجمل رجال قريش، وهو أخو الحارث، والزبير، وحمزة، وضرار وأبى طالب، واسمه عبد ماف، وأبى لهب، واسمه عبد العزى، والمقوم، واسمه عبد الكعبة، وقيل هما اثنان، حجل واسمه المغيرة، والغيداق وهو كثير الجود، واسمه ؟ وفل، ويقال إنه حجل.
فهؤلاء أعمامه عليه الصلاة والسلام.
وعماته ست، وهن: أروى، وبرة، وأميمة، وصفية، وعاتكة، وأم حكيم - وهى البيضاء - وسنتكلم على كل منهم فيما بعد إن شاء الله تعالى.
كلهم أولاد عبد المطلب، واسمه شيبة، يقال: لشيبة كانت في رأسه، ويقال له شيبة الحمد لجوده، وإنما قيل له عبد المطلب لان أباه هاشما لما مر بالمدينة في تجارته إلى الشام
نزل على عمرو بن زيد بن لبيد بن حرام بن خداش بن خندف بن عدى بن النجار الخزرجي النجارى، وكان سيد قومه، فأعجبته ابنته سلمى فخطبها إلى أبيها، فزوجها منه واشترط عليه مقامها عنده، وقيل: بل اشترط عليه أن لا تلد إلا عنده بالمدينة.
فلما رجع من الشام بنى بها وأخذها معه إلى مكة، فلما خرج في تجارة أخذها معه وهى حبلى، فتركها بالمدينة ودخل الشام فمات بغزة، ووضعت سلمى ولدها فسمته شيبة، فأقام عند أخواله بنى عدى بن النجار سبع سنين.
ثم جاء عمه المطلب بن عبد مناف فأخذه خفية من أمه فذهب به إلى مكة، فلما رآه
الناس ورأوه على الراحلة قالوا: من هذا معك ؟ فقال: عبدى.
ثم جاءوا فهنئوه به وجعلوا يقولون له عبد المطلب لذلك.
فغلب عليه.
وساد في قريش سيادة عظيمة وذهب بشرفهم ورئاستهم، فكان جماع أمرهم عليه، وكانت إليه السقاية والرفادة بعد المطلب، وهو الذى جدد حفر زمزم بعد ما كانت مطمومة من عهد جرهم، وهو أول من طلى الكعبة بذهب في أبوابها من تينك الغزالتين من ذهب اللتين وجدهما في زمزم مع تلك الاسياف القلعية.
قال ابن هشام (1): وعبد المطلب أخو أسد ونضلة (2) وأبى صيفي وحية وخالدة ورقية والشفاء وضعيفة.
كلهم أولاد هاشم، واسمه عمرو، وإنما سمى هاشما لهشمه الثريد مع اللحم لقومه في سنى المحل، كما قال مطرود بن كعب الخزاعى في قصيدته، وقيل للزبعرى والد عبد الله: عمرو الذى (3) هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما * سفر الشتاء ورحلة الاصياف وذلك لانه أول من سن رحلتي الشتاء والصيف وكان أكبر ولد أبيه.
وحكى ابن جرير أنه كان توأم أخيه عبد شمس، وأن هاشما خرج ورجله ملتصقة برأس عبد شمس،
فما تخلصت حتى سال بينهما دم، فقال الناس: بذلك يكون بين أولادهما حروب، فكانت وقعة بنى العباس مع بنى أمية بن عبد شمس سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة.
__________
(1) ابن هشام: " فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر، وخمس نسوة..." ثم ذكرهم.
وهذه طريقة ابن كثير في النقل بالمعنى.
(2) المطبوعة: وفضلة.
وهو تحريف.
(3) ويروى: عمرو العلى.
(*)
وشقيقهم الثالث المطلب، وكان المطلب أصغر ولد أبيه، وأمهم عاتكة بنت مرة ابن هلال.
ورابعهم نوفل من أم أخرى، وهى واقدة بنت عمرو المازنية، وكانوا قد سادوا قومهم بعد أبيهم وصارت إليهم الرياسة، وكان يقال لهم المجيرون.
وذلك لانهم أخذوا لقومهم قريش الامان من ملوك الاقاليم ليدخلوا في التجارات إلى بلادهم، فكان هاشم قد أخذ أمانا من ملوك الشام والروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس من النجاشي الاكبر ملك الحبشة، وأخذ لهم نوفل من الاكاسرة، وأخذ لهم المطلب أمانا من ملوك حمير.
ولهم يقول الشاعر: يا أيها الرجل المحول رحله * إلا نزلت بآل عبد مناف وكان إلى هاشم السقاية والرفادة بعد أبيه، وإليه وإلى أخيه المطالب نسب ذوى القربى، وقد كانوا شيئا واحدا في حالتى الجاهلية والاسلام لم يفترقوا، ودخلوا معهم في الشعب، وانخذل عنهم بنو عبد شمس ونوفل.
ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل ولا يعرف بنو أب تباينوا في الوفاة مثلهم، فإن هاشما مات بغزة من أرض الشام،
وعبد شمس مات بمكة، ونوفل مات بسلمان (1) من أرض العراق، ومات المطلب، وكان يقال له القمر لحسنه، بردمان (2) من طريق اليمن.
فهؤلاء الاخوة الاربعة المشاهير وهم هاشم، وعبد شمس، ونوفل، والمطلب.
ولهم أخ خامس ليس بمشهور وهو أبو عمرو واسمه عبد، وأصل اسمه عبد قصى.
فقال الناس عبد بن قصى، درج ولا عقب له.
قاله الزبير بن بكار وغيره.
__________
(2) خ ط: بريمان.
وهو خطأ.
وما أثبته عن ابن هشام (1) خ ط: بسلامان.
وهو خطأ.
وما أثبته عن ابن هشام (*)
وأخوات ست وهن، تماضر، وحية، وريطة، وقلابة، وأم الاخثم وأم سفيان.
كل هؤلاء أولاد عبد مناف، ومناف اسم صنم، وأصل اسم عبد مناف المغيرة.
وكان قد رأس في زمن والده، وذهب به الشرف كل مذهب.
وهو أخو عبد الدار الذى كان أكبر ولد أبيه وإليه أوصى بالمناصب كما تقدم.
عبد العزى وعبد وبرة وتخمر، وأمهم كلهم حبى بنت حليل بن حبشية (1) بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى، وأبوها آخر ملوك خزاعة وولاة البيت منهم.
وكلهم أولاد قصى واسمه زيد، وإنما سمى بذلك لان أمه تزوجت بعد أبيه بربيعة بن حرام بن عذرة فسافر بها إلى بلاده وابنها صغير فسمى قصيا لذلك.
ثم عاد إلى مكة وهو كبير ولم شعث قريش وجمعها من متفرقات البلاد، وأزاح يد خزاعة عن البيت، وأجلاهم عن مكة ورجع الحق إلى نصابه، وصار رئيس قريش على الاطلاق، وكانت إليه الرفادة (2) والسقاية، وهو سنها، والسدانة والحجابة واللواء، وداره دار الندوة كما تقدم بسط ذلك كله.
ولهذا قال الشاعر: قصى لعمري كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر
وهو أخو زهرة، كلاهما ابن كلاب أخى تيم، ويقظة أبى مخزوم.
ثلاثتهم أبناء مرة أخى عدى وهصيص.
وهم أبناء كعب، وهو الذى كان يخطب قومه كل جمعة ويبشرهم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد في ذلك أشعارا كما قدمنا.
وهو أخو عامر وسامة وخزيمة وسعد والحارث وعوف، سبعتهم أبناء لؤى أخى تيم الادرم.
وهما أبناء غالب أخى الحارث
__________
(1) المطبوعة: حبشي، وهو خطأ.
(2) ط: الوفادة.
وهو خطأ.
(*)
ومحارب.
ثلاثتهم أبناء فهر، وهو أخو الحارث، وكلاهما ابن مالك.
وهو أخو الصلت ويخلد، وهم بنو النضر الذى إليه جماع قريش على الصحيح كما قدمنا الدليل عليه، وهو أخو مالك وملكان وعبد مناة وغيرهم، كلهم أولاد كنانة أخى أسد وأسدة والهون، أولاد خزيمة، وهو أخو هذيل.
وهما ابنا مدركة، واسمه عمرو، أخو طابخة واسمه عامر، وقمعة، ثلاثتهم أبناء الياس، وأخو الياس هو عيلان والد قيس كلها، وهما ولدا مضر أخى ربيعة.
ويقال لهما الصريحان من ولد إسماعيل، وأخواهما أنمار وإياد تيامنا، أربعتهم أبناء نزار أخى قضاعة، في قول طائفة ممن ذهب إلى أن قضاعة حجازية عدنانية، وقد تقدم بيانه.
كلاهما أبناء معد بن عدنان.
وهذا النسب بهذه الصفة لا خلاف فيه بين العلماء، فجميع قبائل عرب الحجاز ينتهون إلى هذا النسب، ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ": لم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نسب يتصل بهم.
وصدق ابن عباس رضى الله عنه فيما قال وأزيد مما قال.
وذلك أن جميع قبائل العرب العدنانية تنتهى إليه بالآباء وكثير منهم بالامهات أيضا، كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره في أمهاته وأمهات آبائه وأمهاتهم ما يطول ذكره.
وقد حرره ابن إسحاق رحمه الله والحافظ ابن عساكر.
وقد ذكرنا في ترجمة عدنان نسبه وما قيل فيه، وأنه من ولد إسماعيل لا محالة، وإن اختلف في كم أب بينهما ؟ على أقوال قد بسطناها فيما تقدم.
والله أعلم.
وقد ذكرنا بقية النسب من عدنان إلى آدم، وأوردنا قصيدة أبى العباس الناشئ المتضمنة ذلك، كل ذلك في أخبار عرب الحجاز ولله الحمد.
__________
(1) خ ط: كم بينهما أبا.
وهو لا يستقيم عربية.
(*)
وقد تكلم الامام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في أول تاريخه على ذلك كلاما مبسوطا جيدا محررا نافعا (1).
وقد ورد حديث في انتسابه عليه السلام إلى عدنان وهو على المنبر، ولكن الله أعلم بصحته، كما قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ، ببغداد، حدثنا أبو عيسى بكار بن أحمد بن بكار، حدثنا أبو جعفر أحمد ابن موسى بن سعد، إملاء سنة ست وتسعين ومائتين، حدثنا أبو جعفر محمد بن أبان القلانسى، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامى، حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس، وعن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجالا من كندة يزعمون أنهم منه وأنه منهم فقال " إنما كان يقول ذلك العباس وأبو سفيان بن حرب فيأمنا بذلك، وإنا لن ننتفى من آبائنا، نحن بنو النضر ابن كنانة ".
قال: وخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوى فلم يصبنى شئ من عهر
الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبى وأمى، فأنا خيركم نفسا، وخيركم أبا ".
وهذا حديث غريب جدا من حديث مالك.
تفرد به القدامى وهو ضعيف.
ولكن سنذكر له شواهد من وجوه أخر.
__________
(1) وذلك في الجزء الثاني.
(*)
فمن ذلك قوله " خرجت من نكاح لا من سفاح " قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أبى جعفر الباقر في قوله تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " قال: لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنى خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ".
وهذا مرسل جيد.
وهكذا رواه البيهقى عن الحاكم عن الاصم، عن محمد بن إسحاق الصنعانى، عن يحيى بن أبى بكير، عن عبد الغفار بن القاسم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أخرجنى من النكاح ولم يخرجني من السفاح ".
وقد رواه ابن عدى موصولا فقال: حدثنا أحمد بن حفص، حدثنا محمد بن أبى عمرو العدنى المكى، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين، قال أشهد على أبى حدثنى عن أبيه، عن جده، عن على بن أبى طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدنى أبى وأمى، ولم يصبنى من سفاح الجاهلية شئ ".
هذا غريب من هذا الوجه ولا يكاد يصح.
وقال هشيم: حدثنا المدينى، عن أبى الحويرث، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ولدنى من نكاح أهل الجاهلية شئ، ما ولدنى إلا نكاح كنكاح الاسلام ".
وهذا أيضا غريب أورده الحافظ ابن عساكر، ثم أسنده من حديث أبى هريرة، في إسناده ضعف والله أعلم.
وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثنى محمد بن عبد الله بن مسلم، عن عمه الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولدت من نكاح غير سفاح ".
ثم أورد ابن عساكر من حديث أبى عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: " وتقلبك في الساجدين " قال: من نبى إلى نبى حتى أخرجت نبيا ".
ورواه عن عطاء.
وقال محمد بن سعد: أخبرنا هشام بن محمد الكلبى، عن أبيه، قال: كتبت للنبى صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية.
وثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن أبى عمرو عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذى كنت فيه ".
وفى صحيح مسلم من حديث الاوزاعي عن شداد أبى عمار، عن واثلة بن الاسقع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بنى إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم ".
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبى وداعة قال: قال العباس: بلغه صلى الله عليه وسلم وبعض ما يقول الناس قال: " فصعد المنبر فقال: من أنا ؟ " قالوا: أنت رسول الله قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير
خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا " (1) صلوات الله وسلامه عليه دائما أبدا إلى يوم الدين.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت يا رسول الله إن قريشا إذا التقوا لقى بعضهم بعضا بالبشاشة، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها.
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك غضبا شديدا ثم قال: " والذى نفس محمد بيده لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ولرسوله ".
فقلت: يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة (2) من الارض.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم، ثم لما فرقهم [ قبائل ] جعلني في خيرهم قبيلة، ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا ".
ورواه أبو بكر بن أبى شيبة، عن ابن فضيل، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ربيعة بن الحارث قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحو ما تقدم ولم يذكر العباس.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنى يحيى بن عبد الحميد، حدثنى قيس بن عبد الله،
عن الاعمش، عن عليلة بن ربعى، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما.
قسما، فذلك قوله: " وأصحاب
__________
(1) مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر حديث رقم 1788 (2) رواها ابن الجوزى.
في كبا.
وروى عن شمر أنه لم يسمع كبوة.
(*)
اليمين " " وأصحاب الشمال "، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني خيرها ثلثا، فذلك قوله " وأصحاب الميمنة " " والسابقون السابقون " فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين.
ثم جعل الا ثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، فذلك قوله: " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر.
ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا، وذلك قوله: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (1) " فأنا وأهل بيتى مطهرون من الذنوب ".
وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة.
وروى الحاكم والبيهقي من حديث محمد بن ذكوان، خال ولد حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر قال: إنا لقعود بفناء النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت به امرأة، فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو سفيان: مثل محمد في بنى هاشم مثل الريحانة في وسط النتن.
فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب.
فقال " ما بال أقوال تبلغني عن أقوام ؟ ! إن الله خلق السماوات سبعا فاختار العلياء منها فأسكنها من شاء
من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بنى آدم، واختار من بنى آدم العرب،
__________
(1) سورة الاحزاب 33.
(*)

يتبع بج 1  /3   ان شاء الله

 
روابط عرض كتاب السيرة النبوية لابن كثير
ترجمة ابن كثير الحافظ
1.السيرة النبوية لابن كثير ج1 /1.
2.السيرة النبوية لابن كثير ج1 /2.
3.ج1/ 3 السيرة النبوية لابن كثير الحافظ.
4.السيرة النبوية لابن كثير ج1//4
5.السيرة النبوية لاب كثير ج2//1..
6.السيرة النبوية لاب كثير ج2//2..
7.السيرة النبوية لابن كثير ج2//3.
8.السيرة النبوية لابن كثير ج2//4.
9.السيرة النبوية لابن كثير ج3 /1 .
10.السيرة النبوية لابن كثير ج3 /2 .
11.السيرة النبوية لابن كثير ج3 /3 .
12.السيرة النبوية لابن كثير ج3 /4 .
13..السيرة النبوية لابن كثير ج4 ا ج4//1.
14.السيرة النبوية لابن كثير ج4 ا ج4//2.
15.السيرة النبوية لابن كثير 4//3.ذكر خروجه عليه ال...
ص16.بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم...
ص17.بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم...
ص18.بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم...
ص19.السيرة النبوية لابن كثير الجزء السادس -ج6//1
ص20. ج6//2 السيرة النبوية لابن كثير
ص21.ج6//3 السيرة النبوية لابن كثير
ص22.ج6//4 السيرة النبوية لابن هشام الحافظ
الروابط الي الجزء 6
ص23.السيرة النبوية لابن كثير الجزء 7 بتصنيف الشاملة...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق