المصاحف

جواهر القران لأبي حامد الغزالي

 كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي


 مصاحف روابط 9 مصاحف
// ////

المصحف مسموعا للشيخ خليل الحصري

سورة الفاتحة /سورة البقرة /سورة آل عمران /سورة النساء /سورة المائدة /سورة الأنعام /سورة الأعراف /سورة الأنفال /سورة التوبة /سورة يونس /سورة هود /سورة يوسف /سورة الرعد /سورة إبراهيم /سورة الحجر /سورة النحل /سورة الإسراء /سورة الكهف /سورة مريم /سورة طه /سورة الأنبياء /سورة الحج /سورة المؤمنون /سورة النّور /سورة الفرقان /سورة الشعراء /سورة النّمل /سورة القصص /سورة العنكبوت /سورة الرّوم /سورة لقمان /سورة السجدة /سورة الأحزاب /سورة سبأ /سورة فاطر /سورة يس /سورة الصافات /سورة ص /سورة الزمر /سورة غافر /سورة فصّلت /سورة الشورى /سورة الزخرف /سورة الدّخان /سورة الجاثية /سورة الأحقاف /سورة محمد /سورة الفتح /سورة الحجرات /سورة ق /سورة الذاريات /سورة الطور /سورة النجم /سورة القمر /سورة الرحمن /سورة الواقعة /سورة الحديد /سورة المجادلة /سورة الحشر /سورة الممتحنة /سورة الصف /سورة الجمعة /سورة المنافقون /سورة التغابن /سورة الطلاق /سورة التحريم /سورة الملك /سورة القلم /سورة الحاقة /سورة المعارج /سورة نوح /سورة الجن /سورة المزّمّل /سورة المدّثر /سورة القيامة /سورة الإنسان /سورة المرسلات /سورة النبأ /سورة النازعات /سورة عبس /سورة التكوير /سورة الإنفطار /سورة المطفّفين /سورة الإنشقاق /سورة البروج /سورة الطارق /سورة الأعلى /سورة الغاشية /سورة الفجر /سورة البلد /سورة الشمس /سورة الليل /سورة الضحى /سورة الشرح /سورة التين /سورة العلق /سورة القدر /سورة البينة /سورة الزلزلة /سورة العاديات /سورة القارعة /سورة التكاثر /سورة العصر /سورة الهمزة /سورة الفيل /سورة قريش /سورة الماعون /سورة الكوثر /سورة الكافرون /سورة النصر /سورة المسد /سورة الإخلاص /سورة الفلق /سورة النّاس

كل مدونات لاشير لاشيرك

الجمعة، 15 يونيو 2018

ص 17 بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم الشاملة الجزء الخامس ج5//2.

الحالي هو/ ص 17 بالمدونة كتاب السيرة النبوية لابن كثير بترقيم الشاملة الجزء الخامس ج5//2. 
ج5/2 السيرة النبوية لابن كثير
قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر من الانصار وغيرهم.
فمن بنى عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبدالرحمن بن كعب أخو بنى مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بنى سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقولون: بل هو عبدالله بن عمرو المزني وهرمى (1) بن عبدالله أخو بنى واقف، وعرباض بن سارية الفزارى.
قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضرى لقى أبا ليلى وعبد الله ابن مغفل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما ؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه.
فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وأما علبة بن زيد فحرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملنى عليه، وإنى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض.
ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين المتصدق هذه الليلة ؟ " فلم يقم أحد، ثم قال: " أين المتصدق فليقم " فقام إليه فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبشر فو الذى نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة ! ".
* * *
وقد أورد الحافظ البيهقى هاهنا حديث أبى موسى الاشعري فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبدالحميد المازنى، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبى بردة، عن أبى موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله
__________
(1) في شرح المواهب 3 / 67: وحرمى.
بفتح المهملة.
(*)
صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة [ وهو في (1) ] غزوة تبوك، فقلت: يا نبى الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم.
فقال: " والله لا أحملكم على شئ " ووافقته وهو غضبان ولا أشعر.
فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه على، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادى: أين عبدالله بن قيس ؟ فأجبته فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك.
فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خذ هذين القرينين (2) وهذين القرينين وهذين القرينين " لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال: " انطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء ".
فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معى بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم ومنعه لى في أول مرة ثم إعطائه إياى بعد ذلك، لا تظنوا أنى حدثتكم شيئا لم يقله.
فقالوا لى: والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت.
قال: فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم ثم إعطائه بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء.
وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبى كريب، عن أبى أسامة.
وفى رواية لهما عن أبى موسى قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الاشعريين ليحملنا فقال: " والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ".
قال: ثم جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل، فأمر لنا بست ذود عر الذرى (3) فأخذناها ثم قلنا: تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا.
__________
(1) سقطت من المطبوعة.
(2) القرينان: البعيران المشدود أحدهما إلى الآخر.
أو النظيران المتساويان.
وفى ا: القرنين.
(3) عر الذرى: صغيرة السنام.
(*)
فرجعنا فقلنا له فقال: " ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم " ثم قال: " إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها ".
* * * قال ابن إسحاق: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة (1) حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب.
منهم كعب بن مالك بن أبى كعب أخو بنى سلمة، ومرارة بن ربيع أخو بنى عمرو ابن عوف، وهلال بن أمية أخو بنى واقف، وأبو خيثمة أخو بنى سالم بن عوف، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم.
قلت: أما الثلاثة الاول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى، وهم الذين أنزل الله فيهم: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ".
وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي.
فصل قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير، فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس، وضرب عبدالله بن أبى عدو الله عسكره أسفل منه - وما
__________
(1) ابن هشام: النية.
(*)
كان فيما يزعمون بأقل العسكرين.
فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبدالله بن أبى في طائفة من المنافقين وأهل الريب.
قال ابن هشام: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري قال: وذكر الدراوردى أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة.
قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه.
فلما قالوا ذلك أخذ على سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فأخبره بما قالوا، فقال: " كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلى وأهلك.
أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى ".
فرجع على ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره.
ثم قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه سعد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلى هذه المقالة.
وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه به.
وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله اتخلفنى في النساء والصبيان ؟ فقال: " أما ترضى أن تكون
منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبى بعدى ".
وأخرجاه من طرق عن شعبة نحوه.
وعلقه البخاري أيضا من طريق أبى داود عن شعبة.
وقال الامام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل ؟، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - وخلفه في بعض مغازيه فقال على: يا رسول الله تخلفنى مع النساء والصبيان ؟ فقال: " يا على أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى ".
ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة.
زاد مسلم ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
* * * قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء وهيأت له فيه طعاما.
فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصح (1) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ! ما هذا بالنصف.
والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق
برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا.
ففعلتا.
ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك.
وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى في الطريق يطلب رسول الله صلى الله
__________
(1) الضح: الشمس.
(*)
عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لى ذنبا، فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ففعل.
حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن أبا خيثمة " فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خثيمة.
فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: " أولى لك يا أبا خيثمة ! " ثم أخبر رسول الله الخبر فقال خيرا ودعا له بخير.
وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبى خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط، وذكر أن خروجه عليه السلام إلى تبوك كان في زمن الخريف فالله أعلم.
قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة، واسمه مالك بن قيس في ذلك: لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التى كانت أعف وأكرما وبايعت باليمنى يدى لمحمد * فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما (1) وكنت إذا شك المنافق أسمحت * إلى الدين نفسي شطره حيث يمما * * * وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن بريدة، عن سفيان (2)، عن
محمد بن كعب القرظى، عن عبدالله بن مسعود قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان.
__________
(1) الخضيب: المرأة المخضوبة.
والصرمة: القطعة من الابل، وهو يريد هنا: الطائفة من النخل.
والصفايا: الكثيرة الثمر.
وتحمم: أخذ في الارطاب فتلون بالسواد.
(2) ا: بريدة بن سفيان.
(*)
فيقول: " دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ".
حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره.
فقال: " دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ".
فتلوم (1) أبو ذر بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله في بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن أبا ذر " فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أبا ذر ! يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده ".
قال فضرب [ الدهر (2) ] ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل، ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر.
فلما مات فعلوا به كذلك، فاطلع ركب فما علموا به حتى كانت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال: ما هذا ؟ فقيل: جنازة أبى ذر فاستهل ابن مسعود يبكى وقال: صدق رسول الله: " يرحم الله أبا ذر، يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده ! " فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه.
إسناده حسن ولم يخرجوه.
* * *
__________
(1) تلوم: انتظر.
(2) بياض بالاصل.
(*)
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنا عبدالله بن محمد بن عقيل في قوله: " الذين اتبعوه في ساعة العسرة ".
قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وخرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر (1).
قال عبدالله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن عتبة بن أبى عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبدالله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة.
فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقى على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا.
فقال: " أو تحب ذلك ؟ " قال: نعم.
قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت (2) ثم سكبت فملاوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت (3) العسكر.
إسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، أن هذه القصة كانت وهم بالحجر وأنهم قالوا لرجل معهم منافق: ويحك هل بعد هذا من شئ ؟ ! فقال: سحابة مارة ! وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الانصاري - وكان عنده: " إن رجلا قال: هذا
__________
(1) ا: من الظهر.
(2) قالت السماء: تهيأت للمطر.
وأطلت: أمطرت مطرا خفيفا.
(3) ا: جازت به.
(*)
محمد يخبركم أنه نبى ويخبركم خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته ! وإنى والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلنى الله عليها، هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها ".
فانطلقوا فجاءوا بها، فرجع عمارة إلى رحله، فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة: إنما قال ذلك زيد بن اللصيت (1).
وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول: إن في رحلى لداهية وأنا لا أدرى، اخرج عنى يا عدو الله فلا تصحبني.
فقال بعض الناس: إن زيدا تاب، وقال بعضهم: لم يزل مصرا (2) حتى هلك.
* * * قال الحافظ البيهقى: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة.
ثم روى من حديث الاعمش وقد رواه الامام أحمد، عن أبى معاوية، عن الاعمش عن أبى صالح، عن أبى هريرة أو عن أبى سعيد الخدرى - شك الاعمش - قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افعلوا ".
فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة، لعل الله أن يجعل فيها البركة.
فقال رسول الله: نعم.
فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة ويجئ الآخر بكف من التمر ويجئ الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم: " خذوا في أوعيتكم " فأخذوا في
أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملاوه وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة
__________
(1) قال ابن هشام: ويقال: ابن لصيب.
(2) ح: متهما بشر.
(*)
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة ".
ورواه مسلم عن أبى كريب، عن أبى معاوية، عن الاعمش به.
ورواه الامام أحمد من حديث سهيل عن أبيه، عن أبى هريرة ولم يذكر غزوة تبوك بل قال: كان في غزوة غزاها.
ذكر مروره عليه السلام في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود وصرحتهم بالحجر قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل ولا تأكلوا منه شيئا ".
هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد.
وقال الامام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرني سالم بن عبدالله عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم " وتقنع بردائه وهو على الرحل.
ورواه البخاري من حديث عبدالله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر بإسناده نحوه.
وقال مالك، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لاصحابه: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم ".
ورواه البخاري من حديث [ مالك ومن حديث (1) ] سليمان بن بلال، كلاهما عن عبدالله بن دينار.
ورواه مسلم من وجه آخر عن عبدالله بن دينار نحوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع، عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التى كانت تشرب منها ثمود فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الابل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التى كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال ]: " إنى أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم ".
وهذا الحديث إسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه، وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض، عن أبى ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به.
قال البخاري: وتابعه أسامة عن عبيد الله.
ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق، عن عبيد الله عن نافع به.
* * * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبدالله بن عثمان ابن خثيم، عن أبى الزبير، عن جابر قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر
__________
(1) سقطت من ا.
(*)
قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج (1) وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله.
قيل: من هو يا رسول الله ؟ قال: " هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه ".
إسناده صحيح ولم يخرجوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن إسماعيل بن واسط، عن محمد بن أبى كبشة الانمارى، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنودى في الناس: الصلاة جامعة.
قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم ؟ " فناداه رجل: نعجب منهم.
قال: " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتى قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا ".
إسناده حسن ولم يخرجوه.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثنى عبدالله بن أبى بكر بن حزم، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس بن سعد الشك منى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا
__________
(1) ا: من هذا الوجه.
(*)
منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: " لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ".
ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بنى ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له فأما الذى ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه (1)، وأما الذى ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له ".
ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك.
وفى رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد حدثنى عبدالله بن أبى بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين، لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثنى بهما.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب بن خالد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبى حميد الساعدي، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك حتى جئنا وادى القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " اخرصوا " فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: " أحصى ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله ".
__________
(1) خنق على مذهب: في موضع قضاء الحاجة.
(*)
قال: فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله ".
قال أبو حميد: فعقلناها، فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة، فقام فيها رجل فألقته في جبل طيئ.
ثم جاء رسول الله ملك أيلة فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم (1).
ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جئنا وادى القرى فقال للمرأة: " كم جاءت حديقتك ؟ " قالت: عشرة أوسق.
خرص رسول الله.
فقال رسول الله: " إنى متعجل، فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل " قال: فخرج رسول الله وخرجنا معه، حتى إذا أوفى على المدينة قال: " هذه طابة ".
فلما رأى أحدا قال: " هذا أحد (2) يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الانصار ؟ " قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: " خير دور الانصار بنو النجار، ثم دار بنى عبد الاشهل، ثم دار بنى ساعدة، ثم في كل دور الانصار خير ".
وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه.
وقال الامام مالك رحمه الله عن أبى الزبير (3)، عن أبى الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال:
__________
(1) الاصل: يخبرهم.
وهو تحريف.
وما أثبته عن ابن هشام (2) ح: هذا جبل.
(3) ا: عن بنى الزبير.
وهو تحريف.
(*)
" إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى ضحى النهار،
فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى ".
قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك (1) تبض بشئ من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل مسستما من مائها شيئا ؟ "، قالا: نعم فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شن، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا ".
أخرجه مسلم من حديث مالك به.
ذكر خطبته عليه السلام إلى تبوك إلى نخلة هناك روى الامام أحمد عن أبى النضر هاشم بن القاسم ويونس بن محمد المؤدب وحجاج ابن محمد، ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن أبى الخطاب، عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس ؟ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوى إلى شئ منه ".
ورواه النسائي عن قتيبة، عن الليث به.
وقال: أبو الخطاب لا أعرفه.
وروى البيهقى من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران،
__________
(1) ا: مثل الشمال.
وهو تحريف.
(*)
حدثنا مصعب بن عبدالله، عن منظور بن جميل بن سنان (1)، أخبرني أبى، سمعت عقبة بن عامر الجهنى، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك،
فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال: " ألم أقل لك يا بلال اكلا لنا الفجر ؟ " فقال: يا رسول الله ذهب بى من النوم مثل الذى ذهب بك.
قال: فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أيها الناس أما بعد ; فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الامور عوازمها (2) وشر الامور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الانبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الاعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عزوجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من حثى (3) جهنم، والشعر من إبليس، والخمر جماع الاثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره،
__________
(1) ت: يسار (2) العوازم: الفرائض التى عزم الله بفعلها.
(3) الحثاء: التراب المحثو (*)
والشقى من شقى في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والامر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب،
وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألى على الله يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لى ولامتى، اللهم اغفر لى ولامتى، اللهم اغفر لى ولامتى " قالها ثلاثا ثم قال: " أستغفر الله لى ولكم ".
وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفى إسناده ضعف.
والله أعلم بالصواب.
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني وسليمان بن داود، قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني معاوية، عن سعيد بن غزوان، عن أبيه، أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أنى حى.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا.
ثم صلى إليها.
قال: فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: قطع صلاتنا قطع الله أثره.
قال: فما قمت عليها إلى يومى هذا.
ثم رواه أبو داود من حديث سعيد بن (1) عبد العزيز التنوخى، عن مولى ليزيد ابن نمران، عن يزيد بن نمران، قال: رأيت بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلى فقال: اللهم اقطع أثره.
فما مشيت عليها بعد.
وفى رواية: " قطع صلاتنا قطع الله أثره ".
__________
(1) الاصل: عن عبد العزيز.
وما أثبته عن سنن أبى داود 1 / 112.
(*)
ذكر الصلاة على معاوية بن أبى معاوية إن صح الخبر في ذلك روى البيهقى من حديث يزيد بن هارون، أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفى، قال سمعت
أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله فقال: " يا جبريل مالى أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى ؟ ".
قال: ذلك أن معاوية بن معاوية الليثى مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه.
قال: " ومم ذاك ؟ " قال: بكثرة قراءته: " قل هو الله أحد " بالليل والنهار وفى ممشاه وفى قيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الارض فتصلى عليه ؟ قال: نعم.
قال: فصلى عليه ثم رجع.
وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة، والناس يسندون أمره إلى العلاء بن زيد هذا (1) وقد تكلموا فيه.
ثم قال البيهقى: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا هشام بن على، أخبرنا عثمان بن الهيثم، حدثنا محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبى ميمونة، عن أنس قال: جاء جبريل فقال: يا محمد مات معاوية بن أبى معاوية المزني، أفتحب أن تصلى عليه ؟ قال: نعم.
فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له.
قال: فصلى وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، قال قلت: " يا جبريل بم نال هذه المنزلة من الله ؟ " قال: بحبه " قل هو الله أحد " يقرؤها قائما وقاعدا، وذاهبا وجائيا، وعلى كل حال.
قال عثمان: فسألت أبى أين كان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: بغزوة تبوك
__________
(1) ا: لهذا.
(*)
بالشام، ومات معاوية بالمدينة، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلى عليه.
وهذا أيضا منكر من هذا الوجه.
قدوم رسول قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك
قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا يحيى بن سليم، عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبى راشد، قال: لقيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، وكان جارا لى شيخا كبيرا قد بلغ العقد أو قرب، فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ؟ قال: بلى.
قدم رسول الله تبوك، فبعث دحية الكلبى إلى هرقل، فلما أن جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسى الروم وبطارقتها ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم وقد أرسل إلى يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني أن أتبعه على دينه، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والارض أرضنا، أو نلقى إليه الحرب.
والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن [ أرضنا ] (1) فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا.
فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لاعرابي جاء من الحجاز.
فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رفأهم (2) ولم يكد.
وقال: إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم.
ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال: ادع لى رجلا حافظا
__________
(1) من مسند أحمد.
(2) رفأهم: سكنهم.
(*)
للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه.
فجاء بى، فدفع إلى هرقل كتابا فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما سمعت من حديثه فاحفظ لى منه ثلاث خصال: انظر هل يذكر صحيفته إلى التى كتب بشئ وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ؟ وانظر في ظهره هل به شئ يريبك ؟
قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين ظهرانى أصحابه محتبيا على الماء، فقلت: أين صاحبكم ؟ قيل: ها هو ذا.
فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال: " ممن أنت " فقلت أنا أخو تنوخ: قال: " هل لك إلى الاسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم ؟ " قلت: إنى رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم.
فضحك وقال: " إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " يا أخا تنوخ إنى كتبت بكتاب إلى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ومخرق ملكه.
وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير ".
قلت: هذه إحدى الثلاث التى أوصاني بها صاحبي.
فأخذت سهما من جعبتى فكتبتها في جنب سيفى ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم ؟ قالوا: معاوية فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله ! أين الليل إذا جاء النهار ".
قال: فأخذت سهما من جعبتى فكتبته في جلد سيفى.
فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال: " إن لك حقا وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون " قال: فناداه رجل من طائفة الناس قال:
أنا أجوزه، ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت: من صاحب الجائزة ؟ قيل لى: عثمان.
ثم قال رسول الله: " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " فقال فتى من الانصار: أنا.
فقام الانصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس نادانى رسول الله فقال:
" تعال يا أخا تنوخ " فأقبلت أهوى حتى كنت قائما في مجلسي الذى كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره وقال: " هاهنا امض لما أمرت به " فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكيف مثل الحجمة (1) الضخمة.
هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به تفرد به الامام أحمد.
مصالحته (2) عليه السلام ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وهو مخيم على تبوك قبل رجوعه قال ابن إسحاق: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية.
وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم.
فكتب ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله و [ ذمة ] (3) محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه (4) من بر أو بحر.
__________
(1) الحجمة: النتوء (2) ت: كتابه (ص) ليحنة.
(3) من ابن هشام.
(4) ابن هشام: يريدونه.
(*)
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا: وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله.
قال يونس عن ابن إسحاق: وكتب لاهل جرباء وأذرح: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لاهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان
محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب، ومائة أوقية طيبة، وأن الله عليهم كفيل بالنصح والاحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين ".
قال: وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم.
قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبدالله بن محمد بثلاثمائة دينار.
بعثه عليه السلام خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة، وهو أكيدر بن عبدالملك رجل من بنى كندة (1) كان ملكا عليها وكان نصرانيا.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: " إنك ستجده يصيد البقر ".
فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفى ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته، وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا والله.
قالت: فمن يترك هذا ؟ قال: لا أحد.
فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم.
فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه
__________
(1) كذا في ا وفي ت وابن هشام: من كندة.
(*)
قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه.
قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتعجبون من هذا [ فوالذي نفسي بيده ] (1) لمناديل
سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا ".
قال ابن إسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقن له دمه، فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته.
فقال رجل من بنى طيئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك: تبارك سائق البقرات إنى * رأيت الله يهدى كل هاد فمن يك حائدا عن ذى تبوك * فإنا قد أمرنا بالجهاد وقد حكى البيهقى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر: " لا يفضض الله فاك " فأتت عليه سبعون سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن.
وقد روى ابن لهيعة عن أبى الاسود، عن عروة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة.
فذكر نحو ما تقدم، إلا أنه ذكر أنه ماكره حتى أنزله من الحصن، وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله ثمانمائة من السبى، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة (2) بن رؤبة بقصة أكيدر دومة أقبل قادما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصالحه، فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك.
فالله أعلم.
__________
(1) من ابن هشام.
(2) الاصل: يحنا.
وهو تحريف.
(*)
وروى يونس بن بكير، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى، أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل.
فالله أعلم.
فصل قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة.
قال: وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادى المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه ".
قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال: " من سبقنا إلى هذا الماء ؟ " فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان.
فقال: أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه ؟ ثم لعنهم ودعا عليهم.
ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما إن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن بقيتم أو من بقى منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه ".
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى، أن عبدالله بن
مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها.
قال: فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر، وإذا عبدالله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه، وإذا هو يقول: " أدنيا إلى أخاكما " فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: " اللهم إنى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه ".
قال: يقول ابن مسعود يا ليتنى كنت صاحب الحفرة.
قال ابن هشام: إنما سمى ذا البجادين لانه كان يريد الاسلام فمنعه قومه وضيقوا
عليه، حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجاد - وهو الكساء [ الغليظ ] (1) فشقه باثنين فائتزر بواحدة وارتدى بالاخرى، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمى ذا البجادين.
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثى، عن ابن أخى أبى رهم الغفاري، أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين - وكان من أصحاب الشجرة - يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فسرت ذات ليلة معه ونحن بالاخضر، وألقى الله على النعاس وطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فيفزعنى دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عينى في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله: " حس " فقلت: يارسول الله استغفر لى.
قال: سر.
__________
(1) سقطت من ا.
(*)
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألنى عمن تخلف عنه من بنى غفار فأخبره به.
فقال وهو يسألنى: " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط (1) الذين لا شعر في وجوههم ؟ " فحدثته بتخلفهم قال: " فما فعل النفر السود الجعاد القصاز ؟ " قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا.
قال: " بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ (2) " فتذكرتهم في بنى غفار فلم أذكرهم، حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل الله ؟ إن أعز أهلى على أن يتخلف عنى المهاجرون والانصار وغفار وأسلم ".
* * * وقال ابن لهيعة عن أبى الاسود، عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها.
فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم.
فغضب رسول الله وأبصر حذيفة غضبه فرجع إليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الامر العظيم، فأسرعوا حتى خالطوا الناس.
__________
(1) الثطاط: جمع ثط، وهو القليل شعر اللحية.
(2) شبكة شدخ: ماء لاسلم بالحجاز.
(*)
وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: " هل عرفت هؤلاء القوم ؟ " قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم.
ثم قال: " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ؟ " قالا: لا.
فأخبرهما بما كانوا تمالاوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما ذلك.
فقالا: يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم ؟ فقال: " أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ".
وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده.
وهذا هو الاشبه والله أعلم.
ويشهد له قول أبى الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعنى أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد.
يعنى ابن مسعود.
أليس فيكم صاحب السر الذى لا يعلمه غيره.
يعنى حذيفة.
أليس فيكم الذى أجاره الله من الشيطان على لسان محمد.
يعنى عمارا.
وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال لحذيفه: أقسمت عليك بالله أأنا منهم ؟ قال: لا ولا أبرى بعدك أحدا.
يعنى حتى لا يكون مفشيا سر النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا، وقيل: كانوا اثنى عشر رجلا، وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من أمرهم وبما تمالاوا عليه.
ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم.
قال: وفيهم أنزل الله عزوجل: " وهموا بما لم ينالوا (1) ".
* * * وروى البيهقى من طريق محمد بن سلمة، عن أبى إسحاق، عن الاعمش، عن عمرو ابن مرة، عن أبى البخترى، عن حذيفة بن اليمان، قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمار يقود به - حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثنى عشر راكبا (2) قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرخ بهم فولوا مدبرين.
فقال لنا رسول الله: " هل عرفتم القوم ؟ " قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب.
قال: " هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة،
وهل تدرون ما أرادوا ؟ " قلنا: لا.
قال: " أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها ".
قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال: " لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ".
ثم قال: " اللهم ارمهم بالدبيلة " قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال: " هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك ".
وفى صحيح مسلم من طريق شعبة: عن قتادة، عن أبى نضرة، عن قيس بن عبادة، قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا، فيما كان من أمر على، أرأى رأيتموه أم شئ عهده إليكم رسول الله ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده
__________
(1) سورة التوبة (2) غيرا: رجلا.
(*)
إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في أصحابي اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ".
وفى رواية من وجه آخر عن قتادة: " إن في أمتى اثنى عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ".
قال الحافظ البيهقى: وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر - أو خمسة عشر - وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وعذر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادى ولا علمنا بما أراد.
وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد في مسنده قال: حدثنا يزيد - هو ابن هارون -
أخبرنا الوليد بن عبدالله بن جميع، عن أبى الطفيل، قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى: إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد.
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: " قد قد ".
حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال: " يا عمار هل عرفت القوم ؟ " قال: قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون.
قال: " هل تدرى ما أرادوا ؟ " قال: الله ورسوله أعلم.
قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه ".
قال: فسار عمار رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال: أربعة عشر رجلا.
فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر.
قال: فعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادى رسول الله وما علمنا ما أراد القوم.
فقال عمار: أشهد أن الاثنى عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد.
قصة مسجد الضرار قال الله تعالى: " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه
فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين.
أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدى القوم الظالمين، لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم " (1).
وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد.
وذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله، وكيفية أمر رسول الله صلى الله بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة.
ومضمون ذلك: أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء،
__________
(1) سورة التوبة.
(*)
وأرادوا أن يصلى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد.
فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه، وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذى أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحى في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى: " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " الآية.
أما قوله " ضرارا " فلانهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، " وكفرا " بالله لا للايمان به، " وتفريقا " للجماعة عن مسجد قباء.
" وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل " وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله، وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأبى عليه، ذهب إلى مكة فاستنفرهم، فجاءوا عام أحد، فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى
ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين.
فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة، وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبى عامر الراهب، ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين.
ولهذا قال تعالى: " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ".
ثم قال: " وليحلفن " أي الذين بنوه " إن أردنا إلا الحسنى " أي إنما أردنا ببنيانه الخير.
قال الله تعالى: " والله يشهد إنهم لكاذبون ".
ثم قال الله تعالى لرسوله: " لا تقم فيه أبدا " فنهاه عن القيام فيه، لئلا يقرر أمره،
ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذى أسس على التقوى من أول يوم وهو مسجد قباء، لما دل عليه السياق والاحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه.
وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافى ما تقدم، لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى.
وقد أشبعنا القول في ذلك في التفسير ولله الحمد.
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذى أوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدى - أو أخاه عاصم بن عدى - رضى الله عنهما فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، وتفرق عنه أهله.
قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا وهم، خذام بن خالد - وفى
جنب داره كان بناء هذا المسجد - وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة ابن الازعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد.
ونبتل بن الحارث، وبحزج وهو إلى بنى ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بنى ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بنى أمية.
* * * قلت: وفى غزوة تبوك هذه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبدالرحمن بن عوف صلاة الفجر، أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فأبطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبدالرحمن بن عوف، فلما سلم الناس أعظموا ما وقع، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسنتم
وأصبتم " وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله قائلا حدثنا (1).
وقال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال: " وهم بالمدينة حبسهم العذر ".
تفرد به من هذا الوجه.
وقال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثنى عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد، عن أبى حميد (1) قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: " هذه طابة (2) وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه ".
ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه وقال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن السائب
ابن يزيد، قال: أذكر أنى خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك.
ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال البيهقى: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله صلى الله وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
__________
(1) كذا بالاصل.
(2) ا: عن أبى أحمد.
وهو تحريف.
(3) طابة: من أسماء المدينة.
(*)
طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع قال البيهقى: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة إلا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك، والله أعلم، فذكرناه هاهنا أيضا.
* * * قال البخاري رحمه الله: حديث كعب بن مالك رضى الله عنه.
حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل عن ابن شهاب، عن عبدالرحمن ابن عبدالله بن كعب بن مالك، أن عبدالله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمى - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أنى كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا (1) على الاسلام وما أحب أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها.
كان من خبرى أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وعددا (2) كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم
__________
(1) الاصل: حتى تواثبنا.
وما أثبته من صحيح البخاري 2 / 274 (2) البخاري: ومفازا وعدوا كثيرا.
(*)
بوجهه الذى يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحى الله وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ تلك الغزوة (1) ] حين طابت الثمار والظلال.
وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكى أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه.
فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم.
فغدوت بعد أن فصلوا لاتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا.
فلم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لى ذلك.
فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزنني أنى لا أرى
إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء.
ولم يذكرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب ؟ " فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه.
فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * * قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همى، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج غدا من سخطه ؟ واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من
__________
(1) من صحيح البخاري.
(*)
أهلى، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عنى الباطل، وعرفت أنى لن أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب، فأجمعت صدقه.
وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله عزوجل.
فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال: " تعال " فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لى: " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " فقلت: بلى إنى والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر - ولقد أعطيت جدلا - ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله أن يسخطك على، ولئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه إنى لارجو فيه عفو الله، لا والله ماكان لى من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر
منى حين تخلفت عنك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضى الله فيك ".
فقمت فثار رجال من بنى سلمة فاتبعوني فقالوا لى: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ؟ وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك.
فو الله ما زالوا يؤنبوننى حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي.
ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحد ؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك.
فقلت: من هما ؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفى
فذكروا لى رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة.
فمضيت حين ذكروهما لى.
* * * ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف.
فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الارض فما هي التى أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.
فأما صاحباى فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الاسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا ؟ ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى، وإذا التفت نحوه أعرض عنى.
حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى (1) تسورت جدار حائط
أبى قتادة - وهو ابن عمى وأحب الناس إلى - فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت.
فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناى وتوليت حتى تسورت الجدار.
قال: وبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان في سرقة من حرير فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء ! فتيممت بها التنور فسجرته بها.
__________
(1) ا: حتى إذا.
(*)
فأقمنا على ذلك، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك.
فقلت: اطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها.
وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقى بأهلك فكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الامر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال: " لا ولكن لا يقربك " قالت: إنه والله ما به حركة إلى شئ، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
فقال لى بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال به أمية أن تخدمه ؟ فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدرينى ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب.
* * *
قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا.
فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التى ذكر الله عزوجل، قد ضاقت على نفسي وضاقت على الارض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب أبشر.
فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلى فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس.
فلما جاءني الذى سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه،
والله ما أملك غيرهما يومئذ ! واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك.
قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأنى، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ".
قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال: " لا بل من عند الله " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا
نعرف ذلك منه.
فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله.
قال رسول الله: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت: فإنى أمسك سهمي الذى بخيبر.
وقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت.
فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومى هذا كذبا، وإنى لارجو أن يحفظني الله فيما بقيت.
وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين
والانصار " إلى قوله: " وكونوا مع الصادقين " فو الله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد أن هداني للاسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أكون (1) كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لاحد، قال الله تعالى: " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم " إلى قوله: " فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ".
قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " ليس الذى ذكر الله مما خلفنا من الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منهم.
وهكذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه.
وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، وقد سقناه في التفسير من مسند الامام أحمد، وفيه زيادات
يسيرة.
ولله الحمد والمنة.
ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء قال على بن طلحة الوالبى عن ابن عباس في قوله تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله هو التواب الرحيم " (2) قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد.
فلما مر بهم رسول الله قال: " من هؤلاء ؟ " قالوا: أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك، حتى تطلقهم وتعذرهم.
قال: " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون
__________
(1) غير ا: ان لا أكون.
ولا هنا زائدة.
أي أن أكون.
(2) سورة التوبة.
(*)
الله عزوجل هو الذى يطلقهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ".
فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذى يطلقنا.
فأنزل الله عزوجل: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " الآية.
" وعسى " من الله واجب.
فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا.
فقال: " ما أمرت أن آخذ أموالكم ".
فأنزل الله: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم إن الله سميع عليم " إلى قوله: " وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ".
وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسوارى، فأرجئوا حتى نزل قوله تعالى: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه " إلى آخرها.
وكذا رواه عطية بن سعيد العوفى عن ابن عباس بنحوه.
وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبى لبابة وما كان من أمره يوم بنى قريظة وربطه نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكفيك من ذلك الثلث ".
قال مجاهد وابن إسحاق: وفيه نزل: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " الآية.
قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الاسلام إلا خير رضى الله عنه وأرضاه.
قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه، واقتصروا على ذكره لانه كان كالزعيم لهم، كما دل عليه سياق ابن عباس.
والله أعلم.
وروى الحافظ البيهقى من طريق أبى أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن منكم منافقين فمن سميت فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان " حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال، " إن فيكم - أو إن منكم - منافقين فسلوا الله العافية ".
قال: فمر عمر برجل متقنع، وقد كان بينه وبينه معرفة، فقال: ما شأنك ؟ فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بعدا لك سائر اليوم.
قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام: مأمورون مأجورون، كعلى بن أبى طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم.
ومعذورون، وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاءون.
وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، وأبو لبابة وأصحابه المذكورون.
وآخرون ملومون مذمومون، وهم المنافقون.
ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه عليه السلام
إلى المدينة منصرفه من تبوك قال الحافظ البيهقى: حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبوالبخترى عبدالله بن شاكر، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا عم أبى زخر بن حصن، عن جده حميد بن منهب، قال: سمعت جدى خريم بن أوس بن حارثة ابن لام يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبدالمطلب يقول: يا رسول الله إنى أريد أن أمتدحك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قل لا يفضض الله فاك " فقال: من قبلها طبت في الظلال وفى * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا نطفة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق (1) وأنت لما ولدت أشرقت الار * ض فضاءت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفى النور * وسبل الرشاد نخترق ثم رواه البيهقى من طريق أخرى، عن أبى السكن زكريا بن يحيى الطائى، وهو في جزء له مروى عنه.
قال البيهقى: وزاد ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه الحيرة البيضاء رفعت لى، وهذه الشيماء بنت نفيلة الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود.
" فقلت: يا رسول
__________
(1) النطق: أعراض ونواح من جبال بعضها فوق بعض، شبهت بالنطق التى تشد بها الاوساط.
(*)
الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهى لى ؟ قال: " هي لك ".
قال: ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طيئ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على
الاسلام، فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن، وكنا نقاتل بنى أسد وفيهم طلحة ابن خويلد، وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا: جزى الله عنا طيئا في ديارها * بمعترك الابطال خير جزاء هم أهل رايات السماحة والندى * إذا ما الصبا ألوت بكل خباء هم ضربوا قيسا على الدين بعد ما * أجابوا منادى ظلمة وعماء قال: ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه، فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة، فلقينا هرمز بكاظمة (1) في جيش هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحد من العجم (2) أعدى للعرب والاسلام من هرمز، فخرج إليه خالد ودعاه إلى البراز فبرز له فقتله خالد، وكتب بخبره إلى الصديق فنفله سلبه، فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم.
قال: ثم قفلنا على طريق الطف إلى الحيرة، فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها وقلت: هذه وهبها لى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الانصاري، فسلمها إلى.
فنزل إلى أخوها عبدالمسيح يريد الصلح فقال: بعنيها.
فقلت: لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم.
فأعطاني ألف درهم وسلمتها إليه، فقيل لى: لو قلت مائة ألف لدفعها إليك.
فقلت: ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة !
__________
(1) كاظمة: جو على سيف البحر، في طريق البحرين من البصرة، بينها وبين البصرة مرحلتان.
مراصد الاطلاع 3 / 1143.
(2) ت: من الناس.
وفى ا: من العرب.
(*)
قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية.
وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم مالك بن عوف النصرى أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتى ألجأهم إلى الدخول في الاسلام.
وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الاحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك.
وقال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف.
وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام.
فقال له رسول الله - كما يتحدث قومه -: " أنهم قاتلوك " وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع للذى كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم (1) وكان فيهم كذلك محببا مطاعا.
__________
(1) قال ابن هشام: ويقال من أبصارهم.
(*)
فخرج يدعو قومه إلى الاسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على علية له وقد دعاهم إلى الاسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه
سهم فقتله.
فيزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بنى عتاب يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة ما ترى في ديتك (1) ؟ قال: كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلى، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم.
فدفنوه معهم.
فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: " إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه ".
وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة، ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبى بكر الصديق، وتابعه أبو بكر البيهقى في ذلك.
وهذا بعيد.
والصحيح أن ذلك قبل حجة أبى بكر، كما ذكره ابن إسحاق.
والله أعلم.
* * * قال إبن اسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا.
فائتمروا فيما بينهم، وذلك عن رأى عمرو بن أمية أخى بنى علاج، فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم، فأرسلوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومعه اثنان من الاحلاف وثلاثة من بنى مالك ; وهم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب،
__________
(1) ابن هشام: في دمك.
(*)
وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وعثمان بن أبى العاص، وأوس بن عوف أخو بنى سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة.
وقال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل - وهو
رئيسهم - وفيهم عثمان بن أبى العاص وهو أصغر الوفد.
قال ابن إسحاق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة (1) ; ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والاسلام بأن يشرط لهم رسول الله شروطا ويكتبوا كتابا في قومهم، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه.
ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية.
ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله، فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الذى كتب لهم كتابهم.
قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية (3) ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها.
__________
(1) قناة: واد بالمدينة، قيل: يأتي من الطائف.
المراصد 3: 1125.
(2) ا: يجيئون.
(3) الطاغية: اللات.
(*)
وسألوه مع ذلك ألا يصلوا وألا يكسروا أصنامهم بأيديهم فقال: " أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك.
وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه.
" فقالوا: سنؤتيكها وإن كانت دناءة.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا محمد بن مسلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبى العاص، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلها المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحشروا (1) ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكم ألا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا خير في في دين لا ركوع فيه ".
وقال عثمان بن أبى العاص: يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي.
وقد رواه أبو داود من حديث أبى داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن حميد به.
وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنى إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه، عن وهب، سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك: " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ".
* * * قال ابن إسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبى العاص - وكان من أحدثهم سنا - لان الصديق قال: يا رسول الله إنى رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم القرآن.
__________
(1) الحشر: الانتداب إلى المغازى.
(*)
وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبى العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن العلم واستقرأه القرآن، فإن وجده نائما ذهب إلى أبى بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى
فقه في الاسلام وأحبه رسول الله صلى الله غليه وسلم حبا شديدا.
* * * قال ابن إسحاق: حدثنى سعيد بن أبى هند، عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، عن عثمان بن أبى العاص، قال: كان من آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثنى إلى ثقيف قال: " يا عثمان تجوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة ".
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سعيد الجريرى، عن أبى العلاء، عن مطرف، عن عثمان بن أبى العاص، قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي.
قال: " أنت إمامهم، فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ".
رواه أبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة به.
ورواه بن ماجه عن أبى بكر ابن أبى شيبة، عن إسماعيل بن علية، عن محمد بن إسحاق.
كما تقدم.
وروى أحمد عن عفان، عن وهب، وعن معاوية بن عمرو، عن زائدة كلاهما عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن داود بن أبى عاصم، عن عثمان بن أبى العاص، أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال: " إذا صليت بقوم فخفف بهم، حتى وقت لى: " اقرأ باسم ربك الذى خلق، وأشباهها من القرآن ".
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت سعيد ابن المسيب، قال: حدث عثمان بن أبى العاص قال: آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: " إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة ".
ورواه مسلم (1) عن محمد بن مثنى وبندار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن غندر به.
وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن بن يعلى
الطائفي، عن عبدالله بن الحكم، أنه سمع عثمان بن أبى العاص يقول: استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف، فكان آخر ما عهد إلى أن قال: " خفف عن الناس الصلاة ".
تفرد به من هذا الوجه.
وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، أخبرنا عمرو بن عثمان، حدثنى موسى - هو ابن طلحة - أن عثمان بن أبى العاص حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤم قومه ثم قال: " من أم قوما فليخفف بهم، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء ".
ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، سمعت أشياخا من ثقيف قالوا: حدثنا عثمان بن أبى العاص أنه قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أم قومك، وإذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة ".
وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريرى، عن أبى العلاء بن الشخير أن عثمان قال: يا رسول الله حال الشيطان بينى وبين صلاتي وقراءتي.
قال: " ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا " قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عنى.
__________
(1) الحديث رواه مسلم في باب أمر الائمة بتخفيف الصلاة في تمام: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال سمعت سعيد بن المسيب، قال حدث عثمان ابن أبى العاص قال: آخر ما عهد - الخ.
صحيح مسلم 1 / 342 ط الحلبي.
(*)
ورواه مسلم من حديث سعيد الجريرى به.
وروى مالك وأحمد ومسلم وأهل السنن من طرق، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان بن أبى العاص، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده، فقال له: " ضع يدك على الذى يألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ".
وفى بعض الروايات: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بى، فلم أزل آمر به أهلى وغيرهم.
وقال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا محمد بن بشار (1) حدثنا محمد بن عبدالله الانصاري، حدثنى عيينة بن عبدالرحمن - هو ابن جوشن - حدثنى أبى، عن عثمان ابن أبى العاص، قال: لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لى شئ في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ابن أبى العاص ؟ " قلت: نعم يا رسول الله.
قال: " ما جاء بك ؟ " قلت: يا رسول الله عرض لى شئ في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى.
قال: " ذاك الشيطان ادن " فدنوت منه فجلست على صدور قدمى، قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمى وقال: " اخرج عدو الله " فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: " الحق بعملك ".
قال فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد.
تفرد به ابن ماجه.
* * * قال ابن إسحاق: وحدثني عيسى بن عبدالله، عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفى، عن بعض وفدهم قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) الاصل: ابن يسار.
وما أثبته عن سنن ابن ماجه حديث رقم 3548.
(*)
ما بقى من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا، فيأتينا بالسحور وإنا لنقول: إنا لنرى
الفجر قد طلع ؟ فيقول: قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور.
ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول: ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد.
فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها.
وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عبدالله بن عبدالرحمن بن يعلى الطائفي، عن عثمان بن عبدالله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة، قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف.
قال: فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة ؟ وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مالك في قبة له، كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا مالقى من قومه من قريش، ثم يقول: " لا آسى (1)، وكنا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا.
فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذى كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة.
فقال: " إنه طرأ على حزبى من القرآن فكرهت أن أجئ حتى أتمه ".
قال أوس: سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن ؟ فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده.
لفظ أبى داود.
* * *
__________
(1) ابن ماجه: ولا سواء.
(*)
قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين ; بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في
هدم الطاغية.
فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك.
وأقام أبو سفيان بماله بذى الهدم (1).
فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بنى معتب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود.
قال: وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن: لنبكين (2) دفاع * أسلمها الرضاع (3) * لم يحسنوا المصاع (4) * قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان - والمغيرة يضربها بالفأس -: واها لك ! آها لك.
فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبى سفيان، فقال له: إن رسول الله قد أمرنا أن نقضى عن عروة بن مسعود وأخيه الاسود بن مسعود والد قارب بن الاسود دينهما من مال الطاغية.
فقضى ذلك عنهما.
قلت: كان الاسود قد مات مشركا، ولكن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الاسود رضى الله عنه.
* * *
__________
(1) الهدم: ماء وراء وادى القرى.
مراصد الاطلاع 2 / 1454 (2) وتروى لتبكين.
كما في ابن هشام.
(3) الدفاع: الشئ العظيم يدفع به مثله.
سموها بذلك لظنهم أنها تدفع عنهم.
والرضاع: اللئيم.
(4) المصاع: الضرب.
(*)
وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا
أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا والزنا والخمر، فحرم عليهم ذلك كله.
فسألوه عن الربة ما هو صانع بها ؟ قال: " اهدموها ".
قالوا: هيهات ! لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها.
فقال عمر بن الخطاب: ويحك يابن عبد ياليل ما أجهلك ! إنما الربة حجر.
فقالوا: إنا لم نأتك يابن الخطاب.
ثم قالوا: يا رسول الله تول أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا.
فقال: " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها ".
فكاتبوه على ذلك، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاءوا قومهم تلقوهم فسألوهم: ما وراءكم ؟ فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف، يحكم ما يريد، وقد دوخ العرب، قد حرم الربا والزنا والخمر، وأمر بهدم الربة.
فنفرت ثقيف وقالوا: لا نطيع لهذا أبدا.
قال: فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة - ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرجعوا وأنابوا وقالوا: ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه.
قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه، فافهموا ما في القضية واقبلوا عافية الله.
قالوا: فلم كتمتمونا هذا أولا ؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان.
فأسلموا مكانهم.
ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم
خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات وقد استكفت ثقيف رجالها ونساؤها والصبيان، حتى خرج العواتق من الحجال، ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة.
فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعنى المعول - وقال لاصحابه: والله لاضحكنكم من ثقيف.
فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة ! وقالوا لاولئك: من شاء منكم فليقترب.
فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه.
ثم إنه ضرب الباب فكسره.
ثم علا سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالارض.
وجعل سادنها يقول: ليغضبن الاساس فليخسفن بهم.
فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها.
فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها.
وبهتت عند ذلك ثقيف.
ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم أموالها من يومه، وحمدوا الله تعالى على إعزاز دينه ونصرة رسوله.
* * * قال ابن إسحاق: وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كتب لهم: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين.
إن عضاه وج (1) وصيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ
__________
(1) العضاه: أعظم الشجر، أو كل ذى شوك.
ووج: واد بالطائف.
(*)
فيبلغ به النبي محمد، وإن هذا أمر النبي محمد.
وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن
عبدالله، فلا يتعده أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبدالله بن الحارث - من أهل مكة مخزومي - حدثنى محمد بن عبدالله بن إنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه عن عروة بن الزبير، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية (1) حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرف القرن حذوها، فاستقبل محبسا ببصره - يعنى واديا - ووقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال: " إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله " وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا.
وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبدالله بن إنسان الطائفي، وقد ذكره ابن حبان في ثقاته.
وقال ابن معين: ليس به بأس.
وتكلم فيه بعضهم.
وقد ضعف أحمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث، وصححه الشافعي وقال بمقتضاه.
والله أعلم.
ذكر موت عبدالله بن أبى قبحه الله قال محمد بن إسحاق: حدثنى الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن أبى يعوده في مرضه الذى مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والله إن كنت لانهاك عن حب يهود.
" فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه ؟ وقال الواقدي: مرض عبدالله بن أبى في ليال بقين من شوال، ومات في ذى القعدة
__________
(1) لية: جبل بالطائف.
المراصد.
(*)
وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله يعوده فيها.
فلما كان اليوم الذى مات فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه فقال: " قد نهيتك عن حب يهود " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة
فما نفعه ؟ ثم قال: يا رسول الله ليس هذا بحين عتاب هو الموت، فاحضر غسلى وأعطني قميصك الذى يلى جلدك فكفني فيه وصل على واستغفر لى.
ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى البيهقى من حديث سالم بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي.
فالله أعلم.
وقد قال إسحاق بن راهويه: قلت لابي أسامة: أحدثكم عبيدالله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفى عبدالله بن أبى بن سلول جاء ابنه عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلى عليه.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى عليه، فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله، تصلى عليه وقد نهاك الله عنه ؟ فقال رسول الله: " إن ربى خيرنى فقال: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم.
" وسأزيد على السبعين ".
فقال: إنه منافق أتصلى عليه ؟ فأنزل الله عزوجل: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله " فأقر به أبو أسامة وقال: نعم.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث أبى أسامة.
وفى رواية للبخاري وغيره قال عمر: فقلت: يا رسول الله تصلى عليه وقد قال في يوم كذا كذا وكذا، وقال في يوم كذا كذا وكذا ؟ ! فقال: " دعني يا عمر فإنى بين خيرتين، ولو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له
لزدت ": ثم صلى عليه.
فأنزل الله عزوجل " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره " الآية.
قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله وسوله أعلم.
وقال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبدالله يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر عبدالله بن أبى بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه - أو فخذيه - ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه.
فالله أعلم.
وفى صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله، وعنده أنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسا العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبدالله بن أبى.
وقد ذكر البيهقى هاهنا قصة ثعلبة بن حاطب، وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة، وقد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى: " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله (1) " الآية.
فصل قال ابن إسحاق: وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال حسان بن ثابت رضى الله عنه يعدد أيام الانصار مع رسول الله صلى الله
__________
(1) سورة التوبة 75.
(*)
عليه وسلم ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه، قال ابن هشام: وتروى لابنه عبدالرحمن بن حسان: ألست خير معد كلها نفرا * ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا (1) قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم * مع الرسول فما ألوا وما خذلوا (2)
وبايعوه فلم ينكث به أحد * منهم ولم يك في إيمانه (3) دخل ويوم صبحهم في الشعب من أحد * ضرب رصين كحر النار مشتعل ويوم ذى قرد يوم استثار بهم * على الجياد فما خانوا وما نكلوا (4) وذا العشيرة جاسوها بخيلهم * مع الرسول عليها البيض والاسل ويوم ودان أجلوا أهله رقصا * بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل وليلة طلبوا فيها عدوهم * لله والله يجزيهم بما عملوا وليلة بحنين جالدوا معه * فيها يعلهم في الحرب إذ نهلوا وغزوة يوم نجد ثم كان لهم * مع الرسول بها الاسلاب والنفل وغزوة القاع فرقنا العدو به * كما يفرق دون المشرب الرسل ويوم بويع كانوا أهل بيعته * على الجلاد فآسوه وما عدلوا وغزوة الفتح كانوا في سريته * مرابطين فما طاشوا وما عجلوا ويوم خيبر كانوا في كتيبته * يمشون كلهم مستبسل بطل بالبيض ترعش في الايمان عارية * تعوج بالضرب أحيانا وتعتدل ويوم سار رسول الله محتسبا * إلى تبوك وهم راياته الاول وساسة الحرب إن حرب بدت لهم * حتى بدا لهم الاقبال والقفل أولئك القوم أنصار النبي وهم * قومي أصير إليهم حين أتصل ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم * وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا
__________
(1) حصلوا: جمعوا.
(2) ألوا: قصروا (3) ابن هشام: في إيمانهم.
(4) ابن هشام: فما خاموا.
(*)
ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة براءة
قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا، قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت، ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد.
فلما خرج أبو بكر رضى الله عنه بمن معه من المسلمين وفصل عن البيت أنزل الله عزوجل هذه الآيات من أول سورة التوبة: " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر " إلى قوله: " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله " إلى آخر القصة.
ثم شرع ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات.
وقد بسطنا الكلام عليها في التفسير ولله الحمد والمنة.
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضى الله عنه بعد أبى بكر الصديق ليكون معه ويتولى على بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكونه ابن عمه من عصبته.
* * *
قال ابن إسحاق: حدثنى حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبى جعفر محمد بن على، أنه قال: لما نزلت " براءة " على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضى الله عنه ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبى بكر ؟ فقال: " لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى ".
ثم دعا على بن أبى طالب فقال: " إخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته ".
فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور ؟ فقال: بل مأمور.
ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها في الجاهلية.
حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن في الناس بالذى أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة، إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته.
فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا مرسل من هذا الوجه.
* * *
وقد قال البخاري: باب حج أبى بكر رضى الله عنه بالناس سنة تسع.
حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبى هريرة: أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه بعثه في الحجة التى أمره عليها النبي صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان.
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا عبدالله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني حميد بن عبدالرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثنى أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان.
قال حميد: ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلى فأمره أن يؤذن ببراءة.
قال أبو هريرة: فأذن معنا على في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان.
وقال البخاري في كتاب الجهاد: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبدالرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثنى أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ويوم الحج الاكبر يوم النحر، وإنما قيل الاكبر من أجل قول الناس: العمرة الحج الاصغر.
فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذى حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك.
ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه.
* * *
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشعبى، عن محرز بن أبى هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما كنتم تنادون ؟ قال: كنا ننادى: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة
أشهر، فإذا مضت الاربعة أشهر فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك.
قال، فكنت أنادى حتى صحل (1) صوتي.
وهذا إسناد جيد، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوى: " إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر ".
وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ، ؟ ولو زاد على أربعة أشهر، ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر.
بقى قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالاول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل، ويحتمل أن يقال: إنه يؤجل إلى أربعة أشهر، لانه أولى ممن ليس له عهد بالكلية.
والله تعالى أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبى بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتى ".
فبعث بها مع على بن أبى طالب.
__________
(1) صحل: بح.
(*)
وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة، وقال: حسن غريب من حديث أنس.
وقد روى عبدالله بن أحمد، عن لوين، عن محمد بن جابر، عن سماك عن حنش (1) عن على، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردف أبا بكر بعلى فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال: يارسول الله نزل في شئ ؟ قال: " لا ولكن جبريل جاءني فقال، لا يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك ".
وهذا ضعيف الاسناد، ومتنه فيه نكارة.
والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبى إسحاق، عن زيد بن أثيع (2) - رجل من همدان - قال: سألنا عليا: بأى شئ بعثت ؟ يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر في الحجة.
قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا.
وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبى إسحاق السبيعى، عن زيد بن أثيع، عن على به.
وقال: حسن صحيح.
ثم قال: وقد رواه شعبة، عن أبى إسحاق، فقال عن زيد بن أثيل.
ورواه الثوري عن أبى إسحاق، عن بعض أصحابه، عن على.
قلت: ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن أبى إسحاق، عن الحارث عن على.
__________
(1) غير أ: حلس، وهو تحريف، وهو حنش بن المعتمر أو ابن ربيعة بن المعتمر الكنانى الكوفى، يروى عن على وأبى ذر، وعنه الحكم وسماك ابن حرب..خلاصة التهذيب 81.
(2) الاصل: يثيع.
وما أثبته عن مسند أحمد 1 / 78 (*)
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبدالله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا ابن صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلى من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت على بن أبى طالب عن يوم الحج الاكبر.
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ابن أبى قحافة يقيم للناس
الحج، وبعثنى معه بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلى فقال: قم يا على فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا قأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبى بكر رضى الله عنه يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم.
قال على: فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة.
وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير، وذكرنا أسانيد الاحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية.
ولله الحمد والمنة.
قال الواقدي: وقد كان خرج مع أبى بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة، منهم عبدالرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة، ثم أردفه بعلى فلحقه بالعرج (1) فنادى ببراءة أمام الموسم.
فصل كان في هذه السنة - أعنى في سنة تسع - من الامور الحادثة: غزوة تبوك في رجب كما تقدم بيانه.
__________
(1) العرج: قرية جامعة في واد من نواحى الطائف، وقيل واد به.
المراصد.
(*)
قال الواقدي: وفى رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس.
وفى شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبدالمطلب، وقيل غسلها نسوة من الانصار فيهن أم عطية.
قلت: وهذا ثابت في الصحيحين، وثبت في الحديث أيضا أنه عليه السلام لما صلى
عليها وأراد دفنها قال: " لا يدخله أحد قارف الليلة أهله " فامتنع زوجها عثمان لذلك، ودفنها أبو طلحة الانصاري رضى الله عنه.
[ ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبى عبيدة وأبى طلحة ومن شابههم، فقال: " لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء "، إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بعيد.
والله أعلم (1) ].
وفيها صلح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل، كما تقدم إيضاح ذلك [ كله ] (1) في مواضعه.
وفيها هدم مسجد الضرار الذى بناه جماعة من المنافقين صورة مسجد، وهو دار حرب في الباطن، فأمر عليه السلام به فحرق.
وفى رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا إليهم بالامان [ وكسرت اللات كما تقدم (1) ].
وفيها توفى عبدالله بن أبى بن سلول رأس المنافقين لعنه الله في أواخرها.
وقبله بشهر (2)
__________
(1) سقط من ا (2) غير ا: بأشهر (*)
توفى معاوية بن معاوية الليثى - أو المزني - وهو الذى صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك، إن صح الخبر في ذلك.
وفيها حج أبو بكر رضى الله عنه بالناس عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك.
وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب، ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخارى وغيره.
كتاب الوفود الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب (1) من كل وجه.
قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمى سنة الوفود.
قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحى من قريش، لان قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم.
وقادة العرب لا ينكرون ذلك.
وكانت قريشي هي التى نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوخها الاسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كما قال الله عزوجل أفواجا يضربون إليه من كل وجه.
يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " [ أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك واستغفره إنه كان توابا ] (2): وقد قدمنا (3) حديث عمرو بن سلمة قال: كانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو [ نبى ] (2) صادق.
فلما كانت وقعة
__________
(1) ا: الوفود من العرب.
(2) ليست في ا.
(3) تقدم ذلك في الجزء الثالث من السيرة ص 609 (*)
أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر - أي قومي - بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا.
وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري.
قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقى بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع، بل وعلى فتح مكة.
وقد قال الله تعالى: " لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى " وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: " لا هجرة ولكن جهاد ونية ".
فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعده [ الله خيرا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة والله أعلم ] (1).
على أن هؤلاء الائمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء [ لم يذكروها، ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه، وننبه على ما ينبغى التنبيه عليه من ذلك ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان ] (2).
* * * وقد قال محمد بن عمر الواقدي: حدثنا كثير بن عبدالله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة، وذاك في رجب سنة خمس.
__________
(1) سقطت من ا.
(2) سقط من ا (*)
فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال: " أنتم مهاجرون
حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم " فرجعوا إلى بلادهم.
ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبى بإسناده، أن أول من قدم من مزينة خزاعي ابن عبد نهم ومعه عشرة من قومه مزينة، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ على إسلام قومه ]، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعى من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا، فلما بلغت خزاعيا شكا ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا.
قال: وهو أخو عبدالله ذى البجادين.
وقال البخاري رحمه الله: باب وفد بنى تميم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبى صخرة، عن صفوان بن محرز المازنى، عن عمران بن حصين، قال: أتى نفر من بنى تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اقبلوا البشرى يا بنى تميم " قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا - فرئى ذلك في وجهه.
ثم جاء (1) نفر من اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله.
ثم قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبره عن ابن أبى مليكة، أن عبدالله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بنى تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة.
فقال عمر: بل أمر الاقرع بن حابس.
فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافى.
فقال عمر: ما أردت خلافك.
__________
(1) ا: فجاء.
(*)
فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين
يدى الله ورسوله " حتى انقضت.
ورواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبى مليكة بألفاظ أخر.
وقد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى: " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " الآية.
* * * وقال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي، في أشراف من بنى تميم، منهم الاقرع ابن حابس التميمي، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بنى سعد - وعمرو بن الاهتم، والحبحاب (1) بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بنى سعد، في وفد عظيم من بنى تميم.
قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى، وقد كان الاقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بنى تميم كانا معهم.
ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد.
فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا.
قال: " قد أذنت لخطيبكم فليقل ".
فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذى له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذى
__________
(1) الاصل: الحجاب.
وما أثبته عن ابن هشام.
قال ابن هشام: الحتات: وهو الذى آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين معاوية بن أبى سفيان.
واختاره السهيلي في الروض.
(*)
جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة.
فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤوس الناس وألى فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لاكثرنا الكلام ولكن نخشى (1) من الاكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف [ بذلك ] (2) أقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا ثم جلس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخى بنى الحارث بن الخزرج: " قم فأجب الرجل في خطبته ".
فقام ثابت فقال: الحمد لله الذى السموات والارض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شئ قط إلا من فضله.
ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين.
[ ثم ] دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوى رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كان أول الخلق إجابة واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا.
أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم.
__________
(1) ابن هشام: نحيا (2) من ابن هشام.
(*)
فقام الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حى يعادلنا * منا الملوك وفينا تنضب البيع (1) وكم قسرنا من الاحياء كلهم * عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس القزع (2) بما ترى الناس تأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم نصطنع (3) فننحر الكوم عبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا (4) فما ترانا إلى حى نفاخرهم * إلا استفادوا وكانوا الرأس يقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه * فيرجع القوم والاخبار تستمع إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر نرتفع (5) قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال، عرضت في قوله وقلت على نحو ما قال.
فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان ثابت: " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال ".
فقال حسان: إن الذوائب من فهر وإخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته * تقوى الاله وكل الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة * إن الخلائق - فاعلم - شرها البدع
__________
(1) البيع: جمع بيعة، وهى موضع الصلاة.
(2) القزع: القطع من السحاب.
(3) الهوى: الاسراع.
(4) الكوم: الابل العظام الاسنمة.
وعبطا: من غير علة.
(5) قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها للزبرقان.
(*)
إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لادنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا (1) أعفة ذكرت في الوحى عفتهم * لا يطمعون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحى لم ندب لهم * كما يدب إلى الوحشية الذرع (2) نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلية في أرساغها فدع (3) خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الامر الذى منعوا فإن في حربهم - فاترك عداوتهم - * شرا يخاض عليه السم والسلع (4) أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفاوتت الاهواء والشيع أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره * فيما أحب لسان حائك صنع فإنهم أفضل الاحياء كلهم * إن جد في الناس جد القول أو شمعوا (5) * * * وقال ابن هشام: وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بنى تميم قام فقال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا * إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
__________
(1) ا، ت: قنعوا.
وفى ابن هشام: متعوا.
ومعناها: زادوا.
(2) الذرع: ولد البقرة الوحشية.
(3) المكتنع: القريب.
وحلية موضع كثير الاسود.
والفدع: اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل.
(4) السلع: نبت سام.
(5) شمعوا: مزحوا.
(*)
بأنا فروع الناس في كل موطن * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا * ونضرب رأس الاصيد المتفاقم وإن لنا المرباع في كل غارة * نغير بنجد أو بأرض الاعاجم قال: فقام حسان فأجابه فقال: هل المجد إلا السؤدد العود والندى * وجاه الملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا النبي محمدا * على أنف راض من معد وراغم بحى حريد أصله وثراؤه * بجابية الجولان وسط الاعاجم (1) نصرناه لما حل بين ديارنا (2) * بأسيافنا من كل باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا * وطبنا له نفسا بفئ المغانم ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا * على دينه بالمرهفات الصوارم ونحن ولدنا من قريش عظيمها * ولدنا نبى الخير من آل هاشم بنى دارم لا تفخروا إن فخركم * يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم * لنا خول من بين ظئر وخادم فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم * وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا * ولا تلبسوا زيا كزى الاعاجم * * * قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الاقرع بن حابس: وأبى إن هذا لمؤتى له ! لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولاصواتهم أعلى من أصواتنا.
__________
(1) الحريد: المنفرد.
وجابية الجولان: قرية من أعمال دمشق.
المراصد.
(2) غير ا: بيوتنا.
(*)
قال: فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم.
وكان عمرو بن الاهتم قد خلفه القوم في رحالهم، وكان أصغرهم سنا، فقال قيس ابن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الاهتم -: يا رسول الله إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث.
وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم.
فقال عمرو بن الاهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك، يهجوه: ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب (1) سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم * باد نواجذه مقع على الذنب (2) وقد روى الحافظ البيهقى من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الاهتم، فقال لعمرو بن الاهتم: " أخبرني عن الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه " وأراه كان قد عرف قيسا.
قال: فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره.
فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أنى أفضل مما قال.
قال فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زمر (3) المروءة، ضيق العطن، أحمق الاب، لئيم الخال.
ثم قال: يا رسول الله قد صدقت فيهما جميعا، أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان سحرا ".
وهذا مرسل من هذا الوجه.
__________
(1) الهلباء: يريد الدبر، والهلب: شعر الذنب (2) الرهو: المتسع.
(3) زمر المرءوة: قليلها.
(*)
قال البيهقى: وقد روى من وجه آخر موصولا: أنبأنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملى، حدثنا محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي، حدثنا محمد بن عبدالله ابن الحسن العلاف ببغداد، حدثنا على بن حرب الطائى، أنبأنا أبو سعد بن الهيثم بن محفوظ، عن أبى المقوم يحيى بن يزيد الانصاري، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الاهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك - يعنى عمرو بن الاهتم - فقال عمرو بن الاهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه.
فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم منى غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد.
فقال عمرو بن الاهتم: أنا أحسدك ؟ فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الاولى والاخرى جميعا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان سحرا ".
وهذا إسناد غريب جدا.
[ وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنهم كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصارى ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا، فقدم رؤساؤهم بسبب أسراهم، ويقال قدم منهم تسعون - أو ثمانون - رجلا في ذلك منهم عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد والاقرع بن حابس
ورباح بن الحارث وعمرو بن الاهتم، فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم، فعجل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات، فنزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم، وأنه عليه السلام أجازهم كل رجل اثنى عشر أوقية ونشا، إلا عمرو بن الاهتم فإنما أعطى خمس أواق لحداثة سنه.
والله أعلم ] (1) قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ".
قال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزى، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبى إسحاق، عن البراء في قوله: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ".
قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن حمدى زين، وذمى شين.
فقال: " ذاك الله عزوجل ".
وهذا إسناد جيد متصل.
وقد روى عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما.
وقد وقع تسمية هذا الرجل فقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبى سلمة، عن عبدالرحمن، عن الاقرع بن حابس، أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد يا محمد.
وفى رواية: يا رسول الله.
فلم يجبه.
فقال: يارسول الله إن حمدى لزين، وإن ذمى لشين.
فقال: " ذاك الله عزوجل ".
__________
(1) تأخرت في ا إلى نهاية الفصل.
(*)
فصل في فضل بنى تميم
قال البخاري: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة، قال: لا أزال أحب بنى تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم: " هم أشد أمتى على الدجال " وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال " أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل " وجاءت صدقاتهم فقال: " هذه صدقات قوم - أو قومي - " وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به.
[ وهذا الحديث يرد على قتادة (1) ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا * ولو سلكت طرق الرشاد لضلت ولو أن برغوثا على ظهر قملة * رأته تميم من بعيد لولت ] (2) وفد بنى عبدالقيس ثم قال البخاري بعد وفد بنى تميم: باب وفد عبدالقيس.
حدثنا أبو إسحاق (3)، حدثنا أبو عامر العقدى، حدثنا قرة، عن أبى جمرة (4) قال قلت لابن عباس: إن لى جرة ينتبذ لى فيها فأشربه حلوا في جر (5) إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح ؟ فقال: قدم وفد عبدالقيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مرحبا
__________
(1) كذا بالاصل.
(2) سقط من ا.
(3) البخاري: حدثنى إسحق.
(4) الاصل: عن أبى حمزة.
والتصويب من صحيح البخاري 2 / 266 (5) الجر: كل شئ يصنع من المدر.
(*)
بالقوم غير خزايا ولا الندامى " فقالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فحدثنا بجميل (1) من الامر إن عملنا به دخلنا
الجنة وندعو به من وراءنا.
قال: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع ; الايمان بالله، هل تدرون ما الايمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس.
وأنهاكم عن أربع: ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت " (2).
وهكذا رواه مسلم من حديث قرة بن خالد، عن أبى جمرة به.
وله طرق في الصحيحين عن أبى جمرة.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة، عن أبى جمرة، سمعت ابن عباس يقول: إن وفد عبدالقيس لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ممن القوم ؟ " قالوا: من ربيعة.
قال: " مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى ".
فقالوا: يا رسول الله إنا حى من ربيعة، وإنا ناتيك من شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل ندعو إليه من وراءنا وندخل به الجنة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع.
آمركم بالايمان بالله وحده.
أتدرون ما الايمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس.
وأنهاكم
__________
(1) صحيح مسلم: بأمر فصل.
وفى البخاري: بجمل من الامر.
(3) الدباء: القرع اليابس، والمراد: الوعاء منه.
والخنتم: جرار خضر.
والنقير: جذع ينقر وسطه والمزفت: المطلى بالقار.
(*)
عن أربع.
عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت - وربما قال والمقير - فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم ".
وقد أخرجه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه.
وقد رواه مسلم من حديث سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد بحديث قصتهم بمثل هذا السياق.
وعنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاشج عبدالقيس: " إن فيك لخلتين يحبهما الله عزوجل ; الحلم والاناة " وفى رواية: " يحبهما الله ورسوله " فقال: يا رسول الله [ تخلقتهما أم جبلني الله عليهما ؟ فقال: " جبلك الله عليهما " فقال: الحمد لله الذى جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله (1) ].
* * * وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم، حدثنا مطر بن عبدالرحمن، سمعت هندا بنت الوازع، أنها سمعت الوازع يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والاشج المنذر بن عامر - أو عامر بن المنذر - ومعهم رجل مصاب، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا من رواحلهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلوا يده، ثم نزل الاشج فعقل راحلته وأخرج عيبته ففتحها فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله عزوجل ورسوله: الحلم والاناة " فقال: يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما ؟ فقال: " بل الله جبلك عليهما " قال: الحمد لله الذى جبلني على خلقين يحبهما الله عزوجل ورسوله.
فقال الوازع: يا رسول الله إن معى خالا لى مصابا، فادع الله له.
فقال: " أين هو
__________
(1) سقط من ا.
(*)
ائتنى به " قال: فصنعت مثل ما صنع الاشج، ألبسته ثوبيه وأتيته، فأخذ من ردائه (1)
يرفعهما حتى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال: " اخرج عدو الله " فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح.
وروى الحافظ البيهقى من طريق هود بن عبدالله بن سعد، أنه سمع جده مزيدة العبدى، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: " سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق ".
فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكبا، فقال: من القوم ؟ فقالوا: من بنى عبدالقيس.
قال: فما أقدمكم هذه البلاد، التجارة ؟ قالوا: لا.
قال: أما إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفا فقال خيرا.
ثم مشوا معه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذى تريدون.
فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم، فمنهم من مشى ومنهم من هرول ومنهم من سعى، حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا بيده فقبلوها، وتخلف الاشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشى حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله ".
قال: جبل جبلت عليه أم تخلقا منى ؟ قال: بل جبل.
فقال: الحمد لله الذى جبلني على ما يحب الله ورسوله.
* * * وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبدالقيس.
قال ابن هشام: وهو الجارود بن بشر بن المعلى.
في وفد عبدالقيس وكان نصرانيا.
__________
(1) غير ا: من ورائه.
(*)
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الحسن (1) قال: لما انتهى إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم كلمه فعرض عليه الاسلام ودعاه إليه ورغبه فيه، فقال: يا محمد إنى كنت على دين وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه " قال: فأسلم وأسلم أصحابه.
ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال: والله ما عندي ما أحملكم عليه ".
قال: يا رسول الله فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا ؟ قال: لا، إياك وإياها، فإنما تلك حرق النار.
قال: فخرج الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الاسلام صلبا على دينه حتى هلك.
وقد أدرك الردة، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الاول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الاسلام فقال: أيها الناس إنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يشهد.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدى فأسلم فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين.
ولهذا روى البخاري من حديث إبراهيم بن طهمان عن أبى جمرة، عن ابن عباس،
__________
(1) ابن هشام: عن الحسين (*)
قال: أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبدالقيس بجواثى من البحرين.
وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبدالقيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها.
قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبدالقيس كان قبل فتح مكة لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحى من مضر، لا نصل إليك إلا في شهر حرام.
والله أعلم.
قصة ثمامة ووفد بنى حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب لعنه الله قال البخاري: باب وفد بنى حنيفة وقصة ثمامة بن أثال.
حدثنا عبدالله بن يوسف، حدثنا الليث بن سعد، حدثنى سعيد بن أبى سعيد، سمع أبا هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سوارى المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما عندك يا ثمامة " ؟ قال: عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت.
فتركه حتى كان الغد ثم قال له: " ما عندك يا ثمامة " ؟ فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى بعد الغد فقال: " ما عندك يا ثمامة " ؟ فقال عندي ما قلت لك.
فقال: " أطلقوا ثمامة ".
فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الارض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلى، والله ما كان دين أبغض إلى من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلى، والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك فأصبح بلدك
أحب البلاد إلى، وإن خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت ؟ قال: لا ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به.
وفى ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر.
وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه وإنما أسر وقدم به في الوثاق فربط بسارية من سوارى المسجد.
ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر، وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح، لان أهل مكة عيروه بالاسلام وقالوا: أصبوت ؟ فتوعدهم بأنه لا يفد إليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب لم يسلم أهلها بعد.
والله أعلم.
ولهذا ذكر الحافظ البيهقى قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة وهو أشبه، ولكن ذكرناه هاهنا إتباعا للبخاري رحمه الله.
* * * وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن عبدالله بن أبى حسين،
حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل لى محمد الامر من بعده اتبعته.
وقدم في بشر كثير من قومه.
فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد
رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال له: " لو سألتنى هذه القطعة ما أعطيتكها (1)، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإنى لاراك الذى رأيت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عنى " ثم انصرف عنه.
قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك الذى رأيت فيه ما أريت " فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدى سوارين من ذهب فأهمنى شأنهما، فأوحى إلى في المنام: أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدى أحدهما الاسود العنسى والآخر مسيلمة ".
ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر (2)، حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر، عن همام بن منبه (3)، أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم أتيت بخزائن الارض فوضع في كفى سواران من ذهب، فكبرا على فأوحى إلى: أن انفخهما.
فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما ؟ صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة ".
ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن محمد الجرمى، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبى، عن صالح، عن ابن عبيدة، بن نشيط - وكان في موضع آخر اسمه عبدالله - أن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث وكان تحته بنت الحارث بن كريز وهى أم عبدالله بن عامر بن كريز، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذى يقال له:
__________
(1) الاصل: أعطيتها.
وما أثبته عن صحيح البخاري 1 / 268.
(2) الاصل: منصور.
وما أثبته عن البخاري.
(3) الاصل: هشام بن أمية.
وما أثبته عن البخاري.
(*)
خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خليت بينك وبين الامر، ثم
جعلته لنا بعدك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو سألتنى هذا القضيب ما أعطيتكه وإنى لاراك (1) الذى رأيت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عنى " فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عبيدالله بن عبدالله: سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكر، فقال ابن عباس: ذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم أريت أنه وضع في يدى سواران من ذهب ففظعتهما (2) وكرهتهما، فأذن لى فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان ".
فقال عبيد الله: أحدهما العنسى الذى قتله فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب.
* * * وقال محمد ابن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى حنيفة فيهم مسيلمة [ بن حبيب الكذاب.
قال ابن هشام: وهو مسيلمة (3) ] بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هفان بن ذهل بن الدول بن حنيفة، ويكنى أبا ثمامة وقيل أبا هارون، وكان قد تسمى بالرحمن فكان يقال له رحمن اليمامة، وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابا من النيرجات (4)، فكان يدخل البيضة إلى القاروة، وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله، ويدعى أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها.
قال ابن إسحاق: وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الانصار ثم من بنى النجار.
__________
(1) ا: وإنى أراك.
(2) ففظعتهما: كرهتهما.
وفى الاصل: فقطعتهما.
وهو تحريف.
(3) سقط من المطبوعة.
(4) السهيلي: النيروجات.
وفى القاموس: النيرنج: أخذ كالسحر وليس به.
(*)
[ قال السهيلي: هي زينب، وقيل كيسة (1) بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس، وكان مسيلمة قد تزوجها قديما ثم فارقها، فلهذا نزلوا في دارها (2) ].
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بنى حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو سألتنى هذا العسيب ما أعطيتكه ".
قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا، وزعم أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا: يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفى ركائبنا يحفظها لنا.
قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال: " أما إنه ليس بشركم مكانا " أي لحفظه ضيعة أصحابه.
ذلك الذى يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إنى قد أشركت في الامر معه.
وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: " أما إنه ليس بشركم مكانا " ما ذاك إلا لما كان يعلم أنى قد أشركت في الامر معه.
ثم جعل يسجع لهم السجعات ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على
__________
(1) الاصل: كبشة وما أثبته عن الروض الانف 2 / 341.
(2) سقط من المطبوعة.
(*)
الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق (1) وحشا.
وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبى.
فأصفقت (2) معه بنو حنيفة على ذلك.
قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان.
* * * وذكر السهيلي وغيره أن الرحال بن عنفوة - واسمه نهار بن عنفوة - وكان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة، وقد مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أبى هريرة وفرات بن حيان فقال لهم: " أحدكم ضرسه في النار مثل أحد ".
فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرحال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه في الامر معه، وألقى إليه شيئا مما كان يحفظه من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه، فحصل بذلك فتنة عظيمة لبنى حنيفة، وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة.
قال السهيلي: وكان مؤذن مسيلمة يقال له حجير، وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل.
وأضيف إليهم سجاح، وكانت تكنى أم صادر، وتزوجها مسيلمة، وله معها أخبار فاحشة، واسم مؤذنها زهير بن عمرو، وقيل جنبة بن طارق، ويقال إن شبث ابن ربعى أذن لها أيضا ثم أسلم، وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها.
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى
__________
(1) الصفاق: جلد البطن.
(2) أصفقت: اجتمعت.
(*)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ; سلام عليك.
أما بعد فإنى قد أشركت في الامر معك، فإن لنا نصف الامر ولقريش نصف الامر، ولكن قريشا قوم يعتدون.
فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
" بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب.
سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ".
قال: وكان ذلك في آخر سنة عشر - يعنى ورود هذا الكتاب.
[ وقد روى البخاري قصة هذا الكتاب في صحيحه.
] (1) قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: فحدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم بن مسعود، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: " وأنتما تقولان مثل ما يقول ؟ " قالا: نعم.
فقال أما والله لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبى وائل عن عبدالله بن مسعود.
قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: " أتشهدان أنى رسول الله " فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما ".
قال عبدالله بن مسعود: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل.
قال عبدالله: فأما ابن أثال فقد كفاه الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه.
__________
(1) من ا.
(*)
قال الحافظ البيهقى: أما أسامة بن أثال فإنه أسلم.
وقد مضى الحديث في إسلامه (1).
وأما ابن النواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبى إسحاق المزني، أنبأنا أبو عبدالله محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا جعفر بن عون، أنبأنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم، قال جاء رجل إلى عبدالله بن مسعود فقال: إنى مررت ببعض مساجد بنى حنيفة وهم يقرءون قراءة ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم: والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما.
قال: فأرسل إليهم عبدالله فأتى بهم وهم سبعون رجلا، ورأسهم عبدالله بن النواحة.
قال: فأمر به عبدالله فقتل ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء، ولكن نحوزهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم.
* * * وقال الواقدي: كان وفد بنى حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة، وفيهم الرحال بن عنفوة وطلق بن على وعلى بن سنان ومسيلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت عليهم الضيافة، فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا، ومرة خبزا وسمنا، ومرة تمرا بنزلهم.
فلما قدموا المسجد أسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم، ولما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم، لما ذكروا أنه في رحالهم، فقال: " أما إنه ليس بشركم مكانا ".
__________
(1) تقدم ذلك في هذا الجزء.
(*)
فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، فقال: إنما قال ذلك لانه عرف أن الامر لى من بعده.
وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة.
قال الواقدي: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معهم بإداوة فيها فضل طهوره، وأمرهم أن يهدموا بيعتهم وينضحوا هذا الماء مكانه ويتخذه مسجدا ففعلوا.
وسيأتى ذكر مقتل الاسود العنسى في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق.
وفد أهل نجران قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه.
قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا.
قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا رجلا أمينا، فقال: " لابعثن معكم رجلا أمينا حق أمين ".
فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم يا أبا عبيدة ابن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أمين هذه الامة ".
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة، عن أبى إسحاق به.
* * *
وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى
ابن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه عن جده - قال يونس: وكان نصرانيا فأسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان " باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران أسلم أنتم، فإنى أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ; أما بعد فإنى أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام ".
فلما أتى الاسقف الكتاب فقرأه فظع به وذعر به ذعرا شديدا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة - وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الابهم ولا السيد ولا العاقب -.
فدفع الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه، فقال الاسقف: يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ؟ ليس لى في النبوة رأى ولو كان أمرا من أمور الدنيا لاشرت عليك فيه برأى وجهدت لك.
فقال له الاسقف: تنح فاجلس.
فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته.
فبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبدالله بن شرحبيل، وهو من ذى أصبح من حمير، فأقراه الكتاب وسأله عن الرأى، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الاسقف: تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحيته.
وبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بنى الحارث ابن كعب أحد بنى الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأى فيه، فقال له مثل
قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الاسقف فتنحى فجلس ناحيته
فلما اجتمع الرأى منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الاسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع.
فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأى فيه.
فاجتمع رأى أهل الرأى منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله ابن شرحبيل الاصبحي وجبار بن فيض الحارثى، فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * * قال: فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب.
فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانوا يعرفونهما، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والانصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبدالرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأى منكما، أترون أن نرجع ؟ فقالا لعلى بن أبى طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال
على لعثمان ولعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم
ثم يعودوا إليه.
ففعلوا فسلموا فرد سلامهم، ثم قال: " والذى بعثنى بالحق لقد أتونى المرة الاولى وإن إبليس لمعهم ".
ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما عندي فيه شئ يومى هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى ".
فأصبح الغد وقد أنزل الله عزوجل هذه الآية: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين.
فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " (1).
فأبوا أن يقروا بذلك.
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشى عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة.
فقال شرحبيل لصاحبيه: قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيى، وإنى والله أرى أمرا ثقيلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا أدنى العرب منهم جوارا،
__________
(1) سورة آل عمران 59 - 61.
(*)
ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الارض منا شعر
ولا ظفر إلا هلك.
فقال له صاحباه: فما الرأى يا أبا مريم ؟ فقال: رأيى أن أحكمه، فإنى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا.
فقالا له: أنت وذاك.
قال فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى قد رأيت خيرا من ملاعنتك.
فقال: " وما هو ؟ " فقال: حكمك اليوم إلى الليل.
وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعل وراءك أحدا يثرب (1) عليك ؟ " فقال شرحبيل: سل صاحبي، فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأى شرحبيل.
فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم، حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي [ الامي (2) ] رسول الله لنجران، أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ألفى حلة، في كل رجب ألف حلة، وفى كل صفر ألف حلة " وذكر تمام الشروط.
إلى أن قال: شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف من بنى نصر والاقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة، وكتب.
حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الاسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسقف، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران
__________
(1) يثرب: يلوم.
(2) ليست في ا.
(*)
إذ كبت ببشر ناقته، فتعس بشر، غير أنه لا يكنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له الاسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا.
فقال له بشر: لا جرم، والله لا أحل عنها عقدا حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وصرف وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الاسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عنى، إنما قلت هذا ليبلغ (1) عنى العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نخعنا (2) لهذا الرجل بما لم تنخع به العرب، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا، فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا.
فضرب بشر ناقته وهو مولى الاسقف ظهره، وارتجز يقول: إليك تغدو قلقا وضينها (3) * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك.
* * * قال: ودخل الوفد نجران، فأتى الراهب ابن أبى شمر الزبيدى وهو في رأس صومعته فقال له: إن نبيا بعث بتهامة.
فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا، وأن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم.
فقال الراهب: أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة.
قال: فأنزلوه فأخذ
__________
(1) ا: فبلغ.
(2) نخعنا: أقررنا.
(3) الوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر.
وقلق الوضين: كناية عن الهزال.
(*)
معه هدية وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها هذا البرد الذى يلبسه الخلفاء وقعب وعصا.
فأقام مدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع الوحى، ثم رجع إلى قومه
ولم يقدر له الاسلام، ووعد أنه سيعود فلم يقدر له حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن الاسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه، وكتب للاسقف هذا الكتاب ولاساقفة نجران بعده: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للاسقف أبى الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم (1) وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله، لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدا ما أصلحوا ونصحوا عليهم، غير مبتلين بظلم ولا ظالمين.
وكتب المغيرة بن شعبة.
* * * وذكر محمد بن إسحاق أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد وهو الابهم وأبو حارثة بن علقمة وأوس بن الحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس.
وأمر هؤلاء الاربعة عشر يؤول إلى ثلاثة منهم وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذى لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان ثمالهم (2)
__________
(1) ا: ورهابينهم.
(2) ثمالهم: ملجأهم.
(*)
وصاحب رحلهم، وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وكان رجلا من العرب من بكر بن وائل ولكن دخل دين النصرانية فعظمته الروم وشرفوه وبنوا له الكنائس ومولوه وأخدموه لما يعرفون من صلابته في دينهم، وكان مع ذلك يعرف أمر (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن صده الشرف والجاه من
اتباع الحق.
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثنى بريدة بن سفيان، عن ابن البيلمانى (2)، عن كرز (3) بن علقمة، قال: قدم وفد نصارى نجران ستون راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، والاربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب والسيد وأبو حارثة أحد بنى بكر بن وائل أسقفهم وصاحب مدراسهم (4) وكانوا قد شرفوه فيهم ومولوه وأكرموه، وبسطوا عليه الكرامات وبنوا له الكنائس لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.
فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبى حارثة، فقال كرز: تعس الابعد - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم -.
فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست.
فقال له كرز: ولم يا أخى ؟ فقال، والله إنه للنبى الذى كنا ننتظره.
فقال له كرز: وما يمنعك وأنت تعلم هذا ؟ فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأخدمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى.
قال: فأضمر عليها منه أخوه كرز، حتى أسلم بعد ذلك.
__________
(1) ا: أمور (2) ا: السيلمانى.
(3) ابن هشام: كوز.
(4) غيرا:.
مدارستهم.
(*)
وذكر ابن إسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوى دخلوا في تجمل وثياب حسان، وقد حانت صلاة العصر فقاموا يصلون إلى المشرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم.
فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب حتى نزل فيهم صدر سورة
آل عمران والمباهلة، فأبوا ذلك، وسألوا أن يرسل معهم أمينا، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح.
كما تقدم في رواية البخاري.
وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران ولله الحمد والمنة.
وفد بنى عامر وقصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس لعنهم الله قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى عامر، فيهم عامر ابن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر وحيان (1) بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم.
وقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به.
وقد قال له قومه: يا أبا عامر (2) إن الناس قد أسلموا فأسلم.
قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهى حتى تتبع العرب عقبى فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش.
ثم قال لاربد: إن قدمنا على الرجل فإنى سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف.
فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالنى (3) قال: " لا والله حتى تؤمن بالله وحده " قال: يا محمد خالنى، قال: وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يحير (4) شيئا، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال: يا محمد خالنى، قال: " لا، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له ".
فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا.
فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اكفني عامر ابن الطفيل ".
فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل لاربد: أين
__________
(1) كذا بالاصل، وهى رواية، وفى ابن هشام: وجبار.
(2) ابن هشام: يا عامر.
(3) خالنى: تفرد لى خاليا وبالتشديد: اتخذني خليلا (4) ا: يحيك.
(*)
ما كنت أمرتك به ؟ والله ماكان على ظهر الارض رجل أخوف على نفسي منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا.
قال: لا أبالك لا تعجل على، والله ما هممت بالذى أمرتنى به إلا دخلت بينى وبين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف ؟ ! وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عزوجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر أغدة كغدة البكر (1) في بيت امرأة من بنى سلول ؟ قال ابن هشام: ويقال: أغدة كغدة الابل وموت في بيت سلولية ! * * * وروى الحافظ البيهقى من طريق الزبير بن بكار، حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن موءلة، عن أبيها، عن جدها موءلة بن حميل (2) قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " يا عامر أسلم " فقال: أسلم على أن لى الوبر ولك المدر.
قال: " لا ".
ثم قال: أسلم.
فقال: أسلم على أن لى الوبر ولك المدر قال: لا.
فولى وهو يقول: والله يا محمد لاملانها عليك خيلا جردا ورجالا مردا ولاربطن بكل نخلة فرسا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامرا وأهد قومه.
فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه يقال لها سلولية، فنزل عن
فرسه ونام في بيتها، فأخذته غدة في حلقه، فوثب على فرسه وأخذ رمحه وأقبل يجول وهو يقول: غدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية ! فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا.
__________
(1) البكر: الفتى من الابل.
(3) في القاموس: موءلة بن كثيف بن حمل.
(*)
وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في أسماء الصحابة موءلة هذا فقال: هو موءلة بن كثيف الضبابى الكلابي العامري، من بنى عامر بن صعصعة، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة فأسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يدعى ذا اللسانين من فصاحته، روى عنه ابنه عبد العزيز، وهو الذى روى قصة عامر ابن الطفيل: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
قال الزبير بن بكار، حدثتني ظمياء بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن حمل ابن خالد بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قالت: حدثنى أبى عن أبيه، عن موءلة، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو ابن عشرين سنة، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح يمينه وساق إبله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقها بنت لبون، ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاش في الاسلام مائة سنة، وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته.
قلت: والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح.
وذلك لما رواه الحافظ البيهقى عن الحاكم، عن الاصم، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق الفزارى، عن الاوزاعي، عن إسحاق بن عبدالله ابن أبى طلحة، عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك، وغدره بأصحاب بئر معونة حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية
كما تقدم.
قال الاوزاعي: قال يحيى: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا: " اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت وابعث عليه ما يقتله " فبعث الله عليه الطاعون.
وروى عن همام، عن إسحاق بن عبدالله، عن أنس في قصة حرام بن ملحان قال: وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ويكون لى أهل الوبر، وأكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء.
قال، فطعن في بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة من بنى فلان ! ائتونى بفرسي.
فركب فمات على ظهر فرسه.
قال ابن إسحاق: ثم خرج أصحابه حتى واروه حتى قدموا أرض بنى عامر شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: وما وراءك يا أربد ؟ قال: لا شئ، والله لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله الآن.
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.
قال ابن إسحاق: وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه، فقال لبيد يبكى أربد: ما إن تعدى (1) المنون من أحد * لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والاسد فعين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام النساء في كبد إن يشغبوا لا يبال شغبهم * أو يقصدوا في الحكوم يقتصد
حلو أريب وفى حلاوته * مر لصيق الاحشاء والكبد (2) وعين هلا بكيت أربد إذ * ألوت رياح الشتاء بالعضد (3)
__________
(1) تعدى: تترك.
وفى الاصل: تعزى.
وما أثبته عن ابن هشام 2 / 569.
(2) ابن هشام: لطيف الاحشاء.
(3) العضد: الشجر المعضود، الذى سقطت أوراقه.
(*)
وأصبحت لاقحا مصرمة * حتى تجلت غوابر المدد (1) أشجع من ليث غابة لحم * ذو نهمة في العلا ومنتقد (2) لا تبلغ العين كل نهمتها * ليلة تمسى الجياد كالقدد (3) الباعث النوح في مآتمه * مثل الظباء الابكار بالجرد (4) فجعني البرق والصواعق بالفا * رس يوم الكريهة النجد والحارب الجابر الحريب إذا * جاء نكيبا وإن يعد يعد (5) يعفو على الجهد والسؤال كما * ينبت غيث الربيع ذو الرصد (6) كل بنى حرة مصيرهم * قل وإن أكثروا من العدد (7) إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * يوما فهم للهلاك والنفد (8) وقد ذكر ابن إسحاق عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لامه أربد بن قيس، تركناها اختصارا واكتفاء بما أوردناه.
والله الموفق للصواب.
* * * قال ابن هشام: وذكر زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: فأنزل الله عزل وجل في عامر وأربد: " الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد.
وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.
سواء منكم
__________
(1) اللاقح: الشجرة التى ألقحتها الرياح.
والمصرمة: التى لا ثمر لها.
والغواير: البقايا.
(2) اللحم: الاكول للحم القرم إليه.
والمنتقد: النظر والرأى.
(3) القدد: جمع قدة وهى السير يقطع من جلد، يشبه به الخيل في الهزال والضمور.
(4) النوح: النساء النائحات.
والجرد: الارض المقفرة.
(5) الحارب: السالب للاعداء.
والحريب: الذى سلب ماله.
(6) يعفو: يكثر عطاؤه.
والرصد: القليل من الكلا.
(7) ابن هشام: وإن كثرت.
(8) يغبطوا: يحسدوا على نعمتهم.
يهبطوا: يحرموا.
وأمروا: كثروا واشتدوا.
(*)
من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار.
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى: " وأذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال.
هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (1) ".
قلت: وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد.
ولله الحمد والمنة.
وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام رحمه الله.
فروينا من طريق الحافظ أبى القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال: حدثنا مسعدة بن سعد العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنى عبد العزيز بن عمران، حدثنى عبدالرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه: فقال عامر بن الطفيل، يا محمد ما تجعل لى إن
أسلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ".
قال عامر: أتجعل لى الامر إن أسلمت من بعدك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل ".
قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لى الوبر ولك المدر.
__________
(1) سورة الرعد.
(*)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ".
فلما قفل (1) من عنده قال عامر، أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يمنعك الله ".
فلما خرج أربد وعامر قال عامر: يا أربد أنا أشغل عنك محمد بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدية.
قال أربد: أفعل.
فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معى أكلمك.
فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم خليا إلى الجدار ووقف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما.
فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانا بالحرة حرة واقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: اشخصا ياعدوا الله لعنكما الله.
فقال عامر: من هذا يا سعد ؟ قال: أسيد بن حضير الكتائب.
فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بنى سلول،
فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية ؟ يرغب (2) أن يموت في بيتها.
ثم ركب فرسه فأحضرها حتى مات عليه راجعا، فأنزل الله فيهما.
" الله يعلم
__________
(1) الاصل: قفا (2) يرغب: يكره.
(*)
ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد " إلى قوله: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه " يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر أربد وما قتله به فقال: " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء " الآية.
وفى هذا السياق دلالة على تقدم قصة عامر وأربد، وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه.
والله أعلم.
وقد تقدم (1) وفود الطفيل بن عامر الدوسى رضى الله عنه على رسول لله صلى الله عليه وسلم بمكة وإسلامه، وكيف جعل الله له نورا بين عينيه، ثم سأل الله فحوله له إلى طرف سوطه.
وبسطنا ذلك هنالك فلا حاجة إلى إعادته هاهنا كما صنع البيهقى وغيره.
قدوم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا عن قومه بنى سعد بن بكر قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب، عن ابن عباس.
قال: بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين.
فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال: أيكم ابن
عبدالمطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن عبدالمطلب ".
__________
(1) تقدم ذلك في الجزء الاول.
(*)
فقال: يا محمد.
قال: نعم.
قال: يابن عبدالمطلب إنى سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك.
قال: " لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك ".
فقال: أنشدك إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولا ؟ قال: " اللهم نعم ".
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الانداد التى كان آباؤنا يعبدون ؟ قال: اللهم نعم.
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك إن نصلى هذه الصلوات الخمس ؟ قال: " نعم ".
قال: ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة، الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الاسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التى قبلها.
حتى إذا فرغ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعا.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة ".
قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى.
فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون !
فقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه قال، فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما.
قال، يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
وهكذا رواه الامام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق فذكره.
وقد روى هذا الحديث أبو داود من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب، عن ابن عباس بنحوه.
وفى هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح، لان العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح.
* * * وقد قال الواقدي: حدثنى أبو بكر بن عبدالله بن أبى سبرة، عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة، وكان جلدا أشعر ذا غديرتين وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فأغلظ له في المسألة، سأله عمن أرسله وبم أرسله، وسأله عن شرائع الاسلام، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله، فرجع إلى قومه مسلما قد خلع الانداد،، فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما، وبنوا المساجد
وأذنوا بالصلاة.
وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان - يعنى ابن المغيرة - عن
ثابت، عن أنس بن مالك، قال، كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع.
فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك.
قال: صدق.
قال: فمن خلق السماء ؟ قال: الله.
قال: فمن خلق الارض ؟ قال: الله.
قال.
: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال: الله.
قال: فبالذى خلق السماء وخلق الارض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك ؟ قال، نعم.
قال: وزعم رسولك أن علبنا خمس صلوات في يومنا وليلتنا.
قال: صدق.
قال: فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا.
قال: صدق.
قال، فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا.
قال: صدق.
قال: فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا.
قال: صدق.
قال: ثم ولى فقال: والذى بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص عليهن شيئا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن صدق ليدخلن الجنة ".
[ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة، عن أنس بن
مالك رضى الله عنه (1).
__________
(1) سقط من ا.
(*)
وقد رواه مسلم من حديث أبى النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة.
وعلقه البخاري من طريقه.
وقد أخرجه من وجه آخر بنحوه.
فقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنى سعيد بن أبى سعيد، عن شريك بن عبدالله بن أبى نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال، أيكم محمد ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم قال: فقلنا: هذا الرجل الابيض المتكئ.
فقال الرجل: يابن عبدالمطلب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك.
فقال الرجل: يا محمد إنى سائلك فمشتد عليك في المسألة، فلا تجد على في نفسك.
فقال: سل ما بدا لك.
فقال الرجل: أنشدك بربك ورب من كان قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم نعم ".
[ قال: فأنشدك الله آلله أمرك أن نصلى الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال: اللهم نعم (1) ].
قال، فأنشدك الله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم نعم ! ".
[ قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم (1) ] قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سعد بن بكر.
__________
(1) سقط من المطبوعة.
(*)
وقد رواه الامام البخاري عن عبدالله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبرى به.
وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الليث به.
والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث.
قال: حدثنى ابن عجلان وغيره من أصحابنا، عن سعيد المقبرى، عن شريك، عن أنس بن مالك.
فذكره.
وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيدالله العمرى، عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة، فلعله عن سعيد المقبرى من الوجهين جميعا.
والله أعلم.
فصل وقد قدمنا (1) ما رواه الامام أحمد عن يحيى بن آدم، عن حفص بن غياث، عن داود بن أبى هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قدوم ضماد الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وإسلامه وإسلام قومه.
كما ذكرناه مبسوطا بما أغنى عن إعادته هاهنا.
ولله الحمد والمنة.
وفد طيئ مع زيد الخيل رضى الله عنه [ وهو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب، أبو مكنف الطائى، وكان من أحسن العرب وأطوله رجلا.
وسمى زيد الخيل لخمس أفراس كن له.
قال السهيلي: ولهن أسماء لا يحضرني الآن حفظها ] (2).
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ وفيهم
__________
(1) سبق ذلك في الجزء الاول.
(2) سقطت من المطبوعة (*)
زيد الخيل وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فأسلموا فحسن إسلامهم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنى من لا أتهم من رجال طيئ: " ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل الذى فيه ".
ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيدا (1) وأرضين معه، وكتب له بذلك.
فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى قومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه " (2) قال: وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى وغير أم ملدم - لم يثبته (3) -.
قال ابن إسحق: فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها، ولما أحس بالموت قال: أمرتحل قومي المشارق غدوة * وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني * عوائد من لم يبر منهن يجهد (4) قال: ولما مات عمدت امرأته لجهلها وقلة عقلها ودينها إلى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار.
قلت: وقد ثبت في الصحيحين عن أبى سعيد، أن على بن أبى طالب بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في تربتها، فقسمها رسول الله صلى الله عليه
__________
(1) فيد: موضع بشرقي سلمى أحد جبلى طيئ.
(2) قال: (3) قال السهيلي: الاسم الذى ذهب عن الراوى من أسماء الحمى هو أم كلبة.
ذكر لى أن أبا عبيدة ذكره في مقاتل الفرسان.
ولم أره.
الروض 2 / 342.
(4) يبر: يضني.
(*)
وسلم بين أربعة: زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، والاقرع بن حابس، وعيينة بن بدر الحديث.
وسيأتى ذكره في بعث على إلى اليمن إن شاء الله تعالى.
قصة عدى بن حاتم الطائى قال البخاري في الصحيح: وفد طيئ وحديث عدى بن حاتم.
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عبدالملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن عدى بن حاتم، قال: أتينا عمر بن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين ؟ قال: بلى أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا.
فقال عدى: لا أبالى إذا.
وقال ابن إسحاق: وأما عدى بن حاتم فكان يقول فيما بلغني: ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به منى، أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصراينا، وكنت أسير في قومي بالمرباع وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بى.
فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت لغلام كان لى عربي وكان راعيا لابلى: لا أبا لك، اعدد لى من إبلى أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا منى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فأذني.
ففعل.
ثم إنه أتانى ذات غداة فقال: يا عدى، ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد.
قال: قلت: فقرب إلى أجمالي.
فقربها.
فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت، ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام.
فسلكت الجوشية (1) وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها.
وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيئ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام.
قال: فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة (2)، فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن على من الله عليك.
قال: ومن وافدك ؟ قالت: عدى بن حاتم.
قال، الفار من الله ورسوله.
قالت: ثم مضى وتركني، حتى إذا كان الغد مر بى فقلت له مثل ذلك، وقال لى مثل ما قال بالامس.
قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بى وقد يئست، فأشار إلى رجل خلفه أن قومي فكلميه.
قالت، فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن على من الله عليك.
فقال صلى الله عليه وسلم: قد " فعلت، فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك.
ثم آذنينى " فسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن كلميه، فقيل لى: على بن أبى طالب.
قالت: وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، قالت وإنما أريد أن آتى أخى بالشام، فجئت فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لى فيهم ثقة وبلاغ.
قالت:
__________
(1) الجوشية: موضع بين نجد والشام.
(2) الجزلة: العاقلة الاصيلة الرأى.
(*)
فكساني وحملنى وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.
قال عدى، فو الله إنى لقاعد في أهلى فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا (1) قال: فقلت ابنة حاتم.
قال: فإذا هي هي.
فلما وقفت على انسحلت (2) تقول: القاطع الظالم ! احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك ؟ ! قال: قلت: أي أخية لا تقولي إلا خيرا، فو الله مالى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت.
قال: ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت.
قال: فقلت: والله إن هذا الرأى.
قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال: من الرجل ؟ فقلت، عدى بن حاتم.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق بى إلى بيته، فوالله أنه لعامد بى إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها.
قال قلت في نفسي: والله ما هذا بملك ! قال: ثم مضى بى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلى فقال: " اجلس على هذه " قال قلت: بل أنت فاجلس عليها.
قال: " بل أنت ".
__________
(1) ابن هشام: تؤمنا.
(2) انسحلت: جرت بالكلام وفى الاصل: استحلت.
وما أثبته عن ابن هشام 2 / 580 (*)
فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض، قال قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك.
ثم قال: " إيه يا عدى بن حاتم ؟ ألم تك ركوسيا (1) ؟ " قال قلت: بلى.
قال: " أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟ " قال قلت: بلى.
قال: " فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك " قال: قلت أجل والله.
قال: وعرفت أنه نبى مرسل يعلم ما يجهل.
ثم قال: " لعلك يا عدى إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ".
قال: فأسلمت.
قال فكان عدى يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وايم الله لتكونن الثالثة، ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه.
* * * هكذا أورد ابن إسحاق رحمه الله هذا السياق بلا إسناد وله شواهد من وجوه أخر.
__________
(1) الركوسية: دين بين النصارى والصابئين.
(*)
فقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت سماك بن حرب، سمعت عباد بن حبيش، يحدث عن عدى بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب (1) فأخذوا عمتى وناسا، فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصفوا له.
قالت: يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بى من خدمة، فمن على من الله عليك.
فقال: ومن وافدك ؟ قالت: عدى بن حاتم.
قال: الذى فر من الله ورسوله، قالت: فمن على.
فلما رجع ورجل إلى جنبه - نرى أنه على - قال: سليه حملانا.
قال: فسألته فأمر لها.
قال عدى: فأتتنى فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها.
وقالت: إيته راغبا أو راهبا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه.
قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبى، فذكر قربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر.
فقال له: يا عدى بن حاتم ما أفرك ؟ أفرك أن يقال لا إله إلا الله ؟ فهل من إله إلا الله، ما أفرك ؟ أفرك أن يقال الله أكبر ؟ فهل شئ هو أكبر من الله عزوجل ؟ فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى.
قال: ثم سألوه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فلكم أيها الناس أن ترتضخوا من الفضل، ارتضخ امرؤ بصاع، ببعض صاع، بقبضة، ببعض قبضة.
قال شعبة
__________
(1) كذا بالاصل.
ولعل الصواب بعقرباء، اسم مدينة الجولان وهى كورة بدمشق.
(*)
- وأكثر علمي أنه قال بتمرة، بشق تمرة - وإن أحدكم لاقى الله فقائل ما أقول: ألم
أجعلك سميعا بصيرا ؟ ألم أجعل لك مالا وولدا فماذا قدمت.
فينظر من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، فلا يجد شيئا فما يتقى النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوه فبكلمه لينة، إنى لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله وليعطينكم - أو ليفتحن عليكم - حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما تخاف السرق على ظعينتها.
وقد رواه الترمذي من حديث شعبة وعمرو بن أبى قيس، كلاهما عن سماك.
ثم قال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك.
وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبى عبيدة - هو ابن حذيفة - عن رجل، قال: قلت لعدى بن حاتم: حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك.
قال نعم: لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهت خروجه كراهية شديدة، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفى رواية حتى قدمت على قيصر - قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه.
قال قلت: والله لو أتيت هذا الرجل فإن كان كاذبا لم يضرنى، وإن كان صادقا علمت.
قال: فقدمت فأتيته، فلما قدمت قال الناس: عدى بن حاتم.
فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى: يا عدى بن حاتم أسلم تسلم.
ثلاثا.
قال قلت: إنى على دين.
قال: أنا أعلم بدينك منك.
فقلت: أنت تعلم بدينى منى ؟ قال: نعم.
ألست من الركوسية، وأنت تأكل
مرباع قومك ؟ قلت: بلى.
قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك.
قال: نعم.
فلم يعد أن قالها فتواضعت لها.
قال: أما إنى أعلم الذى يمنعك من الاسلام ; تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها: قال.
فو الذى نفسي بيده ليتمن الله هذا الامر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز.
قال قلت: كنوز ابن هرمز ؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد.
قال عدى بن حاتم: فهذه الظعينة [ تخرج (1) ] من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذى نفسي بيده لتكونن الثالثة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها.
ثم قال أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبى عبيدة بن حذيفة، عن رجل - وقال حماد وهشام، عن محمد بن أبى عبيدة ولم يذكر عن رجل - قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدى بن حاتم وهو إلى جنبى ولا أسأله، قال: فأتيته فسألته فقال: نعم.
فذكر الحديث.
* * * وقال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عمرو الاديب، أنبأنا أبو بكر الاسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبرهيم، أنبأنا النضر بن شميل، أنبأنا إسرائيل، أنبأنا سعد الطائى، أنبأنا محل بن خليفة، عن عدى بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل.
__________
(1) من السند 4 / 257.
(*)
قال: يا عدى بن حاتم هل رأيت الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها.
قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا
إلا الله عزوجل.
قال: قلت في نفسي: فأين دعار (1) طيئ الذين سعروا البلاد ؟ ! ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز.
قلت: كسرى بن هرمز ؟ قال: كسرى بن هرمز.
ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم.
قال عدى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة ".
قال عدى: فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله عزوجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم، عن النضر بن شميل به بطوله.
وقد رواه من وجه آخر عن سعدان بن بشر، عن سعد أبى مجاهد الطائى، عن محل بن خليفة، عن عدى به.
ورواه الامام أحمد والنسائي من حديث شعبة، عن سعد أبى مجاهد الطائى به.
وممن روى هذه القصة عن عدى عامر بن شرحبيل الشعبى فذكر نحوه.
وقال: لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها.
__________
(1) الدعار: الاشرار.
(*)
وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة، وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية، كلاهما عن أبى إسحاق، عن عبدالله بن معقل بن مقرن المزني، عن عدى بن حاتم،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتقوا النار ولو بشق تمرة ".
ولفظ مسلم: " من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل " طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم.
* * * وقد قال الحافظ البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنى أبو بكر بن محمد ابن عبدالله بن يوسف، حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفى، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا عاصم بن حميد، عن أبى حمزة الثمالى، عن عبدالرحمن ابن جندب، عن كميل بن زياد النخعي، قال: قال على بن أبى طالب: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير ! عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغى له أن يسارع في مكارم الاخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح.
فقام إليه رجل فقال: فداك أبى وأمى يا أمير المؤمنين، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم.
وما هو خير منه.
لما أتى بسبايا طيئ وقفت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء، شماء الانف معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلة الساقين (1) لفاء الفخذين خميصة الخصرين ضامرة الكشحين مصقولة المتنين.
قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلها في فيئى.
__________
(1) اللعساء: التى في لونها أدنى سواد.
والذلفاء: الصغيرة الانف مع استواء الارنبة.
والعيطاء: الطويلة العنق والدرماء: التى وارى كعبيها اللحم.
والخدلة: الممتلئة.
(*)
فلما تكلمت أنسيت جمالها من فصاحتها.
فقال: يا محمد إن رأيت أن تخلى عنا ولا تشمت بنا أحياء العرب فإنى ابنة سيد قومي، وإن أبى كان يحمى الذمار ويفك
العانى ويشبع الجائع ويكسو العارى ويقرى الضيف ويطعم الطعام ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جارية هذة صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الاخلاق والله يحب مكارم الاخلاق.
فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله تحب مكارم الاخلاق ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذى نفسي بيده لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق (1) ".
هذا حديث حسن المتن غريب الاسناد جدا عزيز المخرج.
وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيئ أيام الجاهلية عند ذكرنا (2) من مات من أعيان المشهورين فيها، وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم ولاحسان، إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق (3) بالايمان، وهو ممن لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لى خطيئتي يوم الدين.
وقد زعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على بن أبى طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيئ فجاء معه بسبايا فيهم أخت عدى بن حاتم، وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم يقال لاحدهما الرسوب والآخر المخذم، كان الحارث بن أبى شمر (4) قد نذرهما لذلك الصنم.
قال البخاري رحمه الله:
__________
(1) تقدم هذا الحديث في الجزء الاول (2) تقدم في الجزء الاول (3) معذوق: معلق.
(4) ت: ابن أبى إسحاق.
(*)
قصة دوس والطفيل بن عمرو
حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن ذكوان - هو عبدالله بن زياد - (1) عن عبدالرحمن الاعرج، عن أبى هريرة، قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوسا قد هلكت وعصت وأبت، فادع الله عليهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهد دوسا وأت بهم ".
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
ثم قال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن أبى هريرة قال: لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها * على أنها من دارة الكفر نجت وأبق لى غلام في الطريق، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال لى النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة هذا غلامك.
فقلت: هو حر لوجه الله عزوجل فأعتقته.
انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم.
وهذا الذى ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو قد كان قبل الهجرة، ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح، لان دوسا قدموا ومعهم أبو هريرة، وكان قدوم أبى هريرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر، ثم ارتحل أبو هريرة حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بعد الفتح فرضخ لهم شيئا من الغنيمة.
وقد قدمنا ذلك كله مطولا في مواضعه.
قال البخاري رحمه الله:
__________
(1) ت: أبو الزناد.
(*)
قدوم الاشعريين وأهل اليمن ثم روى من حديث شعبة، عن سليمان بن مهران الاعمش، عن ذكوان أبى صالح
السمان، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الايمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الابل، والسكينة والوقار في أهل الغنم ".
ورواه مسلم من حديث شعبة.
ثم رواه البخاري، عن أبى اليمان، عن شعيب، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية ".
ثم روى عن إسماعيل، عن سليمان، عن ثور، عن أبى المغيث عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايمان يمان، والفتنة هاهنا، هاهنا يطلع قرن الشيطان ".
ورواه مسلم، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة.
ثم روى البخاري من حديث شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبى مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايمان هاهنا - وأشار بيده إلى اليمن - والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الابل من حيث يطلع قرنا الشيطان.
ربيعة ومضر ".
وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن أبى مسعود عقبة بن عمرو.
ثم روى من حديث سفيان الثوري، عن أبى صخرة جامع بن شداد، حدثنا صفوان
ابن محرز، عن عمران بن حصين، قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أبشروا يا بنى تميم " فقالوا: أما إذ بشرتنا فأعطنا فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجاء ناس من أهل اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " فقالوا: قبلنا
يا رسول الله.
وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري به.
وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن، وليس فيه تعرض لوقت وفودهم، ووفد بنى تميم وإن كان متأخرا قدومهم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنا لقدوم الاشعريين، بل الاشعريون متقدم وفدهم على هذا، فإنهم قدموا صحبة أبى موسى الاشعري في صحبة جعفر ابن أبى طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة، وذلك كله حين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر.
كما قدمناه مبسوطا في موضعه (1)، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " والله ما أدرى بأيهما أسر أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر " والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال البخاري: قصة عمان والبحرين حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، سمع محمد بن المنكدر، سمع جابر بن عبدالله يقول: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا " ثلاثا.
فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما قدم على أبى بكر أمر مناديا فنادى: من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتني.
قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو قد جاء
__________
(1) تقدم ذلك في الجزء الثالث (*)
مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا " قال: فأعرض عنى.
قال جابر: فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطنى، ثم أتيته فلم يعطنى، ثم أتيته الثالثة فلم يعطنى.
فقلت له: قد أتيتك فلم تعطنى ثم أتينك فلم تعطنى، فإما أن تعطيني
وإما أن تبخل عنى قال: قلت: تبخل عنى ؟ قال: وأى داء أدوأ من البخل: قالها ثلاثا ما منعنك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك.
وهكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة به.
ثم قال البخاري بعده: وعن عمرو، عن محمد بن على، سمعت جابر بن عبدالله يقول: جئته فقال لى أبو بكر: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة.
فقال: خذ مثلها مرتين.
وقد رواه البخاري أيضا عن على بن المدينى، عن سفيان، هو ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن محمد بن على أبى جعفر الباقر، عن جابر.
كروايته له عن قتيبة.
ورواه أيضا هو ومسلم من طرق أخر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن محمد بن على، عن جابر بنحوه.
وفى رواية آخرى له أنه أمره فحثا بيديه من دراهم فعدها فإذا هي خمسمائة، فأضعفها له مرتين يعنى فكان جملة ما أعطاه ألفا وخمسمائة درهم.
وفود فروة بن مسيك المرادى أحد رؤساء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وقدم فروة بن مسيك المرادى، مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الاسلام، أصابت همدان من قومه حتى أثخنوهم، وكان ذلك في يوم يقال له الردم، وكان الذى قاد همدان إليهم الاجدع ابن مالك.
قال ابن هشام: ويقال: مالك بن خريم الهمداني.
قال ابن إسحاق: فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم:
مررن على لفات وهن خوص * ينازعن الاعنة ينتحينا (1) فإن نغلب فغلابون قدما * وإن نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا وطعمة آخرينا (2)
كذاك الدهر دولته سجال * تكر صروفه حينا فحينا فبينا ما نسر به ونرضى * ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرات دهر * فألفى في الالى غبطوا طحينا (3) فمن يغبط بريب الدهر منهم * يجد ريب الزمان له خئونا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فأفنى ذلكم سروات قومي * كما أفنى القرون الاولينا قال ابن إسحاق: ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا ملوك كندة قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي أؤم محمدا * أرجو فواضله وحسن ثنائها (4) قال: فلما انتهى فروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: - فيما بلغني - يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم ؟ فقال: يا رسول الله من ذا الذى يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم لا يسؤوه ذلك.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا " واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص
__________
(1) لفات: موضع من ديار مراد.
والخوص: الغائرات العيون من الكلال.
(2) طبنا: شأننا وعادتنا، أو شهوتنا.
(3) ابن هشام: فألفيت ؟ الاولى.
(4) ح: فواضلها وحسن ثرائها.
(*)
على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قدوم عمرو بن معديكرب في أناس من زبيد
قال ابن إسحاق: وقد كان عمرو بن معدى كرب قال لقيس بن مكشوح المرادى، حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقال (1) إنه نبى، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى علينا إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه.
فركب عمرو بن معد يكرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصدقه وآمن به، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وقال: خالفني وترك أمرى ورأيى.
فقال عمرو بن معديكرب في ذلك: أمرتك يوم ذى صنعا * ء أمرا باديا رشده أمرتك باتقاء الل * - ه والمعروف تتعده خرجت من المنى مثل ال * - حمير غره وتده تمنانى على فرس * عليه جالسا أسده على مفاضة كالنه * ى أخلص ماءه جدده (2) يرد الرمح منثنى السنان * عوائرا قصده (3) فلو لاقيتني للقي * ت ليثا فوقه لبده
__________
(1) ابن هشام: يقول.
(2) المفاضة: الدرع السابغة.
والنهى: الغدير.
والجدد: الارض الغليظة المستوية.
(3) العوائر: المتطايرة: والقصد: القطع المتكسرة.
(*)
تلاقى شنبثا شثن ال * براثن ناشزا كتده (1) يسامى القرن إن قرن * تيممه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه * فيخفضه فيقتصده (2) فيدمغه فيحطمه * فيخضمه فيزدرده (3) ظلوم الشرك فيما أح * رزت أنيابه ويده * * * قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معديكرب في قومه من بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو بن معديكرب فيمن ارتد، وهجا فروة بن مسيك فقال: وجدنا ملك فروة شر ملك * حمار ساف منخره بثفر (4) وكنت إذا رأيت أبا عمير * ترى الحولاء من خبث وغدر (5) قلت: ثم رجع إلى الاسلام وحسن إسلامه، وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وعمر الفاروق رضى الله عنهما.
وكان من الشجعان المذكورين والابطال المشهورين والشعراء المجيدين، توفى سنة إحدى وعشرين بعد ما شهد فتح نهاوند، وقيل بل شهد القادسية وقتل يومئذ.
قال أبو عمر بن عبد البر: وكان وفوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع، وقيل سنة عشر فيما ذكره ابن إسحاق والواقدى.
قلت: وفى كلام الشافعي ما يدل عليه فالله أعلم.
__________
(1) الشنبث: الاسد.
والشثن: الغليظ.
والبراثن: المخالب، أو هي بمنزلة الاصابع للانسان والناشز: المرتفع.
والكتد: ما بين الكتفين.
(2) يقتصده: يقتله.
(3) يخضمه: يأكله.
(4) ساف: شم.
والثفر: للسباع وذى المخالب كالرحم للنافة.
(5) الحولاء: كالمشيمة للناقة، وهى جلدة خضراء مملوءة ماء تخرج مع الولد.
(*)
قال يونس عن ابن إسحاق: وقد قيل إن عمرو بن معديكرب لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال في ذلك: إننى بالنبي موقنة نفس * ى وإن لم أر النبي عيانا سيد العالمين طرا وأدنا * هم إلى الله حين بان مكانا جاء بالناموس من لدن الله * وكان الامين فيه المعانا حكمة بعد حكمة وضياء * فاهتدينا بنورها من عمانا وركبنا السبيل حين ركبن * اه جديدا بكرهنا ورضانا وعبدنا الاله حقا وكنا * للجهالات نعبد الاوثانا وائتلفنا به وكنا عدوا * فرجعنا به معا إخوانا فعليه السلام والسلام منا * حيث كنا من البلاد وكانا إن نكن لم نر النبي فإنا * قد تبعنا سبيله إيمانا قدوم الاشعث بن قيس في وفد كندة قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشعث بن قيس في وفد كندة.
فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قد رجلوا جممهم (1) وتكحلوا، عليهم جبب الحبرة قد كففوها بالحرير.
فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ألم تسلموا ؟ قالوا: بلى قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ قال: فشقوه منها فألقوه.
__________
(1) الجمم: جمع جمة وهى شعر الرأس الكثيف.
(*)
ثم قال له الاشعث بن قيس: يا رسول الله نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن
آكل المرار.
قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبدالمطلب وربيعة بن الحارث ".
وكانا تاجرين، إذا شاعا في العرب فسئلا: ممن أنتما ؟ قالا: نحن بنو آكل المرار يعنى ينتسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد، لان كندة كانوا ملوكا، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم، لقول عباس وربيعة: " نحن بنو آكل المرار " وهو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندى - ويقال ابن كندة.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: " لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو (1) أمنا ولا ننتفى من أبينا ".
فقال لهم الاشعث بن قيس: والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين.
وقد روى [ هذا ] (2) الحديث متصلا من وجه آخر فقال الامام أحمد: حدثنا بهز وعفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنى عقيل بن طلحة، وقال عفان في حديثه: أنبأنا عقيل بن طلحة السلمى، عن مسلم بن هيصم، عن الاشعث بن قيس، أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى وفد كندة - قال عثمان - لا يرونى أفضلهم، قال: قلت يا رسول الله: إنا ابن عم إنكم منا.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفى من أبينا ".
__________
(1) لا نقفو أمنا: لا نتهمها بالفجور.
(2) ليست في ا.
(*)
قال: قال الاشعث: فوالله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا
جلدته الحد.
وقد رواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن يزيد بن هارون، وعن محمد بن يحيى، عن سليمان بن حرب.
وعن هارون بن حيان، عن عبد العزيز بن المغيرة، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبى، حدثنا الاشعث بن قيس، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقال لى: هل لك من ولد ؟ قلت: غلام ولد لى في مخرجى إليك من ابنة جمد، ولوددت أن مكانه شبع القوم.
قال: لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا، ثم ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة إنهم لمجبنة محزنة.
تفرد به أحمد وهو حديث حسن جيد الاسناد.
قدوم أعشى بنى مازن على النبي صلى الله عليه وسلم قال عبدالله بن الامام أحمد: حدثنى العباس بن عبد العظيم العنبري، حدثنا أبو سلمة عبيد بن عبدالرحمن الحنفي، قال: حدثنى الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف ابن نهمشل الحرمازى، حدثنى أبى أمين، عن أبيه ذروة، عن أبيه نضلة، أن رجلا منهم يقال له الاعشى واسمه عبدالله الاعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة خرج في رجب يمير أهله من هجر، فهربت امرأته بعده نشزا عليه، فعاذت برجل منهم يقال له مطرف ابن نهشل بن كعب بن قميثع بن دلف بن أهضم بن عبدالله بن الحرماز، فجعلها خلف ظهره فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرف بن
نهشل، فأتاه فقال: يا بن عم أعندك امرأتي معاذة فادفعها إلى.
قال: ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك.
قال: وكان مطرف أعز منه.
قال: فخرج الاعشى حتى أتى النبي صلى عليه وسلم فعاذ به فأنشأ يقول: يا سيد الناس وديان العرب * إليك أشكو ذربة من الذرب (1) كالذئبة العنساء في ظل السرب (2) * خرجت أبغيها الطعام في رجب فخلفتني بنزاع وهرب * أخلفت الوعد ولطت بالذنب وقذفتني بين عصر مؤتشب * وهن شر غالب لمن غلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: " وهن شر غالب لمن غلب ".
فشكا إليه امرأته وما صنعت به، وأنها عند رجل منهم يقال له مطرف بن نهشل، فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم إلى مطرف: انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه.
فأتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه، فقال لها: يا معاذة هذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيك فأنا دافعك إليه.
فقالت: خذ لى عليه العهد والميثاق وذمة نبيه أن لا يعاقبنى فيما صنعت فأخذ لها ذلك عليه ودفعها مطرف إليه، فأنشأ يقول: لعمرك ما حبى معاذة بالذى * يغيره الواشى ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها * غواة الرجال إذ يناجونها بعدى
__________
(1) الذربة: السليطة اللسان.
(2) السرب: جحر الوحشى.
(*)
قدوم صرد بن عبدالله الازدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم قال ابن إسحاق: وقدم صرد بن عبدالله الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من الازد، فأسلم وحسن إسلامه، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من يليه من أهل الشرك من
قبائل اليمن.
فذهب فحاصر جرش وبها قبائل من اليمن وقد ضوت (1) إليهم خثعم حين سمعوا بمسيره إليهم، فأقام عليهم قريبا من شهر فامتنعوا فيها منه، ثم رجع عنهم حتى إذا كان قريبا من جبل يقال له شكر فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما، فخرجوا في طلبه فعطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا.
وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فبينما هما عنده بعد العصر إذ قال: " بأى بلاد الله شكر ؟ " فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر.
وكذلك تسميه أهل جرش.
فقال: إنه ليس بكشر ولكنه شكر.
قالا: فما شأنه يا رسول الله ؟ فقال: إن بدن الله لتنحر عنده الآن.
قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان فقال لهما: ويحكما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لآن لينعى قومكما، فقوما إليه فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال: " اللهم ارفع عنهم ".
فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاء وفد أهل جرش بمن بقى منهم، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وحسن إسلامهم وحمى لهم حول قريتهم.
__________
(1) ضوت: لجأت.
(4) (*)
يتبع ان شاء الله بصفحة 18 من المدونة ج5//3.

روابط عرض كتاب السيرة النبوية لابن كثير
3.   3. ج1/ 3 ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق